رغم الإعاقة والحرمان من الهوية... خوشناف خليل: قصة كفاح تُروى من الدرباسية

رغم الإعاقة وغياب الهوية، أثبت خوشناف خليل أن الإرادة والالتزام المجتمعي قادران على كسر كل القيود، ومع انطلاق ثورة 19 تموز التزم بمبادئها وأسهم في ترسيخ مؤسساتها ليمثل عن جدارة نموذج المواطن المناضل من أجل حماية مكتسبات الثورة وبناء مجتمع ديمقراطي.

رغم الإعاقة والحرمان من الهوية... خوشناف خليل: قصة كفاح تُروى من الدرباسية
السبت 12 تموز, 2025   03:40
الحسكة
جان علوي

في زقاقٍ صغير من الحي الغربي في مدينة الدرباسية، يعيش خوشناف خليل حياةً بسيطة لكن مليئة بالمعنى. لا يلفت الانتباه كثيراً لمن يمرّ بقرب منزله المتواضع، لكن خلف جدرانه تختبئ حكاية كفاح طويل، حكاية رجلٍ لم يكسرْهُ الشلل، ولم توقفه أوراق الهوية المفقودة، ولم تهزمْه ظروف الحياة القاسية.

ولد خوشناف خليل عام 1984 في قرية ملك التابعة لمدينة الدرباسية، وكانت أولى معاناته مبكرة جداً. في عامه الأول، أُصيب بشللٍ في قدمه اليمنى نتيجة خطأ طبي، لتبدأ رحلة تحدٍّ طويلة رافقته في كل مرحلة من حياته. لم يحمل وعائلته الهوية السورية بسبب سياسات التمييز التي طالت الكُرد في سوريا لعقود، وعاشوا كمكتومي القيد، يُعرفون بـ "الأجانب" في وطنهم.

ورغم ذلك، لم يستسلم خوشناف للواقع القاسي. درس الابتدائية في قريته، ثم انتقل إلى المدينة لإكمال دراسته الإعدادية، حيث تفوّق في دراسته، وكان يحلم بأن يصبح مهندساً. إلا أن الإعاقة، والوضع المادي المتردي، وغياب الجنسية، كلها حالت دون تحقيق حلمه، ليكتفي بالدراسة في المعهد الزراعي بمدينة الحسكة.

من الفقر إلى النضال

عملت عائلته كفلاحين قبل الانتقال إلى المدينة، وهناك، في بدايات شبابه، تعرّف خوشناف على حزب الاتحاد الديمقراطي وانخرط في صفوف شبيبته، حيث تلقى تدريبات أيديولوجية صقلت وعيه السياسي.

ومع انطلاق ثورة 19 تموز في شمال وشرق سوريا، وجد خوشناف دافعاً جديداً لخدمة مجتمعه. تأثر بالشهداء وذويهم، فكان يرى في تضحياتهم مسؤولية شخصية على عاتقه. فانخرط في العمل التنظيمي لحزب الاتحاد الديمقراطي، ثم انتقل للمساهمة في تأسيس مؤسسات الاقتصاد والزراعة في مدينة الدرباسية، وكان من أوائل العاملين على بناء نموذج "المجتمع الديمقراطي".

وفي عام 2016، بدأ العمل في مكتب شؤون المنظمات الإنسانية بالدرباسية، وهو مستمر في عمله حتى اليوم، متحدّياً إعاقته وصعوبات التنقّل، دون أن يسمح لأيٍّ منها بأن تعيق نشاطه أو تضعف عزيمته.

حياة بسيطة.. وكفاح يومي

تزوّج خوشناف في عام 2015، ويعيش اليوم مع زوجته وطفليه في منزل متواضع، ساعد في بنائه بيده رغم حالته الجسدية. تشاركه زوجته كفاحه اليومي، حيث افتتحت محلاً صغيراً للخياطة في زقاق المنزل، يعملان معاً لبناء مستقبل أفضل لعائلتهما الصغيرة.

ورغم الألم، لا يحمل خوشناف أي شعور بالضعف، بل يواجه الحياة بإيمان لا يتزعزع. فيقول: "عشت حياتي باعتقادي أنني لا أملك أي إعاقة، وواصلت الدراسة والعمل. نعم، أواجه صعوبات في التنقّل ولا أستطيع حمل الأشياء الثقيلة، لكن بالصبر والإرادة لا شيء يمكن أن يكسرني".

أما عن عمله في مؤسسات الإدارة الذاتية، فيقول بثقة: "العمل من أجل المجتمع واجب على كل فرد، خاصة في ظل ثورة بُنيت بدماء الشهداء وسواعد عوائلهم. علينا أن نحمي هذه المكتسبات ونطوّرها".

ويُعدّ خوشناف خليل نموذجاً للصمود الإنساني في وجه الإقصاء، والإعاقة، والفقر. قصته تذكير حيّ بأن الثبات على المبادئ، والإيمان بقضية عادلة، يمكن أن يصنعا من الإنسان قوة لا تُقهر – حتى عندما تسلبه الحياة أبسط حقوقه كالجنسية، أو القدرة على السير دون ألم.

(ح)

ANHA