تأخر صرف مستحقات القمح بالحسكة يفاقم معاناة المزارعين ويهدد الموسم المقبل

يواجه مزارعو القمح في الحسكة تأخراً في صرف مستحقاتهم المالية ما يهدد الموسم الزراعي المقبل، وسط وعود رسمية بتسديد الفواتير المتأخرة بحلول نهاية تشرين الأول 2026، في حين تعزو الجهات الرسمية التأخير إلى امتلاء الصوامع، وتغيير بعض المخازن، وإجراءات تدقيق محاصيل أُرسلت إلى خارج المحافظة.

تأخر صرف مستحقات القمح بالحسكة يفاقم معاناة المزارعين ويهدد الموسم المقبل
الإثنين 5 تشرين الأول, 2026   05:07
الحسكة
جيهان محمد

واجه الموسم التسويقي لمحصول القمح في محافظة الحسكة، الذي انطلق رسمياً في 11 حزيران 2026، عقب بدء عمليات الحصاد في الثامن من الشهر ذاته، تعقيدات واسعة، تداخلت فيها التحديات اللوجستية مع أزمة مالية أثارت استياءً واسعاً بين المزارعين.

وعلى الرغم من إعلان الجهات المعنية تجهيز نحو 20 إلى 21 مركزاً وصومعة لاستقبال المحصول، واعتماد نظام تسجيل إلكتروني عبر منصة مخصصة لتنظيم أدوار التوريد والحد من الازدحام، وهو ما مكّن مدينة الحسكة من الاستحواذ على نحو 42% من إجمالي كميات القمح المستلمة في البلاد خلال شهر حزيران، فإن هذه الإجراءات التنظيمية لم تحمِ المزارعين من الأزمات المالية.

وحددت وزارة الاقتصاد والصناعة سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى "المشوّل" بـ 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن الواحد، وهو ما يعادل نحو 330 إلى 340 دولاراً أمريكياً وفق أسعار الصرف الموازية عند صدور التسعيرة.

لكن الآمال بموسم ميسّر تحولت سريعاً إلى موجة من الشكاوى، إذ أكد عدد من المزارعين الذين التزموا بتسليم محاصيلهم عبر المنصة الإلكترونية أنهم لم يتسلموا مستحقاتهم المالية حتى الآن.

وأوضح المزارعون أن تأخر صرف قيم المحاصيل يضعهم أمام مأزق معيشي واقتصادي، ويهدد قدرتهم على سداد الديون المتراكمة عليهم لشركات الأسمدة، وموردي المحروقات، وأصحاب الحصادات، والعمال، فضلاً عن عجزهم عن التخطيط للمواسم الزراعية المقبلة.

وطالب المزارعون بالتدخّل الفوري لصرف مستحقاتهم بشكل نقدي وسريع، ودون تعقيدات مصرفية، تجنباً لتفاقم خسائرهم الاقتصادية في ظل الظروف الراهنة.

مزارعون: لم نتسلم مستحقاتنا منذ أشهر

وفي حديثه عن الأزمة، قال المزارع متعب عيسى: "قمت بشحن أربع قاطرات من القمح منذ ما يزيد على ثلاثة أشهر، وتحديداً في السادس عشر من حزيران، بحمولة بلغت 45 طناً لكل قاطرة، وحتى اللحظة لم أتقاضَ ليرة سورية واحدة".

وأكد عيسى رفضه استلام مبالغ مجزأة، موضحاً أن الجهات المعنية تحتجز فواتير تتعلق بعشرات الأطنان، مقابل عرض دفعة مالية واحدة لا تتجاوز 100 مليون ليرة سورية.

وتابع: "رفضت استلام هذه الدفعة المجزأة لأنها لا تغطي جزءاً بسيطاً من التزاماتي المترتبة عليّ، من أجور الحصاد والجرارات، وثمن البذار والأسمدة والأدوية الزراعية. ومن الأفضل لي ولغيري من المزارعين أن نستلم أموالنا كاملة دفعة واحدة، أو على الأقل قيمة كل قاطرة على حدة. فالتقسيط مرفوض تماماً، ولم يسبق حتى للتجار أن عاملونا بهذه الطريقة".

وحذر عيسى من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع المزارعين إلى ترك أراضيهم وعدم زراعتها.

من جانبه، أشار المواطن علي عيسى إلى الوعود التي أطلقتها مديرية المالية مؤخراً، وقال إن التصريحات الرسمية تفيد ببدء صرف الفواتير خلال شهر تشرين الأول الجاري، وأشار إلى أن هناك تخوف حقيقي يسيطر على المزارعين من امتداد الأزمة وبقاء الفواتير معلقة حتى العام المقبل.

توقيف فواتير محاصيل حُوّلت إلى ريف دمشق

وفي السياق ذاته، تحدث المزارع إسماعيل محمد عن أزمة أخرى واجهت مزارعي مدينة الحسكة الذين حُوّلت محاصيلهم إلى خارج المحافظة.

وقال: "بسبب الضغط الكبير على مراكز استلام القمح في مدينة الحسكة، عُرض علينا من قبل المدير العام للزراعة تحويل شحناتنا إلى محافظات أخرى لتسريع العملية، ووافقنا تفادياً للانتظار الطويل، حيث جرى تحويل قاطراتي الثلاث إلى صوامع الضمير والكسوة في ريف دمشق".

وأضاف إسماعيل: "خضع المحصول للفحص والرقابة، واستلمنا وصولات التسليم الرسمية منذ 26 حزيران الماضي، لكننا فوجئنا قبل أيام بتوقيف فواتيرنا بالكامل من قبل لجنة في دمشق، دون أي مبرر".

وشدد إسماعيل في حديثه على أن تسليم القمح تم لمؤسسات الدولة وليس لتجار، وأنه في حال وجود فساد أو رشاوى داخل الصوامع، فإن من واجب الجهات المعنية محاسبة الموظفين المتورطين، بدلاً من تحميل المزارع تبعات التحقيقات وانتظار نتائجها.

وختم إسماعيل حديثه بالإشارة إلى أن محافظات الحسكة ودير الزور والرقة تعاني من شلل تام، وغياب للسيولة النقدية، على الرغم من وفرة إنتاج القمح هذا العام.

ولفت إلى أن بيع المحصول للتجار، حتى وإن كان بسعر أقل من السعر الرسمي، بات بالنسبة لبعض المزارعين خياراً يضمن الحصول على مستحقاتهم نقداً وفي اليوم ذاته، بدلاً من الانتظار لأشهر.

وعدّ أن ما يجري خلال شهر تشرين الأول يمثل صدمة للمزارعين الذين كانوا ينتظرون دعماً حكومياً، وليس مواجهة مزيد من التأخير بحجة غياب السيولة.

وعود رسمية بصرف الفواتير المتأخرة

وفي السياق، عقد اجتماع في مبنى محافظة الحسكة، ضم نائب المحافظ أحمد الهلالي وأعضاء المكتب التنفيذي وعدداً من المزارعين، لبحث أزمة تأخر صرف مستحقات محصول القمح.

ووفق ما طُرح خلال الاجتماع، صدرت وعود رسمية بصرف جميع فواتير القمح المتأخرة بحلول نهاية تشرين الأول 2026.

وبررت الجهات الرسمية تأخر صرف المستحقات بظروف استثنائية، أبرزها امتلاء الصوامع بالمواسم السابقة، وإخلاء وتغيير بعض المخازن، بالإضافة إلى الإجراءات المرتبطة بتدقيق الشكاوى الخاصة بالمزارعين الذين أرسلوا محاصيلهم إلى خارج المحافظة، ومنها حمص ودمشق، ولم تُصرف قيم محاصيلهم حتى الآن.

(ل م)

ANHA