مخرجة تكسر الصمت المجتمعي عبر خشبة المسرح

اختارت الكاتبة والمخرجة المسرحية فاطمة أحمد، خشبة المسرح وسيلة لكسر الصمت المجتمعي حول القضايا التي تمس النساء، من خلال تسليط الضوء على أسبابها ونتائجها وطرح الحلول الممكنة، انطلاقاً من إيمانها بدور الفن في إحداث التغيير وتعزيز الوعي.

مخرجة تكسر الصمت المجتمعي عبر خشبة المسرح
مخرجة تكسر الصمت المجتمعي عبر خشبة المسرح
مخرجة تكسر الصمت المجتمعي عبر خشبة المسرح
مخرجة تكسر الصمت المجتمعي عبر خشبة المسرح
السبت 25 تموز, 2026   03:50
الحسكة
بوطان حسين

بدأت فاطمة أحمد، المنحدرة من مدينة سري كانيه، رحلتها في الكتابة والإخراج المسرحي مع اندلاع ثورة روج آفا عام 2012، بعدما دفعتها ظروف الحرب والهجمات ومعاناة النزوح والتهجير القسري التي عاشتها المنطقة، ولا سيما مدينتها، إلى التعبير عن هذا الواقع عبر المسرح.

وتنحدر فاطمة من عائلة محبة للفن، فهي ابنة الممثل المسرحي فواز أحمد، الذي كان عضواً في فرقة "تولهلدان" بمدينة الحسكة خلال تسعينيات القرن الماضي، الأمر الذي منحها خلفية مسرحية منذ طفولتها.

وتستذكر فاطمة تلك المرحلة، موضحة أن منزل عائلتها كان أشبه بمركز ثقافي مصغر، يجتمع فيه المخرجون والكتاب والممثلون لإجراء التدريبات والبروفات استعداداً للاحتفال بالأعياد الوطنية، وعلى رأسها عيد نوروز، الذي كان الاحتفال به محظوراً آنذاك، ما اضطر الفنانين إلى التحضير له سراً داخل المنازل، في ظل تعرض العديد منهم للاعتقال.

وفي بداياتها عملت فاطمة كاتبةً لمسرح الأطفال في مركز الثقافة والفن بمدينة سري كانيه، بينما كان المخرج محمد رسول يتولى إخراج الأعمال، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى الإخراج نتيجة ظروف التهجير وواقع جديد فرض عليها تحمل هذه المسؤولية.

وكانت أولى أعمالها المسرحية بعنوان "diziya bexçeyan" (سرقة البستان)، والتي تناولت مخاوف الأطفال من الحرب والتفجيرات وسرقة طفولتهم.

المرأة محور أعمالها المسرحية

وإلى جانب هذا العمل، تحرص فاطمة منذ البداية على أن تكون المرأة محور أعمالها المسرحية على حد تعبيرها، خاصة بعد معايشتها معاناة التهجير المتكرر إثر الهجمات التي تعرضت لها مدينة سري كانيه.

وترى أن المرأة في روج آفا كردستان تختلف عن كثير من نساء العالم، إذ لعبت دوراً محورياً في ثورة 19 تموز (2012)، وتشغل مواقع مهمة في مراكز صنع القرار، إلى جانب حضورها الفاعل في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية.

وتوضح أن اختيارها الدائم لقضايا المرأة يعود إلى إيمانها بأن الفن لا يكتمل دون حضور المرأة، مضيفة: "العمل المسرحي الناجح أن تكون المرأة شريكة أساسية فيه".

كما اختارت العمل ضمن مركز هلال زيرين لثقافة المرأة في مدينة الحسكة، كونه يهتم بفن وثقافة المرأة الكردية ويسلط الضوء على قضاياها المختلفة.

وقبل ستة أعوام، أسست فاطمة فرقة مسرحية نسائية حملت اسم "الشهيدة دارسين"، تضم نحو تسع ممثلات، بهدف تدريبهن وتطوير مهاراتهن المسرحية، وتمكينهن من تقديم أعمال تناقش مختلف القضايا المتعلقة بالمرأة في روج آفا.

وتؤكد أن كتابة النصوص المتعلقة بقضايا المرأة تأتي بالنسبة لها بصورة طبيعية، لأنها عاشت جانباً كبيراً من تلك المعاناة بنفسها خلال فترات التهجير.

وتضيف أن المسرح يعكس واقع النساء في روج آفا، عبر تسليط الضوء على "ثورة الجدائل" التي شكلت انطلاقة جديدة للمرأة وأسهمت في نهضة الثقافة والفن، من خلال إبراز نضال النساء وصمودهن في مواجهة الهجمات، وتقول: "المرأة الكردية جزء أساسي من الثورة، وهي منبر للعالم كله".

وتشير فاطمة إلى أنها تتناول القضايا الأكثر ارتباطاً بحياة النساء اليومية، وفي مقدمتها العنف الأسري والجسدي والاجتماعي، وتزويج القاصرات، ومعاناة التهجير والنزوح، والاستغلال بمختلف أشكاله، بالإضافة إلى أهمية تمكين المرأة اقتصادياً وتعليمياً، وتعزيز قدرتها على حماية نفسها، من خلال تسليط الضوء أيضاً على دور وحدات حماية المرأة.

وترى أن الفن يمثل قوة ثقافية حقيقية، وأن القلم وخشبة المسرح يشكلان وسيلتين للدفاع عن حقوق النساء وإبراز نضالهن للحفاظ على كرامتهن ومكتسباتهن.

المسرح وتعزيز الوعي المجتمعي

كما تؤكد فاطمة أن المسرح يؤدي دوراً مهماً في رفع الوعي بحقوق المرأة، لأنه يطرح قضايا يصعب تداولها في الحياة العامة، ويسهم في كسر حاجز الصمت من خلال تناولها من منظور نسائي، وكشف أسبابها ونتائجها وتداعياتها أمام الجمهور.

وتضيف أن المسرح يعرض الظواهر الاجتماعية بكل أبعادها، الأمر الذي يساعد المجتمع على فهمها والبحث عن حلول لها، كما يعزز أهمية اعتماد النساء على أنفسهن عبر التعليم والاستقلال الاقتصادي.

اختيار المواضيع

وتوضح أن اختيار موضوعات أعمالها يستند إلى الواقع الذي تعيشه النساء في روج آفا، مع توظيف الخيال الفني لإيصال الفكرة بصورة أكثر تأثيراً ووضوحاً.

أما رسالتها الدائمة في كل عمل مسرحي، فهي دعوة النساء إلى الإيمان بقدراتهن، ومواصلة النضال والعمل من أجل تحقيق أهدافهن.

تحديات عديدة

إضافةً إلى ما قدمته من أعمال، يبرز وجه آخر واجهته فاطمة ألا وهي التحديات، تقول المخرجة إنها واجهت في مسيرتها الفنية العديد من التحديات، أبرزها النظرة المجتمعية إلى عمل المرأة في المسرح، بالإضافة إلى قلة الفرص المتاحة، خاصة في ظل منع المسرح الكردي خلال حكم نظام البعث السابق.

وتوضح: "كان الشغف والإبداع موجودين لدي منذ فترة الدراسة، لكن نظام البعث لم يكن يسمح لنا بممارسة هذا الفن، ومع اندلاع ثورة روج آفا فُتحت أمامي أبواب كثيرة لتحقيق هذا الحلم".

كما لفتت إلى أن المسرح يعاني نقصاً في الكوادر المتخصصة بمجالات الصوت والإضاءة والديكور والأزياء والموسيقى، ما يضطر المخرج إلى تولي مهام متعددة إلى جانب الإخراج. وأكدت أنها استطاعت التغلب على هذه الصعوبات بالإصرار والعزيمة، مدعومةً بعائلتها ومركز هلال زيرين.

أعمال تعتز بها

وتعتز فاطمة بمسرحية "حقيبة وسو"، التي حصدت بطلتها جائزة أفضل ممثلة في الدورة السادسة من مهرجان الشهيد يكتا هركول للمسرح عام 2023. وتتناول المسرحية قصة امرأة تعمل في أحد المنازل وتتعرض للاستغلال من قبل أصحاب العمل، فيما تظل تنتظر حقيبة تحمل لها أملاً طال انتظاره.

كما تفخر بمسرحيتي "انتقام الجدائل" و"الجمر والنار"، اللتين تتناولان دور مقاتلات وحدات حماية المرأة في الحرب ضد مرتزقة داعش، مؤكدة أن هذين العملين يجسدان واقع المرأة الكردية ونضالها وتضحياتها.

واقع المسرح في روج آفا

وبشأن واقع المسرح في روج آفا، تقول فاطمة إنه يتأرجح بين الحضور الجيد والضعف، مشيرة إلى أن المسرح الكردي شهد تطوراً ملحوظاً بعد ثورة روج آفا، بعدما كان نشاطه في التسعينيات يقتصر على المناسبات الوطنية، ليصبح حاضراً في مهرجانات مثل "يكتا هركول للمسرح وميتان وبرجم".

ورغم هذا التطور، لا يزال المسرح يعاني من ضعف الدعم المادي، ما أدى إلى هجرة العديد من أصحاب الخبرات، إلى جانب نقص البنية التحتية والتحديات الاجتماعية التي تواجه النساء العاملات في هذا المجال، توضح فاطمة.

طموح نحو المسرح الغنائي

وتطمح فاطمة أحمد إلى خوض تجربة المسرح الغنائي مستقبلاً، بوصفه فناً يجمع بين التمثيل والغناء والرقص والموسيقى، إلا أنه يحتاج إلى إمكانات مادية كبيرة وممثلات محترفات.

وتعمل على إنجاز نحو سبع مسرحيات سنوياً، أبرزها: "لنذهب في نزهة"، "الصرخة"، "انتقام الجدائل"، "الجمر والنار"، "على صدر الوطن"، "الملح والخبز"، "بافي هبونه"، و"حقيبة وسو". وتتنوع أهذه الأعمال بين المسرح التراجيدي والكوميدي والدرامي، في إطار سعيها إلى توظيف الفن كوسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع، وفي مقدمتها قضايا المرأة.

وشاركت هذه الأعمال في عدد من المهرجانات المسرحية التي تقام في روج آفا، منها مهرجان يكتا هركول، ومهرجان روج آفا، ومهرجان برجم.

(ي م)

ANHA