سيطرة "تحرير أزواد" على كيدال تُشعل الصراع مجدداً في شمال مالي

شهد شمال مالي تصعيداً أمنياً جديداً بعد سيطرة "جبهة تحرير أزواد" على مدينة كيدال عقب اشتباكات مع الجيش المالي، في تطور يعكس انهياراً متسارعاً لمسار السلام الهش المتعثر منذ اتفاق 2015، وعودة الصراع في منطقة الطوارق إلى نقطة التوتر الحاد وسط تداخل عوامل التهميش التاريخي وضعف تنفيذ الاتفاقات وتدهور الوضع الأمني في الساحل.

سيطرة "تحرير أزواد" على كيدال تُشعل الصراع مجدداً في شمال مالي
الإثنين 27 نيسان, 2026   12:38
مركز الأخبار

شهدت شمال مالي يوم السبت، تصعيداً جديداً تمثل في اندلاع مواجهات بين الجيش المالي ومقاتلين من الطوارق في مناطق من أزواد، أعلنت "جبهة تحرير أزواد" (التي يسطر عليها الطوارق)، التي تطالب بمنح سكان الإقليم حق تقرير المصير، السيطرة الكاملة على مدينة كيدال شمال البلاد، بعد اشتباكات في تطور يعكس انهيار مسار التهدئة الذي كان قائماً بشكل جزئي منذ اتفاق 2015. 

هذا الحدث يُعدّ امتداداً مباشراً لتراكمات تاريخية وسياسية عميقة، ويعكس عودة الصراع إلى نقطة الاشتعال بعد سنوات من محاولات الاحتواء غير المكتملة.

لفهم هذا التصعيد، يجب النظر إلى جذور قضية الطوارق في مالي، حيث يشكلون مكوناً صحراوياً ذا خصوصية ثقافية ولغوية، ينتمي إلى الفضاء الأمازيغي ويعيش أساساً في شمال البلاد.

منذ استقلال مالي سنة 1960، تشكلت الدولة حول مركز جنوبي قوي، بينما بقي الشمال خارج أولويات التنمية، ما خلق فجوة كبيرة بين المركز والأطراف.

هذه الفجوة لم تكن اقتصادية فقط، بل سياسية أيضاً، إذ شعر الطوارق بأنهم مستبعدون من السلطة ولا يملكون تمثيلاً حقيقياً داخل مؤسسات الدولة.

هذا الشعور بالتهميش أدى إلى أول تمرد في ستينيات القرن الماضي، قُمِع بعنف وترك آثاراً عميقة في العلاقة بين الطوارق والدولة. ومنذ ذلك الحين، تكررت دورات الصراع: تمرد، ثم اتفاق سلام، ثم فشل في التنفيذ، ثم عودة إلى التمرد.

في التسعينيات، شهدت مالي واحدة من أكبر موجات التمرد، وانتهت باتفاقيات منحت وعوداً بالحكم الذاتي والتنمية، لكنها لم تُطبق بالشكل الكافي. الأمر ذاته تكرر في تمردات 2006–2009.

وجاء التحول الأكبر في 2012، عندما قادت الحركة الوطنية لتحرير أزواد تمرداً واسعاً انتهى بإعلان استقلال شمال مالي تحت اسم "أزواد". هذا الإعلان لم يحظَ بأي اعتراف دولي، لكنه كشف عمق الأزمة. في الوقت نفسه، استغلت القاعدة في بلاد المغرب حالة الفوضى، وسيطرت على مدن رئيسة، ما دفع إلى تدخل عسكري دولي أعاد التوازن لصالح الدولة، لكنه لم يعالج جذور المشكلة.

في 2015، تم توقيع اتفاق سلام جديد برعاية دولية، وكان يُفترض أن يشكل نقطة تحول من خلال منح الشمال صلاحيات أوسع ودمج مقاتلي الطوارق في الجيش. غير أن التنفيذ كان بطيئاً ومتقطعاً، ومع مرور الوقت تآكلت الثقة بين الأطراف.

زادت الانقلابات العسكرية في مالي منذ 2020 من تعقيد الوضع، حيث أصبحت السلطة أكثر اعتماداً على الحلول الأمنية، وأقل انخراطاً في تسوية سياسية شاملة.

ضمن هذا السياق، يأتي تصعيد السبت الأخير كحلقة جديدة في سلسلة الانهيار التدريجي للاتفاقيات المرحلية. فعودة المواجهات تعني عملياً أن الاتفاقات السابقة فقدت فعاليتها، وأن التوازن الهش بين الدولة وحركات الطوارق لم يعد قائماً. كما أن هذا التصعيد يحدث في بيئة إقليمية متوترة، حيث تنشط جماعات مسلحة متعددة، وتتنافس قوى خارجية على النفوذ في منطقة الساحل، ما يزيد من تعقيد المشهد.

قضية الطوارق في مالي اليوم لم تعد مجرد نزاع محلي، بل أصبحت جزءاً من أزمة أوسع تتعلق ببناء الدولة في فضاء صحراوي واسع وضعيف. الطوارق من جهتهم لا يشكلون جبهة موحدة بالكامل، إذ توجد انقسامات داخلية بين من يطالب بالاستقلال ومن يفضل الحكم الذاتي داخل الدولة. في المقابل، ترفض الحكومة المالية ذلك، ما يجعل الحلول السياسية صعبة التحقيق.

(م ش)