مصر تعيد هيكلة دعم الطاقة.. وخبراء: ضرورية لسداد ضريبة عشوائية القرارات

عجلت الارتفاعات المتتالية التي يشهدها سوق النفط العالمية، بقرار الحكومة المصرية، رفع تعريفة المواد البترولية في البلاد، وتزامن هذا الارتفاع مع زيادة شهدتها أسعار الكهرباء، وهو ما يسرع من وتيرة تطبيق خطة الإصلاح الاقتصادي التي أعلنت عنها الحكومة المصرية قبل سنوات.

مصر تعيد هيكلة دعم الطاقة.. وخبراء: ضرورية لسداد ضريبة عشوائية القرارات
السبت 30 حزيران, 2018   01:35

القاهرة

لجأت مصر منذ نحو أربع سنوات، إلى إعادة هيكلة دعم الطاقة بشقيها "كهرباء ومواد بترولية"، وهو ما انتهجته الحكومة المصرية خلال تلك الفترة بشكل تدريجي، على مرات ثلاثة.

وبررت الحكومة المصرية، قراراتها الخاصة بهيكلة منظومة الدعم بأنه يمثل عبئاً كبيراً على الموازنة العامة، وترى ضرورة توجيه دعم الطاقة إلى ملفي التعليم والصحة، اللذان يعانيان أزمة في توفير الملاءة المالية الكافية لتحقيق معدلات أفضل بهما، لاسيما في ظل الاتجاه العام نحو تحسين الخدمة في كليهما.

ومن المتوقع أن يتم الإلغاء الكامل لدعم الطاقة بحلول العام المالي المقبل، أي بحلول حزيران/يونيو من العام 2019، في الوقت الذي يبلغ دعم المواد البترولية حالياً نحو 89.075 مليون جنيه مقابل 110 مليارات جنيهاً (نحو6.2 مليارات دولار) للعام المالي الماضي، بانخفاض بلغ 21 في المائة، وهي الخطة التي كان قد أعلن عنها هشام قنديل رئيس الحكومة في عهد محمد مرسي الرئيس الأسبق المحسوب على الإخوان المسلمين، عام 2012، ما يفند دعايات مضادة للنظام المصري الحالي بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بخصوص رفع الدعم الحكومي عن الطاقة.

وتلتزم الحكومة المصرية بالجدول الزمني لرفع الدعم منذ منتصف حزيران/يونيو 2014، وكانت الزيادة الأخيرة في المواد البترولية مع حلول اليوم الثاني من إجازة عيد الفطر، فيما سبقتها بأيام قليلة ارتفاعٌ ملحوظ لتعرفة الكهرباء.

وزير الكهرباء المصري الدكتور محمد شاكر، أعلن في الثاني عشر من حزيران/يونيو الجاري، ارتفاع تعرفة الكهرباء، بمتوسط بلغ نحو  26 في المائة بالنسبة للمنازل، فيما بلغت تعرفة الكهرباء في محطات الجهد الفائق التي تستخدمها المصانع نحو 41.8 في المائة على أن يتم تطبيق الزيادات الأخيرة بدءًا من السنة المالية الجديدة 2018-2019.

قرار وزير الكهرباء، أثار غضباً ملفتاً داخل الشارع المصري، لاسيما عدد المستفيدين من الخدمة، التي يراها المواطنون تشهد أخطاء كبيرة تكلفهم أعباء إضافية، خاصة فيما يتعلق بقراءات العدادات.

ويبلغ عدد المستفيدين من خدمة الكهرباء في مصر من المواطنين، نحو 30 مليوناً، وتزيد تدريجياً في العام الواحد نحو مليون مواطن، وهو ما دفع الحكومة بوضع استراتيجية لمواجهة الزيادة المطردة في عدد المستخدمين، من خلال تحديث شامل للمنظومة وتنويع مصادر الكهرباء.

ويرى المواطنون، حالة من التناقض بين تصريحات وزير الكهرباء المصري، الذي يشير إلى وجود فائض في الكهرباء، بمعدل يبلغ نحو 20 ميغاواط، والارتفاعات التدريجية التي تشهدها أسعار الخدمة، خاصة وأنه وقتما كانت الخدمة عجزًا كانت الأسعار أقل كلفة عما تلاها من تطوير، وهو ما يستدعي تقديمها بأسعار تتلائم ودخول المواطنين.

ولم تخف الحكومة المصرية نيتها الارتفاع التدريجي لأسعار الطاقة بشقيها، ففي الموازنة العامة الجديدة فإن التقديرات الأولية تشير إلى انخفاض دعم المواد البترولية بنحو 26 في المائة، فيما قدرت انخفاض الدعم الموجه للكهرباء بنسبة بلغت 47 في المائة.

ومع الاتجاه العالمي لزيادة أسعار الوقود عالمياً، فإنه من المتوقع أن ينعكس ذلك على زيادة الأسعار في مصر بنحو 40 في المائة بعد الزيادة الجديدة، التي أعلن عنها وزير البترول والثروة المعدنية المهندس طارق الملا في أعقاب عيد الفطر المبارك.

ويتجه مراقبون إلى تفسير الزيادات المتتالية لأسعار الطاقة في مصر إلى برنامج ثنائي أطرافه الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي، متفق عليه مسبقًا، حتى تكون قادرة على الإيفاء بما عليها من مستحقات للصندوق، الذي لجأت إليه مصر لإقراضها بنحو 12 مليار دولار، تلقت منه مصر 6 مليارات دولار، فيما تنتظر الحصول على الشريحة الرابعة بحلول حزيران/يونيو المقبل.

وطبقًا لإعلان مجلس الوزراء المصري الذي صدق على قرار ارتفاع أسعار الطاقة، فإن الارتفاعات شملت أسعار "اسطوانات  الغاز (البوتاجاز) المنزلي والتجاري - والبنزين والسولار والكيروسين".

ويفند المهندس أسامة كمال، وزير البترول المصري الأسبق، لـ"وكالة أنباء هاوار"، واقع الحال للزيادات الجديدة، بالقول: إن ارتفاع أسعار المواد البترولية والكهرباء، بات أمراً ملحاً، في ظل الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد المصري والتي كانت على أشدها في أعقاب ثورة 25 يناير، وهو ما دفع الحكومة إلى وضع برنامج شامل للإصلاح الاقتصادي.

لكن ثمة ما يقلق المواطنين في مصر، في ظل هذه الزيادات المتتاليات، والتي تأتي تباعاً، ففي الوقت الذي شهد فيه منتصف رمضان الفائت ارتفاعاً في فاتورة المياه، لم يفت سوى أسبوعاً واحداً وارتفعت تعرفة الكهرباء، وفي أقل من أسبوع تلاها ارتفاع البنزين، وهو ما يشكل أعباء إضافية على المواطنين، وسط مطالب بضرورة ارتفاع دخولهم حتى يتسنى لهم القدرة على تسديد هذه الزيادات.

وأضاف وزير البترول الأسبق، أن عجز الموازنة العامة يستدعي وضع ضرورة خطة حثيثة للتخلص من الأعباء الثقيلة التي يعاني منها الاقتصاد المصري، لاسيما وأن هذه الزيادة ستوفر ما قيمته 60 ملياراً، مشيراً إلى أنه في ظل توجه الدولة المصرية إلى التوسع في برامج الحماية الاجتماعية فإنه من الضروري أن يصل الدعم لمستحقيه.

وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي أدى اليمين الدستورية رئيساً لولاية ثانية للبلاد، قبيل أيام، قد أكد على ضرورة توجيه الدعم للشرائح الأكثر احتياجاً. وطالب بالتركيز على ملفي التعليم والصحة، لاسيما وأنهما يعتبران البنية الأساسية للبلدان التي تسعى لتحقيق نهضة تنموية شاملة.

ويرى المهندس طارق الحديدي، الرئيس الأسبق لهيئة البترول المصرية، أن الأسعار الحالية رغم الزيادات التدريجية التي طرأت على مخصصات المواد البترولية، إلا أنها لا تزال الخدمة الأرخص عالمياً، بالمقارنة مع كبريات الدول، لكنه في المقابل يرى في هذه الزيادة منافع متعددة في مقدمتها، توعية المواطنين بأهمية ترشيد الاستهلاك من خلال أن يكون للمواطن ثقافة تنعكس إيجاباً على سلوكه ومن ثم على المجتمع.

وأكد لوكالة أنباء هاوار، على ضرورة التحمل لاسيما في ظل التحديات التي تواجهها البلاد، مشيراً إلى أن تخطي أسعار البترول العالمية حاجز الـ 80 دولاراً للبرميل، عجل بوتيرة التطبيقات الأخيرة لتعرفة أسعار الطاقة في مصر.

لكن صندوق النقد، أرسل في 5 حزيران/يونيو الجاري، رسائل تحذيرية للحكومة المصرية، وارتأى ضرورة إيفاء مصر بسرعة تنفيذ برنامجها الإصلاحي، وإلا فإن الموازنة العامة ستتعرض لمخاطر كبيرة خلال الفترة المقبلة، في ظل أسعار النفط العالمية.

وبالحديث عن الخفض الذي تعانيه الموازنة العامة في ظل ترشيد الانفاقات، فإن ما هو مستهدف لخفض العجز بالموازنة، الوصول لدائرة الأمان وأولاهما، عجز الموازنة نحو 8.4 بالمائة في العام المالي المقبل، ونحو 9.8 بالمائة في العام المالي الجاري، و10.9 بالمائة في العام المالي السابق.

فيما يأخذ البعض على الحكومة المصرية إجراءاتها وقرارتها، لاسيما في الوقت الذي ترتفع فيه نسبة التضخم في البلاد على نحو كبير مما انعكس سلباً على أسعار السلع والمواد الأساسية للمصريين، دون اتخاذ تدابير ارتفاع مستويات دخول المواطنين، لكن عدداً لا بأس منهم يعولون على حديث الرئيس السيسي الذي وعد بتحسين حياة المواطنين خلال فترة قليلة لاسيما في أعقاب افتتاح عدد من المشروعات القومية الكبرى في مقبل الأيام.

لكن الباحث الاقتصادي في معهد البحوث الاقتصادية، أحمد علي، يرى في ارتفاع تعرفة الطاقة في مصر وانخفاض الدعم الموجه لها غير كاف في ظل ارتفاع فاتورة دعم الطاقة في البلاد، متوقعاً أن ينعكس ذلك إيجاباً على الفقراء في مصر، لاسيما وأن الشرائح الأكثر احتياجاً لم تستفد بشكل كافٍ من هذا الدعم.

واستطرد في حديثه لهاوار، بالقول: إن مصر أضحت تسعى لأن تكون محوراً إقليمياً للطاقة في المنطقة، مستفيدة في ذلك من موقعها الاستراتيجي الفريد، وكذلك التنويع الذي شهدته البلاد في مصادر إنتاج الطاقة الكهربائية، واكتشافات غاز المتوسط التي ستؤدي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول نهاية العام الجاري.

وأردف قائلًا: مصر تدفع ضريبة عشوائية القرارات التي اتخذت عبر عقود ماضية، وكان ضرورياً مواجهة تلك العشوائية بقرارات صعبة حتى نتخلص من تبعات الماضي، مشيراً إلى أن هذه القرارات ستفيد الأجيال القادمة كثيراً.

ووفقًا لتلك الارتفاعات، فإن ثمة مطالبات بوضع رقابة صارمة على الأسواق تفرض نفسها في الوقت الحالي، لاسيما في ظل توقعات بارتفاع نسبة التضخم في السوق المصرية تباعاً، وهو ما سيؤثر على أسعار السلع الأساسية التي يعتمد عليها المواطنون، لاسيما في ظل لجوء بعض التجار في البلاد إلى وضع تسعيرات متغايرة في ظل غياب الرقابة على الأسواق في أعقاب هذه القرارات، ما يثير غضب المواطنين جراء تحكماتهم تلك.

ANHA