تصاعد هجمات داعش وتحوّل بنيته التنظيمية والتكتيكية

تشير الإحصائيات إلى ارتفاع حدة هجمات خلايا مرتزقة داعش في سوريا، وتحوّل في بنيتها التنظيمية والتكتيكية بعد المتغيرات الأمنية التي حصلت عقب سقوط نظام البعث، فقد شنّ المرتزقة نحو 224 هجوماً خلال عام، فيما أكد مدير المركز الكردي للدراسات أن داعش استفاد كثيراً من سقوط البعث عبر الحصول على الأسلحة والمال وسهولة التحرك في العديد من المناطق السورية.

تصاعد هجمات داعش وتحوّل بنيته التنظيمية والتكتيكية
الخميس 4 كانون الأول, 2025   02:30
الحسكة
بوطان حسين

ارتفعت وتيرة هجمات خلايا مرتزقة داعش في العديد من المناطق السورية منذ سقوط نظام البعث في الثامن من كانون الأول عام 2024 وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع، الذي كان يقود جبهة النصرة أحد فروع القاعدة قبل أن يغيّر الاسم إلى هيئة تحرير الشام ويعلن انفصاله عن القاعدة.

وشنّت خلايا مرتزقة داعش منذ مطلع العام نحو 224 هجوماً عبر استهدافات وتفجيرات وكمائن.

ويرى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات أن مرتزقة "داعش" يشكّل أحد أبرز التحديات الأمنية العالمية، رغم مرور أكثر من نصف عقد على انهيار ما كان يُعرف بـ "الخلافة المزعومة" في العراق وسوريا.

ويشير في تقرير إلى أن السنوات الأخيرة تظهر أن الهزيمة العسكرية لم تُترجم إلى انهيار تنظيمي أو أيديولوجي، بل دفعت "داعش" نحو مرحلة جديدة من اللامركزية العملياتية، والتخفي الاستخباراتي، وإعادة بناء شبكاته العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، أوضح مدير المركز الكردي للدراسات، نواف خليل، أن أبرز المتغيرات الأمنية والسياسية التي أسهمت في ارتفاع وتيرة هجمات خلايا مرتزقة داعش منذ بداية العام الجاري هو سقوط نظام البعث، الذي شكّل فراغاً أمنياً مكّن المرتزقة من التحرك بسهولة وفي بقع جغرافية أكبر، والاستيلاء على أسلحة، إضافة إلى تمكنه من تجنيد أفراد لصالحه، وقال: "إن داعش استفاد من سقوط النظام كثيراً".

وأضاف أن من المتغيرات الأخرى أن الحكومة الانتقالية الحالية لا تعمل على محاربة داعش كما يجب، وكذلك وجود فصائل مسلحة توفر لمرتزقة داعش البيئة الآمنة لشن هجماتهم والتحرك بسهولة.

وتشهد مناطق الحكومة الانتقالية انفلاتاً أمنياً كبيراً، حيث قُتل منذ بداية شهر تشرين الثاني وحده نحو 141 شخصاً، وفق المرصد السوري الذي وصفها بخسائر بشرية فادحة، تنوعت بين جرائم جنائية وانتقامية وأحداث عنف ذات طابع طائفي، بالإضافة إلى ضحايا الانفجارات الناتجة عن مخلفات الحرب المنتشرة في البلاد.

وذكر المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، أن ضعف سيطرة الحكومة الانتقالية الجديدة إلى جانب "العنف الطائفي" المستمر قد يعزز قدرات مرتزقة داعش بشكل أكبر، ما يسمح "للجهاديين" بإعادة تنظيم صفوفهم والحفاظ على وجودهم، وربما توسيع نفوذهم مرة أخرى.

وأكد نواف خليل أن داعش أصبح ذا بنية قوية من الناحية التنظيمية والجغرافية، وتوفرت له البيئة المناسبة في العديد من المناطق في سوريا وخاصة في دير الزور، مع وصول مجموعات مرتزقة مثل مرتزقة أحرار الشرقية ومتزعمها أبو حاتم شقرا قاتل السياسية الكردية هفرين خلف والمدرج على قائمة العقوبات الأمريكية، منوهاً بأنه ليس ببعيد أن يكون هؤلاء المرتزقة على علاقة مع مرتزقة داعش.

وشنت خلايا مرتزقة داعش نحو 180 هجوماً في دير الزور وحدها منذ مطلع العام الجاري، كما أن نشاط المرتزقة يبرز بشكل واضح في ريف دير الزور الغربي، الأمر الذي يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويثير مخاوف أمنية حقيقية من عودته للظهور كقوة بعد هزيمته في آخر معاقله في الباغوز.

ورُصدت 9 هجمات شنتها خلايا مرتزقة داعش خلال أسبوع في دير الزور على نقاط قوات سوريا الديمقراطية.

كما رصد المرصد السوري تزايد ظهور شعارات خلايا مرتزقة داعش في مناطق متفرقة من سوريا، ما يعكس مؤشرات على تنامي نشاط خلاياه رغم الحملات الأمنية المتكررة. ففي 23 تشرين الثاني الجاري، رُصدت شعارات على جدران الأبنية والمدارس في قرية غدير بستان بريف القنيطرة تحمل طابعاً تهديدياً لسكان المنطقة، من بينها عبارة: "الدولة الإسلامية قادمة"، دون التمكن من تحديد الفاعلين.

وفي فترة ما بين 24-27 تشرين الثاني الفائت، عثرت قوات القيادة الأمريكية الوسطى على أكثر من 15 موقعاً لمرتزقة داعش جنوب سوريا ضمن المناطق التي تخضع لسيطرة الحكومة الانتقالية الجديدة، وكان الموقع يحتوي على مخابئ أسلحة وكميات من المخدرات. وتمكنت من تدمير نحو 130 قذيفة متعددة ورشاشات وألغام ومضادات دبابات ومواد لصنع العبوات الناسفة.

ولفت نواف خليل إلى أن غالبية الفصائل في وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية بدمشق إسلامية متطرفة، وبينها مرتزقة مأجورون منهم ما يسمى بـ "الجيش الوطني السوري"، مشيراً إلى أن هذا يمكّن مرتزقة داعش من الاستفادة منهم، سواء من ناحية الذين يؤمنون بفكرهم أو عبر إقناعهم بالمال.

ونوّه خليل إلى أنه على الرغم من المركزية في بنية داعش التنظيمية في القرار والفكر، إلا أن هناك ليونة تسمح لأي شخص يؤمن بفكر داعش أن يشن الهجمات سواء كانت فردية أو جماعية دون تنسيق مع المركز، أو حتى دون أن تجمعهم روابط، ويتبناها داعش أيضاً كتلك الهجمات التي حصلت في أمريكا وأوروبا.

فيما يشير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات إلى أن داعش الذي خسر الأرض والموارد لم يفقد قدرته على التكيّف وإعادة إنتاج نفسه، سواء عبر خلايا نائمة أو ولايات فرعية تنتشر في آسيا وأفريقيا وأوروبا.

ويرى خليل أن هدف مرتزقة داعش الأساسي هو أن يبقى حياً وقوياً، وأن يتحركوا بحسب ما تتوفر لهم الفرصة، عبر شن الهجمات والقتل وزرع الخوف وإبقاء الوضع في حالة استنفار وفق ما يعتقدونه.

وأكد خليل أن مرتزقة داعش ينتظرون الفرصة الكبرى لإقامة ما يسمى "دولة الخلافة الإسلامية" بعد فشلهم وسقوطها على يد قوات سوريا الديمقراطية بالتنسيق مع التحالف الدولي.

وأضاف خليل أن الفرصة المنتظرة التي يعول عليها مرتزقة داعش هي اندلاع حرب بين الفصائل المسلحة التابعة لوزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية الحالية، أو شن هجمات جديدة على إقليم شمال وشرق سوريا، لافتاً إلى أنه حتى تحين تلك الفرصة الكبرى، سيستمر المرتزقة في شن هجمات فردية عبر الخلايا من خلال التفجيرات أو الاختطاف أو القتل أو جمع الأموال.

ونوّه نواف خليل إلى أن كل ذلك يشير إلى تحول جديد في بنية داعش وفق ما يوفره الوضع الأمني في سوريا من سهولة في التحرك.

وأكد مدير المركز الكردي للدراسات نواف خليل حصول مرتزقة داعش على السلاح والمال بعد سقوط نظام البعث، وهذا ما يوضح سبب زيادة وتيرة هجماتهم في الفترة الأخيرة وتغير أنماطها والتحول في بنيتها التنظيمية.

هذا وتشير تقديرات المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، بأنه لا يزال هناك نحو أكثر من 4000 مرتزق من داعش نشطين في سوريا والعراق، ويرى المركز أنهم يشكلون تهديداً مستمراً.

(ح)

ANHA