رحلة التهجير تحت الرصاص

تعرضت عائلة قازكلي خليل، التي انطلقت من الرقة باتجاه الحسكة هرباً من هجمات المرتزقة، لهجوم غادر في الطريق أسفر عن فقدان جارتهم لحياتها بينما كانت تحتضن طفلتها ابنة الخمسة أشهر، كما أُصيب اثنان من أبناء قازكلي بجروح. ويقول قازكلي: "نريد العودة إلى عفرين، لكننا لن نعود طالما بقي مرتزقة الدولة التركية هناك".

رحلة التهجير تحت الرصاص
الإثنين 16 شباط, 2026   07:35
قامشلو

في 19 كانون الثاني (2026)، تعرضت سيارة كانت تقلّ 15 شخصاً، بينهم أطفال وشباب ونساء وكبار في السن، لهجوم من قبل فصائل الحكومة المؤقتة في سوريا والمدعومين من دولة الاحتلال التركي وبعض مرتزقة العشائر على طريق "صباح الخير" الواصل بين الرقة والحسكة. وأطلق المرتزقة النار مباشرة على السيارة، ما أدى لإصابة المواطنة سميرة عبد الرحمن برصاصة في الرأس فارقت على أثرها الحياة وهي تضم طفلتها ابنة الخمسة أشهر، كما أصيب شابان بثلاث رصاصات في أقدامهما. وتعطلت السيارة بسبب الرصاص وبقي الجرحى والجثة بين الأطفال حتى منتصف الليل. 

هذه هي قصة عائلتين من عفرين واجهتا هذا المصير بسبب هجمات فصائل الحكومة المؤقتة في الرقة، وهناك الآلاف من القصص المشابهة. ويروي العم قازكلي خليل تفاصيل رحلة التهجير الطويلة لعائلته.

عائلة العم قازكلي تنحدر من قرية "چقلا" التابعة لعفرين. وفي عام 2018، عندما هاجمت دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها عفرين، بدأت رحلة التهجير القسري للعائلة.

في البداية، انتقلت العائلة من قرية "چقلا" إلى ناحية موباتا، وبعد شهر توجهت إلى مركز مدينة عفرين. ومع وصول الهجمات إلى مركز المدينة، توجهت العائلة نحو الشهباء وبقوا هناك لمدة 8 سنوات في ظروف قاسية وصعبة. وبعد بدء الهجمات على نظام البعث في 27 تشرين الثاني 2024، انتقلت العائلة في 4 كانون الأول عبر رحلة شاقة إلى الرقة.

وبعد مرور عام، وتحديداً في 6 كانون الثاني (2026)، هاجمت فصائل الحكومة المؤقتة في سوريا والمدعومون من دولة الاحتلال التركي، الشعب الكردي مرة أخرى. وبدأت الهجمات من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وفي 17 كانون الثاني هاجموا منطقة دير حافر والطبقة، وفي 18 كانون الثاني هاجموا مدينة الرقة.

آلاف العائلات من عفرين وسري كانيه، والعائلات الكردية التي كانت تعيش في مدينتي الطبقة والرقة، توجهت نحو مدينة الحسكة في روج آفا بسبب الهجمات. عائلة العم قازكلي كانت إحدى تلك العائلات التي كانت تقطن الرقة، حيث وجدت نفسها مرة أخرى على طريق التهجير.

ويقول العم قازكلي إنهم لم يتمكنوا من مغادرة الرقة ليلة 18 كانون الثاني، فانتظروا حتى الصباح، ومع بزوغ الفجر حاولوا الخروج.

وفي صباح يوم 19، جمعوا أغراضهم الضرورية ووضعوها في سيارة، لكن وبينما كانوا لا يزالون في منزلهم، قام الكثيرون بسرقة ممتلكاتهم. العائلة المكونة من 9 أفراد، بالإضافة إلى 6 أشخاص من جيرانهم وأطفالهم، استقلوا السيارة وتوجهوا نحو الحسكة.

وتابع العم قازكلي سرد قصته قائلاً: "أوقفونا في ثلاث نقاط تفتيش لساعات طويلة. وبعدما ابتعدنا مسافة 100 متر عن النقطة الثالثة، في المنطقة المعروفة بـ "صباح الخير"، انهمر علينا الرصاص من الخلف. لم أتوقف وواصلت القيادة. كان الرصاص يتساقط فوقنا كالمطر. انفجرت إطارات السيارة وسقط المطاط منها، لكنني واصلت القيادة على الهياكل المعدنية للإطارات (الجنوط). قمت بقيادة السيارة بهذا الشكل لمسافة 30-40 كم، وبعد ذلك أوقفتها".

وعندما نظر العم قازكلي إلى خلف المركبة، وجد جارتهم سميرة عبد الرحمن، التي كانت تحتضن طفلتها ابنة الـ 5 أشهر، قد أصيبت برصاصة في رأسها وفارقت الحياة. فقامت العائلة بأخذ الطفلة من حضنها. كما أصيب اثنان من أبناء العم قازكلي في أرجلهما.

وبقيت العائلة مع الجرحى والجثة في برد الليل على الطريق حتى الساعة 02:00 بعد منتصف الليل. حاولت العائلة الوصول إلى المؤسسات الصحية، لكن المرتزقة كانوا قد قطعوا الطريق ولم يتمكن أحد من الوصول إليهم. لاحقاً، جاءت سيارة من إحدى القرى المجاورة ونقلتهم إلى مكان قريب من الشدادي، لكن هذه السيارة تعطلت هي الأخرى. وفي النهاية، مرت سيارات إسعاف ونقلتهم من هناك إلى الحسكة.

بعد أن هدأت حدة الهجمات، أرسل العم قازكلي بعض الأشخاص لتفقد السيارة على الطريق، لكن تبين أن كل ما يملكونه (أموال وبعض الذهب) قد سُرق، ولم يتبقَ سوى هيكل السيارة المعدني على الطريق.

انتقلت العائلة من الحسكة إلى مدينة قامشلو، واستقرت في مدرسة محمد علي زينل التي تقطنها 46 عائلة من عفرين.

ويقول العم قازكلي: "لم يتبقَّ لنا شيء، نحن بحاجة إلى كل أنواع المساعدات. وصلت إلينا بعض المعونات، ولكن بما أننا وصلنا إلى قامشلو بملابسنا التي نرتديها فقط، فإننا بحاجة لمزيد من الدعم. نريد العودة إلى عفرين، لكننا لن نعود طالما بقي مرتزقة الدولة التركية هناك. لن نعود حتى نتأكد بنسبة مائة بالمائة أنهم قد خرجوا".

(ب إ/ح)

ANHA