وحدة الشعوب حصن في مواجهة الفتن والطائفية

شكلت انتفاضة قامشلو صرخةً ضد الظلم والعداء، ورسّخت مبدأً مفاده أن الحقوق تُنتزع ولا تُوهب. كما كانت شرارةً أوقدت روح النضال. وأكدت أن المعركة ليست بين مكونات المجتمع، بل هي صراع بين من يسعى إلى الحرية والكرامة، ومن يريد إشعال الحروب والفتن للحفاظ على سلطته.

وحدة الشعوب حصن في مواجهة الفتن والطائفية
الأربعاء 12 آذار, 2025   07:40
مركز الأخبار
أحمد سمير

لطالما كانت اللحظات المفصلية في التاريخ نقاط تحوّل تعيد تشكيل وعي الشعوب وترسّخ مبادئ الكرامة والعدالة. وفي هذا السياق، ومع حلول الذكرى السنوية الحادية والعشرين لانتفاضة قامشلو في 12 آذار 2004، تبقى هذه الانتفاضة واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الشعب الكردي.

فقد شكّلت صرخةً ضد الظلم، ورسّخت مبدأً مفاده أن الحقوق تُنتزع ولا تُوهب. لم تكن هذه الانتفاضة مجرد رد فعل عابر، بل كانت شرارةً أوقدت روح النضال وساهمت في بناء مشروع الإدارة الذاتية، الذي أصبح اليوم نموذجاً للمقاومة والتنظيم السياسي والاجتماعي.

درس من التاريخ: كيف تُشعل الفتنة

بدأت أحداث 12 آذار في مدينة قامشلو أثناء مباراة بين ناديي الجهاد والفتوة، عندما استغل النظام البعثي آنذاك الفروقات العرقية وأجّج الصراع بين الجماهير. استُخدمت الهتافات التحريضية، ثم تطورت الأحداث إلى إطلاق نار مباشر على المدنيين الكرد، ما أسفر عن سقوط 38 شهيداً واعتقال الآلاف، لتتحول هذه المجزرة إلى انتفاضة شعبية شاملة.

اليوم، ومع تصاعد التوترات في مناطق الساحل السوري، نجد أن أدوات الفتنة لم تتغير، فالتحريض الذي كان موجهاً ضد الكرد في 2004، يُعاد استخدامه بالطريقة نفسها ضد العلويين وغيرهم من مكونات المجتمع السوري، وذلك لإشعال صراع داخلي لضرب وحدة الشعب، لكن الدرس المستفاد من التاريخ هو أن التضامن والوعي هما السلاح الأقوى في مواجهة أي محاولة للتمزيق وإثارة النعرات الطائفية.

دور الشهداء في بناء المستقبل

يروي حمدين نبي، أحد شهود العيان، كيف أن النظام البعثي تعمّد إثارة الفوضى ونقل مشجعي الفريقين إلى أماكن غير معتادة في المدرجات، في خطة مدروسة لإشعال صراع دموي بين العرب والكرد. وما أشبه اليوم بالأمس، حيث تُستخدم الأدوات الإعلامية والسياسية نفسها لإحداث شرخ بين مكونات المجتمع السوري، لكن ما أثبتته تجربة انتفاضة 12 آذار هو أن وحدة الشعب كفيلة بإحباط أي مخطط فتنة لكي لا يعاد فيه إنتاج مآسي الماضي.

وبدوره، شبّه مرعي محمد، والد أحد شهداء الانتفاضة، ما يجري اليوم بما حدث في 2004، ويحذّر من أن المخطط واحد؛ وهو إثارة النعرات الطائفية وضرب الاستقرار الداخلي. لكنه يؤكد أن إرادة الشعوب أقوى من أي محاولة لإطفاء جذوة الحرية، ويقول: "لا ندم، فالحقوق لا تُمنح، بل تؤخذ. لقد رأينا ثمار هذه الانتفاضة في 2011 عندما نهض الشباب للدفاع عن حقوقهم، واليوم، أصبح الكرد جزءاً أساسياً من المعادلة الدولية، وهذا كله بفضل تضحيات الشهداء".

التكاتف أقوى من أي مؤامرة تحاك ضد المكونات والشعوب

البلسم الحقيقي لجراح التفرقة الطائفية يكمن في بناء مجتمع تسوده العلمانية والعدالة الاجتماعية، التي تحصّن المجتمع ضد محاولات التقسيم. ما حدث في قامشلو عام 2004 وما يحدث اليوم في الساحل السوري يؤكد أن أعداء الشعوب لا يتوقفون عن زرع بذور الفتنة. لكن التاريخ يثبت أن التضامن أقوى من أي مؤامرة. المعركة ليست بين مكونات المجتمع، بل بين من يسعى للحرية والكرامة ومن يريد إشعال الفتن لحفظ سلطته. إنها معركة بين الناهب والمنهوب.

وفي ظل هذه التحديات، تظهر مبادرات تعكس إرادة التغيير وبناء مستقبل أفضل. إن الاتفاق المبرم في 10 آذار بين قائد قوات سوريا الديمقراطية ورئيس سلطة دمشق يُعدّ خطوة إيجابية نحو مستقبل سوريا، الذي لن يبنيه إلا التلاحم والتعاون. فقط بالوحدة والعدالة يمكن تجاوز المحن وبناء مستقبل يليق بتضحيات الشعب السوري.

(آ)

ANHA