المرتزقة الأجانب في سوريا.. مساعٍ للتجنيس والدمج رغم المخاطر الكبيرة

باتت مسألة المرتزقة الأجانب الموجودين في سوريا من أهم القضايا المطروحة على الساحة المحلية، وعلى المستويين الإقليمي والدولي عموماً؛ نظراً لما تحتويه من انعكاسات سلبية على النسيج المجتمعي السوري، بالإضافة إلى كونها تثير قلق أطراف خارجية من توجهات الحكومة الانتقالية بإعادة هندسة المجتمع وفق نسق عقائدي وأيديولوجي.

المرتزقة الأجانب في سوريا.. مساعٍ للتجنيس والدمج رغم المخاطر الكبيرة
الجمعة 22 آب, 2025   06:30
مركز الأخبار

تزايد النقاش والجدل حول قضية المرتزقة الأجانب بعد أن منحت الحكومة الانتقالية في سوريا رتباً عسكرية عالية، لعدد منهم، وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول تداعيات هذه القرارات وانعكاساتها على مستقبل ملف المرتزقة الأجانب في الداخل السوري.

وعلى الرغم من أن ظاهرة المرتزقة الأجانب ليست جديدة على الساحة السورية، فإنها بدأت تكتسب سمات جديدة مع هيمنة "هيئة تحرير الشام" والفصائل الموالية لها على المشهد السوري بعد سقوط الأسد في 8 ديسمبر 2024، حيث منحت المرتزقة الأجانب الذين يقاتلون إلى جانبها امتيازات غير مسبوقة.

من هم هؤلاء المرتزقة؟

جاء معظمهم إلى سوريا في وقت مبكر خلال الأزمة السورية استجابةً لدعوات من "داعش" الذي كان يحاول حينها إقامة ما يسمى بـ "الخلافة". ولكن بعد القضاء على داعش جغرافياً، اضطر هؤلاء للانضمام إلى "هيئة تحرير الشام"، بينما شكّل آخرون مجموعات محلية خاصة بهم لكنها تعمل تحت غطاء الهيئة.

والمقاتلون الأجانب في سوريا ينتمون إلى جنسيات متعددة، أبرزها:

  1. الأويغور (التركستان) من الصين: وهم من أكبر المجموعات العددية، معظمهم في الهيئة.
  2. الشيشان: متزعمون ومقاتلون من روسيا.
  3. العرب: من الخليج العربي والأردن ومصر وتونس والمغرب.
  4. الأوروبيون: من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وعددهم قليل جداً خصوصاً أن الكثير منهم عاد إلى بلاده.
  5. آخرون: من أوزبكستان وطاجيكستان وتركيا وألبانيا، مع وجود أعداد صغيرة من جنسيات أخرى.

أعدادهم وأماكن انتشارهم

من الصعب تحديد عدد الأجانب الذين قاتلوا إلى جانب "هيئة تحرير الشام"، إذ يمكن أن يراوح العدد ما بين 1500 و6000 مقاتل. ويرجّح خبراء أن يكون الرقم الحقيقي بين هذين الحدّين.

وتشير بعض التقارير إلى أن المرتزقة الأجانب يشكلون نحو 30% من مجموع "هيئة تحرير الشام" (النصرة سابقاً). هذه النسبة أُعلن عنها على لسان متزعم "النصرة" حينها، أحمد الشرع، المعروف بـ "أبو محمد الجولاني"، خلال لقاء تلفزيوني عام 2015، إذ قال إن من بين المهاجرين أوروبيين وقلة أميركية، مع وفرة في الآسيويين ووجود للشيشان والروس والعرب.

ومع إسقاط النظام البعثي، توسع انتشارهم جغرافياً، وتمكنوا من الخروج جزئياً من ريفي إدلب وحلب والتمركز في مواقع أبعد على الجغرافية السورية.

فقد استقرت في ريف جبلة قرب اللاذقية، وفي مناطق متفرقة من اللاذقية وقرب قرية الحميدية جنوب طرطوس، وكذلك في مناطق مجاورة لدمشق وريف حمص وحماة وسط البلاد.

وقد اتخذت من معسكرات لكتائب وألوية سابقة لجيش النظام البعثي مقارّ لها، ونُسبت إليها العديد من الانتهاكات، بما في ذلك الاستفزازات والقتل والخطف والسلب، إضافة إلى استمرار وجودها في إدلب وحلب بشكل رئيس.

تجنيد من كل أصقاع الأرض.. والبوابة تركيا

لعب مرتزقة داعش ومتزعمو جبهة "النصرة" سابقاً، دوراً بارزاً في تجنيد واستقطاب هؤلاء المرتزقة، بدعم من الدولة التركية التي فتحت حدودها على مصراعيها أمام توافد الآلاف عبر مطاراتها وموانئها. وتحولت الأراضي التركية إلى محطة عبور رئيسة لهم نحو الأراضي السورية، رصدتها ونوهت إليها وكالتنا عبر العشرات من الوثائق واعترافات المرتزقة الأجانب.

وتوجد أدلة كثيرة على تورط تركيا في إدخال هؤلاء المرتزقة الأجانب، أبرزها جوازات سفر المرتزقة الممهورة من تركيا والموجودة بحوزة قوات سوريا الديمقراطية، تحمل أختام مغادرة من الحدود التركية باتجاه سوريا، ما يكشف تورط السلطات التركية في تسهيل مرورهم.

ويشير خبراء إلى أن هؤلاء لم يأتوا بمفردهم، بل عبر شبكات تجنيد واستخباراتية معقدة من خلال تركيا، وكان لهم دور مزدوج: قوة عسكرية فاعلة، وأداة لإحداث تغيير ديموغرافي، لا سيما في الساحل السوري. كما أقاموا قواعد في الجبال الوعرة، التي وفرت لهم ملاذاً آمناً وانطلاقاً نحو دول أخرى عبر البحر.

ومع تشكيل وزارة دفاع الحكومة الانتقالية في سوريا بعد سقوط النظام البعثي، بدأت الوزارة توزيعهم على الفرق العسكرية المشكلة ضمن الجيش السوري، ومن أبرزها:

  • الحزب الإسلامي التركستاني: يتزعمها أبو محمد التركستاني، ويُقدَّر عدد عناصره بـ 2,500.
  • أنصار التوحيد: يتزعمها أبو دياب سرمين، وعددهم التقديري 200.
  • أجناد القوقاز: يتزعمها مسلم الشيشاني، ويُقدَّر عددهم بـ 250.
  • الشيشان (أجناد الشام): يتزعمها أبو عبد المالك الشيشاني، وعددهم التقديري 300.

خطوات حكومية خطيرة على سوريا ومستقبلها

عملت الحكومة الانتقالية في سوريا على مأسسة حضور المرتزقة الأجانب من خلال منحهم أدواراً رسمية في هياكل القيادة العليا. وقد أصبح هؤلاء يمارسون أدواراً مهمة داخل السلطة، سواء سياسياً أو عسكرياً، حيث يجري الاعتماد عليهم بشكل متزايد في تسيير أعمال الدولة وترتيب المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى إعادة هندسة المجتمع.

كما تتجه "هيئة تحرير الشام" نحو تجنيس المرتزقة الأجانب، خاصة بعد إعلان أحمد الشرع، في 18 ديسمبر 2024، أن "المقاتلين الأجانب الذين أسهموا في إسقاط الأسد يستحقون المكافأة، ويجب الاحتفاء بهم". وأضاف: "إذا أخذنا في الاعتبار أن الذين عاشوا في بلد آخر لمدة سبع سنوات يحصلون على الجنسية، فيجب ألا يكون ذلك مستحيلاً، ويمكن إدماجهم في المجتمع السوري".

وعلى هذا الأساس، تشير اتجاهات عديدة إلى أن الحكومة الانتقالية ستسرّع وتيرة تجنيس المرتزقة الأجانب، خصوصاً في ظل التزامهم الفكري والتنظيمي بما يُعرف بـ "السمع والطاعة" داخل بعض التنظيمات.

كما أعلنت الحكومة عن منح رتب عسكرية كبيرة لستة متزعمين أجانب في صفوف الهيئة لا يحملون الجنسية السورية: ثلاثة منهم برتبة عميد، وثلاثة آخرون برتبة عقيد. ومن أبرزهم: "الألباني الأصل عبدل صمريز يشاري (أبو قتادة الألباني)، المصري علاء محمد عبد الباقي، الإيغوري عبد العزيز داوود خدابردي (عميد)، ومولان ترسون عبد الصمد وعبد السلام ياسين أحمد (برتبة عقيد)".

كما يجري الحديث عن نية وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية استحداث فرقة خاصة بالمرتزقة الإيغور الراغبين في البقاء ضمن صفوفها. وعلى الرغم من أن اسم الفرقة لم يُعلن رسمياً، فإن المعلومات تشير إلى أنها ستحمل اسم "الفرقة 84" وسيكون نطاق عملها في شمال سوريا.

وقال مبعوث الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، إلى سوريا، توماس باراك، إن الولايات المتحدة وافقت على خطة الحكومة الانتقالية للسماح لآلاف المرتزقة الأجانب بالانضمام إلى "الجيش الوطني"، شرط أن يتم ذلك بشفافية.

بحث عن التجنيس.. وإغفال للتداعيات

أثار ملف تجنيس المرتزقة الأجانب في سوريا جدلاً واسعاً، بعد أن قدم عددٌ من هؤلاء التماساً رسمياً للحكومة، يطالبون فيه بمنحهم الجنسية السورية. وأشار المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن عمليات التجنيس مستمرة منذ شهرين، بمعدل يتراوح بين 30 و50 شخصاً يومياً.

ويثير هذا التوجه مخاوف السوريين الذين عانوا من التطرف، حيث إنه سيؤدي إلى إعادة رسم الهوية السورية على أساس الانتماء العقائدي بدلاً من المواطنة.

كما ذكرت تقارير أن مرتزقة أجانب ذوي توجهات دينية متشددة شاركوا مؤخراً في أعمال عنف ضد مكونات سورية، خاصة في الساحل والسويداء، واتُهموا بمحاولات فرض قيود اجتماعية مثل مراقبة ملابس النساء وسلوكيات المدنيين في المدن السورية.

ومن أبرز المخاطر أن مرتزقة داعش تحاول استقطاب هؤلاء المرتزقة بهدف إعادة بناء ما تسميه "الخلافة".

وإذا نجح في جذبهم، فذلك يعني إعادة تدوير الفوضى وعودة الحراك المسلح، وليس مفاجئاً أن يلتحق آلاف المرتزقة به، بوصفه "أكثر التنظيمات قدرة على جذب الفكر المتشدد"، وفق مراقبين ومختصين في شؤون الإرهاب.

(أم)

ANHA