دراسة: كبد الحمام قد يكون سر قدرته المذهلة على العودة إلى موطنه

كشفت دراسة علمية حديثة عن تفسير جديد لقدرة الحمام على العودة إلى موطنه بعد قطع مسافات طويلة، إذ وجد الباحثون أن خلايا مناعية متخصصة في كبد الحمام قد تعمل كبوصلة حيوية تستشعر المجال المغناطيسي للأرض، ما يساعد الطيور على تحديد اتجاهها أثناء التنقل والعودة بدقة إلى مواقعها الأصلية.

دراسة: كبد الحمام قد يكون سر قدرته المذهلة على العودة إلى موطنه
الأربعاء 3 حزيران, 2026   11:00
مركز الأخبار

لطالما أبهرت الحمائم العلماء بقدرتها المذهلة على العودة إلى موطنها بعد قطع مسافات طويلة، لكن الآلية التي تمكنها من ذلك بقيت لغزاً علمياً لعقود. واليوم، تشير دراسة جديدة نشرت في مجلة "سينس" إلى أن السر قد يكمن في عضو غير متوقع، وهو الكبد.

فبحسب نتائج الدراسة، قد تكون خلايا مناعية متخصصة موجودة في كبد الحمام هي المسؤولة عن استشعار المجال المغناطيسي للأرض، ما يمنح الطيور ما يشبه "البوصلة الداخلية" التي تساعدها على التنقل وتحديد الاتجاهات.

ركز الباحثون على نوع من الخلايا المناعية يُعرف باسم "البلاعم". وتتمثل المهمة الأساسية لهذه الخلايا في التخلص من كريات الدم الحمراء القديمة وإعادة تدوير مكوناتها. وخلال هذه العملية تتراكم داخلها كميات كبيرة من الحديد، الأمر الذي دفع العلماء إلى التساؤل عما إذا كان هذا الحديد يؤدي دوراً يتجاوز الوظيفة المناعية التقليدية.

وباستخدام تقنيات متقدمة لقياس الخصائص المغناطيسية للأنسجة، اكتشف الباحثون أن الكبد يحتوي على أعلى تركيز من الحديد مقارنة بالأعضاء الأخرى التي جرى فحصها، بما في ذلك العينان والمنقار والدماغ والطحال. كما تبين أن الحديد الموجود داخل البلاعم يتخذ شكل جسيمات نانوية من أكاسيد الحديد، وهي جسيمات تمتلك خصائص مغناطيسية تجعلها شديدة الحساسية للمجال المغناطيسي للأرض.

وللتأكد من أن هذه الخلايا تؤدي بالفعل دوراً في الملاحة، أجرى العلماء سلسلة من التجارب على حمائم زاجلة مدربة على العودة إلى مساكنها في مدينة كونستانس الألمانية من مسافات تزيد على عشرين كيلومتراً. وتمكن الفريق من إزالة البلاعم الغنية بالحديد من أكباد بعض الطيور، ثم راقب سلوكها أثناء العودة.

وأظهرت النتائج فرقاً واضحاً بين الطيور الطبيعية والطيور التي أزيلت منها هذه الخلايا. ففي الأيام المشمسة تمكنت جميع الحمائم تقريباً من العودة إلى موطنها بنجاح، وهو ما يشير إلى أنها تستطيع الاستفادة من موقع الشمس كدليل ملاحي. أما في الأيام الغائمة، عندما تحجب السحب الشمس وتصبح الإشارات البصرية محدودة، فقد واجهت الحمائم التي فقدت خلاياها الكبدية الغنية بالحديد صعوبة كبيرة في تحديد الاتجاه الصحيح، بينما واصلت الحمائم الأخرى العودة إلى موطنها بكفاءة.

وتشير هذه النتائج إلى أن الحمائم تعتمد على أكثر من نظام ملاحي واحد، إذ تستخدم الشمس والسمات الجغرافية عندما تكون متاحة، لكنها تلجأ إلى المجال المغناطيسي للأرض عندما تتعذر الإشارات البصرية.

كما حاول الباحثون فهم كيفية انتقال المعلومات المغناطيسية من الكبد إلى الدماغ. وباستخدام المجهر الإلكتروني اكتشفوا أن البلاعم الغنية بالحديد تتموضع بالقرب من ألياف عصبية دقيقة داخل نسيج الكبد، ما يفتح المجال أمام فرضية مفادها أن هذه الخلايا تلتقط التغيرات في المجال المغناطيسي ثم تنقلها عبر الجهاز العصبي إلى الدماغ، حيث تُدمج مع المعلومات الحسية الأخرى لتوجيه حركة الطائر.

ويرى العلماء أن هذه النتائج تمثل أول دليل مباشر على وجود آلية بيولوجية محددة داخل الجسم يمكنها استشعار المجال المغناطيسي للأرض ونقل هذه المعلومات إلى الدماغ. كما أنها تقدم تصوراً جديداً لدور الجهاز المناعي، إذ لم يكن يُعتقد سابقاً أن الخلايا المناعية يمكن أن تعمل كأجهزة استشعار للبيئة المحيطة.

ولا تقتصر أهمية الدراسة على الحمائم وحدها، بل قد تمتد إلى أنواع أخرى من الحيوانات المعروفة بقدراتها الملاحية المذهلة، مثل الطيور المهاجرة والسلاحف البحرية وأسماك القرش. ويعتقد الباحثون أن اكتشاف آليات مشابهة لدى هذه الكائنات قد يساعد على فهم أعمق لكيفية تنقل الحيوانات عبر مسافات شاسعة بدقة لافتة.

(م ش)