إيران بين سلوكها الاستراتيجي وحدود القوة الأميركية

رأى تحليل أميركي أن فهم سلوك إيران يتطلب النظر إليها كدولة ذات إرث جغرافي وتاريخي طويل، لا كنظام سياسي عابر، مشيراً إلى أن الضغوط العسكرية والعقوبات عززت نزعتها نحو الردع والتوسع. في المقابل، انتقد تحليل بريطاني اعتماد الولايات المتحدة المتكرر على القوة العسكرية، مؤكداً أن التفوق العسكري لم ينجح تاريخياً في فرض حلول سياسية دائمة.

إيران بين سلوكها الاستراتيجي وحدود القوة الأميركية
الأربعاء 20 مايو, 2026   09:29
مركز الأخبار

تناولت تحليلات المجلات والصحف العالمية الصادرة اليوم القناعات التي تحكم السياسة الإيرانية، إلى جانب فشل الخيار العسكري الأميركي في هزيمة إيران.

العالم يطرح على إيران السؤال الخطأ

ذكر تحليل لمجلة "فورين بوليسي" الأميركية أن الخطأ المزمن في فهم إيران يكمن في التركيز على ما تريده "الجمهورية الإسلامية"، بدلاً من فهم ما تريده "إيران" كدولة تاريخية عمرها قرون.

ويؤكد التحليل أن السلوك الاستراتيجي الإيراني لم يتغير جذرياً بتغيّر الأنظمة، من الصفويين والقاجاريين إلى الشاه ثم الجمهورية الإسلامية، لأن الجغرافيا والتاريخ فرضا على إيران عقلية ثابتة تقوم على توسيع النفوذ خارج حدودها لحماية الداخل، لا الاكتفاء بالدفاع عنه من الداخل فقط.

ويشير التحليل إلى أن الموقع الجغرافي الإيراني، الممتد بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط والخليج، جعل من مضيق هرمز ورقة قوة عالمية، إذ تستطيع طهران التأثير في أسواق الطاقة العالمية حتى من دون امتلاك قوة عسكرية تضاهي الولايات المتحدة.

وترى المجلة أن هذا النفوذ ليس نتاج النظام الحالي فقط، بل نتيجة "إرث جغرافي" رافق إيران عبر قرون.

ويستعرض التحليل ثلاث قناعات تحكم السياسة الإيرانية منذ قرنين على الأقل: أولها أن الضعف يجلب التدخل الخارجي، وثانيها أن السيادة غير قابلة للتفاوض، وثالثها أن إيران لا ترى نفسها مجرد قوة إقليمية بل لاعباً دولياً مؤثراً.

وفي هذا السياق، تربط الصحيفة بين البرنامج النووي الإيراني وشبكة الحلفاء الإقليميين والترسانة الصاروخية، بوصفها أدوات ردع تشكلت نتيجة تجارب تاريخية مريرة، مثل خسارة أراضٍ لصالح روسيا القيصرية والتدخلات البريطانية والروسية في الشأن الإيراني.

كما يقارن التحليل بين سياسات الشاه محمد رضا بهلوي والجمهورية الإسلامية، معتبراً أن كليهما سعى إلى بناء قوة ردع مستقلة ورفض أي وصاية خارجية، حتى وإن اختلفت الأيديولوجيا. ويشير إلى أن المرشد الإيراني الحالي مجتبى خامنئي يتبنى المنطق ذاته القائم على رفض التفاوض بشروط أميركية أو إسرائيلية.

ويرى التحليل أن العقوبات والضغوط العسكرية والاغتيالات والحروب السيبرانية لم تدفع إيران إلى التراجع، بل أدت عملياً إلى تسريع برنامجها النووي وتعزيز شبكات نفوذها الإقليمية، لأن طهران تفسر أي ضغط خارجي على أنه محاولة لإخضاعها لا للتفاهم معها.

وتستحضر المجلة خطاب "محور الشر" الذي ألقاه الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن عام 2002، مؤكداً أنه شكل نقطة تحول دفعت القيادة الإيرانية إلى الاقتناع بأن واشنطن تسعى لتغيير النظام لا للتعايش معه، رغم وجود تعاون إيراني ـ أميركي غير مباشر آنذاك بشأن أفغانستان.

أميركا وحصانها العسكري المرهق

ذكر تحليل لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أن اعتماد الرئيس الأميركي دونالد ترامب المفرط على القوة العسكرية تجاه إيران ليس استثناءً، بل امتداد لتقليد أميركي طويل يخلط بين التفوق العسكري والقدرة على فرض الإرادة السياسية.

ويرى التحليل أن الضربات الأميركية الأخيرة ضد إيران، رغم حجم الدمار والخسائر التي ألحقتها، لم تحقق أي تنازل سياسي حقيقي من طهران، بل أظهرت محدودية القوة العسكرية عندما تُستخدم بديلاً عن الدبلوماسية.

وتقارن الصحيفة بين نهج ترامب الحالي وحروب أميركية سابقة مثل حرب فيتنام والعراق وأفغانستان، حيث حققت واشنطن تفوقاً ميدانياً واسعاً لكنها فشلت في تحويله إلى انتصار سياسي دائم.

ويشير المقال إلى أن إدارة ترامب، وخصوصاً وزير الدفاع بيت هيغسيث، تقيس النجاح بعدد الأهداف التي يتم تدميرها، تماماً كما حدث خلال حرب فيتنام في عهد الرئيس ليندون جونسون ووزير دفاعه روبرت ماكنامارا.

وتؤكد الصحيفة أن هذا التفكير العسكري التقليدي أثبت فشله مراراً، لأن الحروب لا تُحسم بالقصف وحده بل بالإرادة السياسية والقدرة على التفاوض.

كما يلفت التحليل إلى مفارقة لافتة، إذ إن ترامب الذي صعد سياسياً عبر انتقاد حرب العراق التي قادها جورج بوش الابن، بات اليوم يعيد إنتاج العقلية ذاتها، عبر التهديد المستمر والتلويح بالقوة دون استراتيجية سياسية واضحة.

(م ش)