قصتان من قلب الرقة تمثلان وجهين متناقضين لمرحلة واحدة

 بعد 8 سنوات على تحرير مقاطعة الرقة من مرتزقة داعش، لا تزال المدينة تعيش بين نبضين: نبض الحياة التي تعود تدريجياً، ونبض الذاكرة التي لا تهدأ.

قصتان من قلب الرقة تمثلان وجهين متناقضين لمرحلة واحدة
قصتان من قلب الرقة تمثلان وجهين متناقضين لمرحلة واحدة
قصتان من قلب الرقة تمثلان وجهين متناقضين لمرحلة واحدة
قصتان من قلب الرقة تمثلان وجهين متناقضين لمرحلة واحدة
قصتان من قلب الرقة تمثلان وجهين متناقضين لمرحلة واحدة
قصتان من قلب الرقة تمثلان وجهين متناقضين لمرحلة واحدة
قصتان من قلب الرقة تمثلان وجهين متناقضين لمرحلة واحدة
قصتان من قلب الرقة تمثلان وجهين متناقضين لمرحلة واحدة
الأربعاء 22 تشرين الأول, 2025   09:09
الرقة
محمد خليل -أنس محمد

في الذكرى الثامنة لتحرير مدينة الرقة، تبرز قصتان من قلب الرقة، تمثلان وجهين متناقضين لمرحلة واحدة: مازن الحويجة الذي نجا ليحلم، ومحمود المحمد الذي غاب دون أثر.

مازن... من الطفولة المقهورة إلى الفن والريادة

مازن الحويجة، شاب من مزرعة السحل جنوب الرقة، عاش طفولته في مدينة كانت تحت سيطرة مرتزقة داعش لأكثر من ثلاث سنوات، لم تكن طفولته سوى سلسلة من الخوف والرقابة والانفجارات.

يقول: "كنا نمنع من الضحك، من الرسم، من اللعب... حتى في البيت لم يكن هناك أمان، حتى أقرب الأصدقاء قد يشي بك".

في ظل حكم مرتزقة داعش، تحولت المدارس إلى مراكز دعوية، واختفت الكتب والموسيقى والرسوم. كان الأطفال يُجبرون على مشاهدة الإعدامات الميدانية، في محاولة لقتل الرحمة في قلوبهم.

"كنت أرى رجالاً ملثمين بلحة طويلة ومجعدة، وكانوا يريدوننا أن نكبر بلا مشاعر"، يروي مازن.

لكن في 20 تشرين الأول 2017، أُخرج مرتزقة داعش من المدينة على يد قوات سوريا الديمقراطية بعد معركة طاحنة دامت لأربعة أشهر، وبدأت الرقة تتنفس من جديد.

لأول مرة رأى مازن وجوه تبتسم منذ سنوات، ومنذ تلك الحظة بدأت المدينة برحلة التعافي من الظلم والظلام.

اليوم، يحاول مازن أن يعيد بناء نفسه، التحق بفرقة الفنون الشعبية في المركز الثقافي، ويطمح لأن يصبح صوتاً للأطفال الذين عاشوا ما عاشه. رغم إخفاقه في امتحانات الثانوية الأدبية، يصرّ على المحاولة مجدداً: "لن أستسلم، سأعود العام القادم وأحقق حلمي".

محمود... الغياب الذي لا يُغلق

في المقابل، تروي مريم الجمعة، والدة محمود المحمد، قصة الغياب التي لا تزال مفتوحة منذ سنوات. محمود، ابن مزرعة ميسلون في ريف مقاطعة الرقة الشمالي، اختفى بعد أن أوصل شقيقته إلى زوجها في لبنان، امتثالاً لقوانين مرتزقة داعش التي كانت تمنع النساء من السفر دون مرافقة أحد أقاربهن من الذكور.

عند عودته، تم احتجازه من قبل مرتزقة داعش عند حاجز زكية، بحجة تكرار سفره إلى دمشق. تقول والدته: "ذهب أخوه إلى قرية عقيربات، ثم إلى مسكنة وحلب والباب ومنبج، حتى وصل إلى العراق، لكن دون جدوى".

ورغم تحرير المدينة، لم تحصل العائلة على أي خبر عنه

وانتشل فريق الاستجابة الأولية في مقاطعة الرقة 6100 جثة من 28 مقبرة جماعية خلفها مرتزقة داعش اثناء سيطرتهم على المقاطعة فيما سلّم الفريق 700جثة لذويها بعد التعرّف عليها بحسب التقرير الذي أعدته وكالتنا في عام 2020.

​​​​​​​فريق الاستجابة الأولية...أعمال منجزة ودور مهم في حالات الطوارئ  -ANHA

تشير مريم إلى أن مرتزقة داعش احتجزوا محمود في عام 2014 بعد أن وجدوا في هاتفه صورة لعسكري، رغم أن جهازه كان من نوع قديم لا يمتلك خاصة تخزين الصور. "كان محمود رجلاً طيباً، يذهب إلى المسجد باستمرار، وكان بعض عناصر التنظيم يكرهونه لهذا السبب".

وأوضحت: "اليوم يعيش أولاد محمود الثلاثة في منزل عمهم، بينما تواصل والدتهم رحلة البحث. أتذكره كل يوم وأخرج رأسي من باب المنزل لعلي يوماً ما أحظى بمجيئه". تتنهد أم محمود بحسرة وتقول: "كلا لقد قتلوه، ولو كنت أعلم أين دُفن لارتحت".

 ولا تزال والدة محمود تراجع الجهات المختصة دون أن تحصل على أي إجابة.

الرقة بين الماضي والمستقبل

8 سنوات بعد التحرير، لا تزال الرقة تتعافى من آثار الحرب، لكن قصص أبنائها، من الحالمين كمازن إلى الغائبين كمحمود، تظل تذكيراً بأن التعافي لا يكتمل إلا بالعدالة، وأن الأمل لا يموت ما دامت هناك قلوب تنبض بالحقيقة.

في مدينة كانت يوماً رمزاً للدمار، باتت اليوم تكتب فصولاً جديدة من الحياة، الأمل، والكرامة، وبين كل قصة تروى، هناك أخرى تنتظر أن تسمع، لتكتمل صورة الرقة التي لا تنسى أبناءها، مهما طال الغياب.

(أ)

ANHA