رحيل أكبر معمر في الأزهر الشيخ معوض عن عمر يناهز الـ 106 عام

رحل العلامة الأزهري الشيخ معوض عوض إبراهيم عن عمر يناهز 106، بعد مسيرة من العطاء استمرت لعقود، كتب خلالها مؤلفات عن الإسلام، وفلسطين، ودراسات نقدية في اللغة والأدب

رحيل أكبر معمر في الأزهر الشيخ معوض عن عمر يناهز الـ 106 عام
السبت 30 حزيران, 2018   08:32

القاهرة

رحيل العالم الكبير معوض عوض إبراهيم، مثّل رحيلًا لشمس من شموس العلم الأزاهرة، الذين غطى علمهم الدنيا بربوعها. وجاءت جنازته التي شهدها آلاف من تلامذته ومريديه ومحبيه، لتشهد على عطاء العالم الراحل، الذي كان بمثابة قبلة لكل من يريد تفسيرًا حول المسائل الشرعية المعقدة، ونبراسًا في خدمة الإسلام والمسلمين، ونورًا يضيء الطريق لأولئك الذين أصابت غشاوة الحياة أعينهم.

في العام 2012، الذي تزامن مع العام المائة للشيخ الراحل، لم يكد يرحل حتى احتفى أبناؤه من الأزاهرة الكبار بمسيرته، فيما قدم أحد الباحثين بجامعة الأزهر رسالة ماجستير عن رحلة الشيخ الطويلة ودوره الكبير في خدمة الإسلام. وتسمو أخلاقيات الأزهر وأدبياته واحترام علمائه في أن الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، كان يقدمه قبله في كل الأحاديث التي جمعتهما في مناسبات عامة أو لقاءات خاصة.

عبر مسيرته الطويلة، قدم الشيخ عشرات المؤلفات، وفرضت كتاباته على كبار المكتبات الغربية ترجمة الكثير من تلك المؤلفات لما فيها من دسامة المعرفة وغزارة العلم واتساع الرؤية وشمولية الرأي، وتناولت كتاباته أبعادًا اجتماعية كبيرة، لاسيما وأنه لم يركز في كتاباته على أصولية العقيدة، بقدر ما أراد أن يظهر روح الإسلام وحقيقته ورؤيته للواقع، كما عرف بعفة اللسان وطيب الخلق فلم يرمي أحدًا من مخالفيه بشرك أو كفر.

فتناول رأي الإسلام في المجتمع السعيد من خلال عالمه الصغير متمثلًا في الأسرة، فكتب "الإسلام والأسرة السعيدة" عام 1960، الذي رصد خلاله العلاقات الأسرية كما يراها الدين الإسلامي، وخلق الإسلام في العلاقة التي تربط الزوج بزوجته، واستشهد بسيرة النبي مع آل بيته، كما حث على ضرورة تربية الأبناء بالطرق الإسلامية الصحيحة من خلال مؤلفه "الأولاد ودائع الله عندنا"، ولم يبتعد الشيخ المحدث كثيرًا عن إظهار إنسانية الإسلام في ربوع الحياة وأهمية العبادات في ترسيخ العلاقات الإنسانية التي تربط شخوص المجتمع الواحد خلال مؤلفه "إنسانية العبادات في الإسلام".

ولم يفت فضيلة العلامة الشيخ معوض عوض إبراهيم، قضية القضايا "فلسطين"، وسخر لها مجلدًا كاملًا بعنوان "فلسطين وكيف نستردها عربية مسلمة".

في لغة الإمام الراحل، رصانة، وفي رصدها، متانة، ويتمتع سردها بالسهل الممتنع، ذلك أن الشيخ كان يتمتع بلمسة أدبية أبهرت كبار الكتاب والأدباء في عصره، حتى أنه كان يكتب الشعر، فاصدر ديوانه الشهير "من رحيق الإيمان"، وقدم دراسات نقدية في اللغة والأدب في الكثير من المؤلفات.

جانب من حياته

ولد الشيخ  معوض عوض إبراهيم، عام 1912، بمحافظة الدقهلية (شمال العاصمة المصرية)، وتمكن من حفظ القرآن الكريم في سن صغيرة، مكنه من الالتحاق للدراسة في الأزهر الشريف، في العام 1926، وتدرج في التعليم الأزهري حتى حصل على كلية أصول الدين وتخصص في الدعوة عام 1939، ويعد أقدم خريج أزهري ومن أكبر المحدثين بالعالم الإسلامي سنًا في عصره.

بعد تخرجه مباشرة، عين واعظًا في محافظة أسوان (جنوب مصر)، وبدأ ينتقل من محافظة لأخرى من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن شرق مصر لغربها، حتى حصل على تخصص التدريس والتربية من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، والذي مكنه من خوض التدريس الشرعي في عدد من الجامعات العربية بلبنان والأردن والسعودية (في الرياض والمدينة المنورة)، ثم رئيسًا لقسم الدعوة في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت، ثم التحق بالإفتاء بلجنة الفتوى بالأزهر الشريف في عهد الإمام الأكبر شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق.

كان الشيخ مقبلًا وهو في سن صغيرة على العلم، وخدمته الظروف في أن يتتلمذ على يد كبار علماء الأزهر الشريف وحظي خلالها ما لم يحظ به كثيرون، ومن بين أولئك العلماء الذين تتلمذ على يدهم المشايخ "محمد الأودن، محمد سلامة، محمد عبد العظيم الزرقاني، والزنكلوني، ومحمد أبو زهرة، ومحمد يوسف موسى"، وعاصر أئمة كُثُر من أئمة الأزهر الكبار وارتبط بكبار علمائه وعلى رأسهم، الشيخ المشد، والمراغي، ومحمود شلتوت، وعبد الحليم محمود".

قبيل نحو 80 عامًا، مارس الشيخ الراحل الكتابة، وسخرها لخدمة الإسلام وقضايا المسلمين، وأفردت عدد من الصحف والدوريات المصرية والعربية مساحات شاسعة له ليبدي آراؤه فيما يتعلق بتلك القضايا، واستطاع خلال تلك الفترة أن يفرض نفسه على الجميع وأن ينال احترامًا كبيرًا حتى من ألد خصومه في الرأي، ذلك لما في كتاباته من آراء تنويرية تحترم الآخر وتُجل أدبيات الإسلام وتظهر خلقه وروحه، ليترك الإمام الراحل إرثًا كبيرًا وعلمًا وفيرًا وكتابات هائلة لا تحتويها دفوف المكتبات، وما إن جنّ مساء الأربعاء الموافق 20 حزيران/يونيو لعام 2018 ليضع حدًا لمسيرته العطاءة، وتصعد روحه إلى بارئها.

ANHA