الأسواق التاريخية في سوريا أمام جدل جديد بعد طلب وثائق الوقف العثماني من تركيا

يفتح طلب وزارة الأوقاف من "الديانات التركية" تزويدها بسجلات الوقف العثماني باب المخاوف لدى تجار وأصحاب المحال في الأسواق التاريخية السورية، وسط تحذيرات من احتمال إعادة تصنيف ملكيات قائمة منذ عقود كأوقاف، وما قد يترتب على ذلك من نزاعات قانونية وفرض إيجارات مرتفعة أو إخلاءات قسرية تمس استقرار هذه الأسواق وتراثها الاقتصادي.

الأسواق التاريخية في سوريا أمام جدل جديد بعد طلب وثائق الوقف العثماني من تركيا
الخميس 16 نيسان, 2026   06:40
دمشق

 أثار حديث مسؤول في وزارة الأوقاف التابعة للحكومة المؤقتة في سوريا موجة واسعة من الانتقادات والمخاوف، بعد الكشف عن قيام الوزارة بمراسلة رئاسة الشؤون الدينية التركية (الديانات) وطلبها تزويدها بصورة عن سجلات الوقف العثماني في كل من دمشق وحلب وحماة، في خطوة عدّها مراقبون مثيرة للجدل وتفتح الباب أمام تساؤلات حول خلفيات الطلب وأهدافه القانونية والعقارية.

وبحسب ما جرى تداوله في وسائل إعلام محلية سورية، فإن الوزارة بررت مراسلتها للجانب التركي بأنها تسعى للحصول على وثائق تتعلق بالعقارات التي تعود ملكيتها إلى الأوقاف منذ العهد العثماني، بهدف تثبيت الحقوق الوقفية وإعادة تنظيم السجلات.

"آلاف العقارات منها أسواق دمشق القديمة وأكثر من نصف سوق الحميدية وقف"

وتقول وزارة الأوقاف إنها تمتلك آلاف العقارات في دمشق مسجلة باسم الأوقاف، مشيرة إلى أن أكثر من نصف سوق الحميدية مسجل باسمها، إضافة إلى العديد من الأسواق القديمة في دمشق منها مدحت باشا أيضا والبزورية والمناخلية وباب سريجة وحلب وحماة وحمص واللاذقية.

وأوضحت مصادر قريبة من الوزارة لوكالتنا، أن الهدف من الخطوة هو "وضع اليد على هذه العقارات" وتثبيت صفتها الوقفية وفق الوثائق القديمة، وهو ما أثار مخاوف واسعة من أن تؤدي العملية إلى نزاعات عقارية مع المستفيدين الحاليين.

مخاوف من نزع الملكية وإجبار التجار على الإخلاء أو دفع إيجارات جديدة

وبحسب ما تداوله ناشطون وخبراء والمستفيدون وأصحاب المحال، فإن منتقدي هذا التوجه يرَون أن وزارة الأوقاف تسعى إلى فرض واقع جديد على أصحاب المحلات والعقارات في الأسواق القديمة، من خلال وضعهم أمام خيارين: إما دفع إيجار وفق السعر الرائج اليوم، أو إخلاء المحل فوراً، بغض النظر عن كون بعضهم اشترى تلك العقارات سابقاً من ملاك آخرين أو ورثها منذ عقود.

ويحذر منتقدون من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تغييرات اقتصادية كبيرة في قلب الأسواق التاريخية، خصوصاً في دمشق القديمة، عبر فرض عقود إيجار جديدة بأسعار مرتفعة على محلات قائمة منذ عشرات السنين.

الأرشيف موجود في سوريا والاعتماد على وثائق خارجية يثير الريبة

وفي سياق الجدل، قال خبير في مركز الوثائق التاريخية التابع للمديرية العامة للآثار والمتاحف في دمشق فضل عدم الكشف عن اسمه، لوكالتنا إن المركز تأسس عام 1959 ويضم عدة أقسام بينها القسم العثماني الذي يحتوي أساساً على "أهم مجموعة وثائقية تعد الأقدم في سوريا"، وتتشكّل مصدراً أساسياً للتاريخ الاجتماعي والاقتصادي للبلاد في القرون السابقة.

وأوضح الخبير أن من بين السجلات المهمة التي يمتلكها المركز سجلات المحكمة الشرعية والتي تشمل نحو 2900 سجل لمدن دمشق وحلب وحماة وحمص واللاذقية، لافتاً إلى أن المركز تعرض خلال فترات سابقة للحرق ثم للسرقة والسطو من قبل مجهولين.

وقال: "إن سوريا "دولة بلا أرشيف"، مشيراً إلى أن لجنة شُكلت عام 2006 لإعداد قانون أرشيف لم يُعتمد حتى الآن في مجلس الشعب، رغم أهمية تنظيم هذا الملف.

وأكد الخبير أن سجلات الطابو والملكية موجودة لدى المصالح العقارية، بينما يعود سجل النفوس والنسب والعائلات إلى العهد العثماني في القرن التاسع عشر ومحفوظ في مركز النفوس.

تحذيرات من تزوير محتمل ودورات تركية لموظفين مقربين

وأشار الخبير إلى أن طرح وزارة الأوقاف جاء بعد عدة إجراءات، بينها تنظيم محاضرات ودورات من قبل الأوقاف التركية لبعض الأشخاص المقربين منها والعاملين في ملفات الطابو ضمن الحكومة الجديدة بعد سقوط النظام البعثي، محذراً من أن ذلك قد يمهد لعملية تزوير واسعة قد تطال السجلات العقارية والوثائق الوقفية.

ودعا الخبير إلى التدخل السريع لحماية السجلات التاريخية، محذراً من احتمال تعرضها للإتلاف أو الحرق في حال تم تداول معلومات حول وجودها أو أهميتها.

موقف تاجر سوق الحميدية

من جهته، قال تاجر في العقد السابع، يلقب (أبو عمر)، وهو من تجار سوق الحميدية في دمشق، إنه ورث محله عن والده الذي اشتراه ودفع ثمنه قبل عقود، مؤكداً رفضه لأي خطوة تمس حقه في الملكية.

وأضاف أبو عمر: "أنا ورثت هذا المحل من أبي الذي اشتراه ودفع ثمنه قبل عقود. لن أخرج من هذا المحل تحت أي ظرف. وما يتم الحديث عنه عن الأسواق القديمة هو احتلال جديد ناعم ينفذه بعض المأجورين لصالح تركيا وعودة العثمانيين إلى سوريا".

وذكر التاجر أن تجار دمشق يتمتعون بسمعة تاريخية، وأن طرح ملف الوقف بهذه الطريقة "ينمّ عن الجهل وعدم الخبرة"، داعياً إلى مقاربة أكثر حكمة وحواراً مع المجتمع المحلي قبل اتخاذ أي قرارات قد تؤدي إلى أزمة اقتصادية واجتماعية.

وأشار أبو عمر إلى أن هناك الكثير من المحلات القديمة المسجلة باسم الأوقاف والتي لا تُستثمر، مطالباً الوزارة بطرحها للاستثمار "بشكل عادل"، بدلاً من فتح نزاعات مع أصحاب محلات قائمة منذ عقود.

وختم بالقول إن أسواق دمشق القديمة، التي يبلغ عددها 55 سوقاً، تمثل "عالماً عابراً للأزمنة"، محذراً مما وصفه بـ "العثماني الجديد" الذي يسعى لاستعمار دمشق بالقوة الناعمة.

أسئلة حول السيادة والمرجعية القانونية للوثائق

ويرى الحقوقي حسان العبد، أن جوهر الجدل لا يتعلق فقط بملكية العقارات، بل يمتد إلى مسألة المرجعية القانونية والسيادية، منتقداً ومتسائلاً في الوقت نفسه حول سبب الاستناد إلى وثائق خارجية، في حين تمتلك سوريا سجلات تاريخية رسمية في المصالح العقارية ومراكز الوثائق.

كما يشير أن فتح ملف الوقفيات القديمة بهذا الشكل قد يؤدي إلى نزاعات قضائية معقدة، خاصة في الأسواق التاريخية التي شهدت عبر العقود عمليات بيع وشراء وتوارث وانتقال ملكية، ما يجعل إعادة تصنيفها "وقفاً عثمانياً" خطوة محفوفة بالمخاطر القانونية والاقتصادية.

ويأتي هذا الجدل في ظل هشاشة منظومة الأرشفة في سوريا، وفق مراقبين وغياب قانون أرشيف رسمي معتمد، الأمر الذي يزيد المخاوف من التلاعب بالوثائق أو فقدانها، في وقت تعتبر فيه السجلات العثمانية والشرعية والطابو من أكثر الملفات حساسية، نظراً لارتباطها بحقوق الملكية والتاريخ الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

وبينما تقول وزارة الأوقاف إن هدفها توثيقي وتنظيمي، يرى منتقدون أن الاعتماد على "الديانات التركية" يمثل سابقة خطيرة، وقد يفتح الباب أمام تدخل خارجي في واحد من أكثر الملفات حساسية في سوريا، وهو ملف الأملاك والعقارات والأسواق التاريخية.

وخضعت سوريا للحكم العثماني منذ 1516 عقب معركة مرج دابق، واستمر حتى 1918 مع هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. ثم دخلت مرحلة الانتداب الفرنسي عام 1920، منهيةً بذلك الإدارة العثمانية.

(أم)

ANHA