الحوار.. التفاوض.. الدبلوماسية

كيف يسهم الحوار والتفاوض والدبلوماسية في إيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية والسياسية وفي الحروب والصراعات وغيرها؟ ما معنى هذه المصطلحات، وما النتائج التي تحققها؟

الحوار.. التفاوض.. الدبلوماسية
الحوار.. التفاوض.. الدبلوماسية
الحوار.. التفاوض.. الدبلوماسية
الحوار.. التفاوض.. الدبلوماسية
الحوار.. التفاوض.. الدبلوماسية
الحوار.. التفاوض.. الدبلوماسية
الحوار.. التفاوض.. الدبلوماسية
الحوار.. التفاوض.. الدبلوماسية
الحوار.. التفاوض.. الدبلوماسية
الأحد 21 كانون الأول, 2025   06:35
مركز الأخبار
روكر روجيان

مع اقتراب نهاية عام آخر، تتزايد التقييمات والشروحات والمقترحات المتعلقة بالحوار والتفاوض والدبلوماسية لحل المشكلات، وخاصة فيما يتعلّق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والصراع الروسي الأوكراني، وبالأخص القضية الكردية، فقد أصبحت هذه المفاهيم محور الاهتمام الرئيس، بعد مراحل الصراع الصعبة.

وبرزت جهود الحوار والتفاوض في واشنطن وشرم الشيخ (مصر) بشأن فلسطين، وفي الولايات المتحدة وأوروبا بشأن الصراع الروسي الأوكراني، وفي تركيا وكردستان والشرق الأوسط بشأن القضية الكردية.

ولا تزال العملية التي بدأها القائد عبد الله أوجلان بنداء السلام والمجتمع الديمقراطي في الـ 27 من شباط الماضي، موضوعاً رئيساً على جدول الأعمال، وقد دخلت عملية الحوار مرحلتها الثانية.

وفي هذا السياق، أردنا تسليط الضوء على مفاهيم الحوار والتفاوض، ومفهوم الدبلوماسية التي تقع في الإطار ذاته، كيف تمّ تعريف هذه المفاهيم؟ وما هي أمثلتها في التاريخ؟

التنشئة الاجتماعية واللغة

برزت الحاجة إلى العلاقات والتواصل والتعاون مع نشأة المجتمع البشري، وقد عدَّ الإنسان التنشئة الاجتماعية سمة طبيعية من سماته لتلبية احتياجاته الأساسية كالغذاء والتكاثر والاستقرار والحماية.

تشير الأبحاث إلى أنّ التنشئة الاجتماعية تعود إلى ما قبل 300 ألف عام، فمع تجمّع البشر، تطوّرت اللغة والفكر معاً، ويصف المؤرخون والعلماء تطور اللغة بأنّه ثورة مهمة، ويقيّم العلماء المهتمون بهذا الموضوع تطور التنشئة الاجتماعية والفكر واللغة معاً، وقد أدّى تطوّر اللغة الرمزية، على وجه الخصوص، إلى تطوّر الفكر التحليلي، ولهذا السبب، تُعرَّف ثورة اللغة بأنها أول ثورة بشرية في التاريخ.

الحوار والتفاوض والدبلوماسية

يبدأ تاريخ الحوار مع التنشئة الاجتماعية، إذ تُسمى المحادثة بين شخصين بالحوار، لكن كمفهوم، بدأ هذا المصطلح في اليونان القديمة، فوفقاً لعلم أصول الكلمات، يتكون مصطلح الحوار من كلمتي "diá" و"logos"، وكان يُستخدم بمعنى "المناقشة" أو "التبادل الفكري".

واليوم تُستخدم كلمة "diyalogue" في اللغة الفرنسية بمعنى "الحوار (التواصل)" ويُستخدم المصطلح بالمعنى نفسه في معظم اللغات الأخرى، ووفقاً لعلم أصول الكلمات، فإنّ مصطلح الديالكتيك مشتق من كلمة "diyalogue"، وقد استُخدم الحوار كمنهج فلسفي لأول مرة من قبل سقراط، كما تعني كلمة الديالكتيك "الازدواجية"، وفي اللغة الفلسفية، هي مناقشة فكرتين مختلفتين ونتائج هذه المناقشات، وتعني كلمة الديالكتيك في اللغة الكردية الازدواجية.

التطور التاريخي

مرّ الحوار بمراحل مختلفة منذ فجر التاريخ، بين القبائل الأولى والعشائر والمجتمعات والدول، وبعد تجارب عديدة من الحروب والصراعات داخل هذه الأشكال الاجتماعية أو الدول، برز الحوار كآلية فعّالة.

تبدأ هذه الآلية في عهد القبائل الأولى، وتقوم على أساس الوساطة والتفاوض والتحالف، وغالباً ما يكون الوسطاء من كبار السن، أو ذوي الخبرة، أو الشخصيات الدينية، أو ذوي المكانة المرموقة، ويتمثّل هدف الوسطاء في التوصل إلى اتفاق من خلال المفاوضات.

في العصر الحجري الحديث (النيولوتي)، بدأت السلطة بالظهور، ومع تطور الحضارة والدولة، أصبح الحوار والتفاوض يتمّان عبر الدبلوماسية، والدبلوماسية وفقاً لعلم أصول الكلمات، هي مصطلح يوناني قديم، وتعني كلمة "الدبلوماسية" الورقة المطوية، وكانت هذه الورقة تُستخدم آنذاك بدلاً من جواز السفر الحالي، كما استُخدمت أيضاً بمعنى الوثائق المُعدّة بين الدول، وما يُعزّز الدبلوماسية هو القوة.

أما كلمة "التفاوض" فهي عربية الأصل، وتعني "التواصل وتبادل الأفكار"، لكنها تستخدم اليوم أكثر بمعنى المساومة، وفي المفاوضات والحوارات الناجحة، تتمتّع جميع الأطراف بحقوق متساوية، فعلى طاولة الحوار البنّاء والمفاوضات المثمرة، لا يهيمن أي طرف على الآخر، وعادةً ما تكون الاتفاقيات من هذا النوع ناجحة ودائمة.

أول اتفاقية حدودية.. لجش - أوما

أُبرمت أوّل اتفاقية مكتوبة في التاريخ بشأن الحدود عام 2450 قبل الميلاد في ميزوبوتاميا، وذلك بين مدينتين سومريتين (لجش وأوما)، تقع المدينتان اليوم في العراق بين البصرة وبغداد، وكُتبت الاتفاقية الموقّعة لحل النزاع الحدودي على حجر بالخط المسماري (السومري)، وجاء في نصّ الاتفاقية أنّ الوسيط الذي حدّد الحدود وقام بدور الحكم كان ملك مدينة كيش؛ ميسيلِم، وتُعرف هذه الاتفاقية بأنّها أقدم اتفاقية حدودية.

أول معاهدة سلام.. قادش

وُقّعت أول معاهدة سلام مكتوبة بين مصر والحيثيين عام 1259 قبل الميلاد، كُتبت هذه المعاهدة بنسختين، وقد عُثر على كلتيهما، وبعد هذه المعاهدة، ساد السلام في المنطقة لنحو مئة عام، تُعرض نسخة من هذا النص الآن على جدار مبنى الأمم المتحدة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية.

معاهدة وستفاليا

إحدى المعاهدات الهامة أيضاً؛ معاهدة وستفاليا أو سلام وستفاليا، التي وُقّعت في مدينة وستفاليا بألمانيا عام 1648، أنهت المعاهدة حرب الثلاثين عاماً التي دارت بين الكاثوليك والبروتستانت في جميع أنحاء أوروبا، وحرب الثمانين عاماً بين إسبانيا وهولندا، أثرت المعاهدة على القارة الأوروبية بأكملها، ولذلك تُصنَّف كمعاهدة مهمة في التاريخ.

معاهدة فرساي

تُعدّ معاهدة فرساي من المعاهدات المهمة التي أسهمت في إنهاء الحرب العالمية الأولى، وُقّعت هذه المعاهدة في فرنسا في الـ 28 من حزيران عام 1919، بين ألمانيا و32 دولة أخرى، ونظراً لأنّها بُنيت على أساس هزيمة ألمانيا، فهي معاهدة أحادية الجانب، ولذلك، يرى البعض أنها مهّدت الطريق للحرب العالمية الثانية.

اتفاق باريس للمناخ

مع تطور الصناعة وتفاقم مشكلة العمل الزائد، اختلّ التوازن البيئي، وأصبح الاحتباس الحراري قضيةً رئيسةً تُهدد مستقبل العالم على المدى القريب، ولذلك، شنت منظمات بيئية وأناركية (لا سلطوية) واشتراكية نضالاتٍ واسعةً ضد التصنيع، وأسهمت في نشر الوعي البيئي بين الناس، ونتيجةً لهذا النضال، تضافرت جهود العديد من الدول، وبدأت حواراتٍ ومفاوضاتٍ حول هذه القضية، وفي عام 2015، وفي إطار اتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ، وُقّع اتفاق المناخ في العاصمة الفرنسية باريس، بمشاركة 197 دولة، ووُصف هذا الاتفاق بأنّه الأضخم في التاريخ، ويهدف إلى تبنّي سياسات بيئية سليمة، ومع ذلك لا تزال هناك العديد من المشكلات، والمناقشات حول هذه القضية مستمرة.

حوارات ومفاوضات الكرد وحزب العمال الكردستاني

كونهم شعباً أصيلاً في هذه البقعة الجغرافية التي تشكّل مهد الإنسانية، فإنّ الكرد ليسوا غرباء عن الحوار والتفاوض والدبلوماسية، لكن ونظراً لأنّهم لم يمتلكوا قوة موحدة، فقد كان الحوار أو التفاوض في الغالب أحادي الجانب، منذ عهد الهوريين والإمبراطورية الميدية وحتى الحرب العالمية الأولى، ظهرت بعض التجارب الواضحة حتى لو كانت محدودة، إلّا أنّ غياب الوحدة الداخلية حال دون استمرار النجاحات المتحققة، ويُعزى انهيار الإمبراطوريات الميدية والميتانية والأورارتية وغيرها إلى هذا السبب، ومع ذلك استمرّت الحوارات بين مختلف القبائل والمكونات.

وفي عهد الإمبراطورية العثمانية، جرت هناك حوارات بين السلاطين العثمانيين وزعماء العشائر الكردية، ويُعدّ حوار السلطان سليم الأول مع زعيم العشيرة الكردي، إدريس البتليسي مثالاً بارزاً على ذلك.

بعد الحرب العالمية الأولى، قُسّمت كردستان إلى أربعة أجزاء، وأجرت المنظمات والمؤسسات الكردية حوارات وفقاً لسياسات الدول التي احتلّت هذه الأجزاء، إذ أجرت جمهورية كردستان (مهاباد) في شرق كردستان (روجهلات)، والشيخ محمود برزنجي وتجارب الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في جنوب كردستان (باشور)، والحزب الديمقراطي الكردستاني والأحزاب المنبثقة عنه، مفاوضات مختلفة، إلّا أنّ معظم هذه المفاوضات كانت أحادية الجانب، نظراً لمحدودية النفوذ الكردي، ما أدى إلى فشلها.

في شمال كردستان، وقبل قيام الجمهورية التركية، أرسل مصطفى كمال أتاتورك رسائل إلى العديد من العشائر الكردية يدعوهم فيها للانضمام إلى الدولة، ووعدهم بالحكم الذاتي، إلّا أنّه مع قيام الجمهورية، تزايدت الضغوط على الكرد، وبدأت الانتفاضات، وبلغ عددها حتى تأسيس حزب العمال الكردستاني 28 انتفاضة كردية، ورغم إجراء حوارات متفرقة خلال هذه الفترة، إلّا أنّ هذه الحوارات لم تتحول إلى مفاوضات، إذ كان التضليل والإبادة الجماعية هما السياسة الرئيسة للدولة.

وفي سبعينيات القرن العشرين، ومع تأسيس حزب العمال الكردستاني، طرأت تغييرات جوهرية على تاريخ الكرد، ولأنّ أبواب الحوار والتفاوض كانت مغلقة تماماً، سعى الحزب إلى تحقيق الاعتراف بوجود الكرد عبر الكفاح المسلح، وفي هذا السياق، بُذلت بالتوازي مع الكفاح المسلح، جهودٌ للحوار والتفاوض والدبلوماسية أيضاً، وأجبرت الجهود السياسية التي قادها القائد عبد الله أوجلان وحزب العمال الكردستاني الدولة التركية على اللقاءات.

وفي عام 1991، صرّح رئيس الوزراء التركي آنذاك، سليمان ديميريل بـ: "نحن نقبل بالواقع الكردي"، لكن هذا التصريح ظلّ مجرد كلام.

وفي العام نفسه، أجرى الرئيس التركي توركوت أوزال آنذاك محادثات مع القائد عبد الله أوجلان عبر وسطاء، ونتيجةً لهذه المحادثات، أعلن القائد عبد الله أوجلان وقف إطلاق النار لأول مرة عام 1993، إلّا أن هذه المحاولات أُحبطت لاحقاً من قبل جهات خفية، بعد ذلك، استمرّت الحوارات السرية مع الحكومة التركية عبر وسطاء، وتمّ إعلان وقف إطلاق النار بين عامي 1995 و1998، لكن ازدادت قوة الأطراف المعادية وفشلت جهود الحوار، وحيكت المؤامرة الدولية ضدّ القائد عبد الله أوجلان.

مهّد النضال ضدّ المؤامرة الطريق أمام حوارات ومفاوضات جديدة، فبين عامي 2006 و2011، عُقدت بين حزب العمال الكردستاني والسلطات التركية في العاصمة النرويجية أوسلو، محادثات بوساطة بعض القوى الدولية.

وبعد هذه المحاولات، اضطرت الدولة إلى إجراء محادثات مباشرة مع القائد عبد الله أوجلان، فعُقدت حوارات أخرى بين عامي 2013 و2015، إلّا أنّ الأطراف المعارضة عرقلتها، وبعد عملية شاقة استمرّت عشر سنوات، اضطرّت الدولة إلى استئناف الحوار مجدداً.

ونتيجةً لهذه اللقاءات، أطلق القائد عبد الله أوجلان بنداء "السلام والمجتمع الديمقراطي" الذي أطلقه في الـ 27 من شباط الماضي، عملية سلام جديدة، وهذه هي المرّة الأولى في تاريخ الجمهورية التركية؛ التي تجري فيها الدولة التركية مع قائد كردي محادثات من أجل الحل، وذلك بعد 28 انتفاضة، بعبارة أخرى، انتقلت الانتفاضات التي كانت تنتهي بالمشانق، إلى الطاولة لأوّل مرّة وذلك مع حزب العمال الكردستاني، حيث تستمرّ عبر الحوار والمفاوضات.

(ر)