في ذكرى اتفاقية أضنة.. قراءة لنتائجها واستقراء لخطط دولة الاحتلال التركي

يصادف اليوم 20 تشرين الأول، ذكرى إبرام اتفاقية أضنة بين حكومة دمشق والاحتلال التركي عام 1998، والتي استغلتها دولة الاحتلال ولا تزال، لتحقيق أطماعها، فكيف أثّرت هذه الاتفاقية على سوريا؟ وما خطط دولة الاحتلال المشابهة لظروف تلك الاتفاقية في هذا التوقيت؟

في ذكرى اتفاقية أضنة.. قراءة لنتائجها واستقراء لخطط دولة الاحتلال التركي
الجمعة 20 تشرين الأول, 2023   02:29
 مركز الأخبار
يحيى الحبيب
أبرمت حكومة دمشق برئاسة حافظ الأسد ما تسمى باتفاقية أضنة مع الاحتلال التركي، في 20 تشرين الأول عام 1998، والتي تخلت بموجبها عن مسؤولياتها وسمحت باستهداف مكون أساسي من مكونات سوريا وهو الكرد.

وجاءت اتفاقية أضنة بعد توترات وعداء بين حكومة دمشق والاحتلال التركي، حيث هدّدت دولة الاحتلال التركي حكومة دمشق بذريعة وجود القائد عبد الله أوجلان في سوريا، وحشدت قواتها على الحدود السورية، بالإضافة إلى استخدام ورقة المياه.

تركيا تتذرع ودمشق ترضخ

بعد أن شعرت دمشق بتهديد التحالف التركي - الإسرائيلي عام 1996، ونظراً لاعتمادها على مياه الفرات والضغوط من قبل مصر والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإسرائيل رضخت في نهاية المطاف للضغط التركي، وبعدها غادر القائد عبد الله أوجلان سوريا.

يقول القائد عبد الله أوجلان في المجلد الأول: "المعادلة التي مهَّدَت لهذه المرحلة بخروجي من سوريا أكثرُ لفتاً للأنظار، فالمفهوم الذي أخرجَني من سوريا يرتكز في مضمونه مجدداً إلى تصادمِ التناقض بين الخط الذي رسمتُه للصداقة، وبين سياسةِ إسرائيل تجاه الكرد، فإسرائيلُ المنهمكة بِرُبُوبِيَّتِها للقضية الكردية، وخاصةً بعد الحرب العالمية الثانية، أضحَت بالغةَ الحساسية تجاهها، لدرجةِ أنها لم تحتمل طراز الحل الكردي الثاني، الذي تَزايَدَ تأثيرُه ووقْعُه متمثلاً في شخصي. ذلك أن طرازي في الحل لم يَكن يتناسب وحساباتِهم على الإطلاق، عليَّ ألا أنكر حقَّ الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) التي دَعَتني بشكلٍ غيرِ مباشر إلى طريقتها في الحل، ولكني لم أكن مستعداً أو منفتحاً لذلك أخلاقياً، ولا سياسياً".

ويضيف القائد عبد الله أوجلان: "لم تَرغَبْ إدارةُ سورية العربية بتاتاً بتجاوزِ شكلِ العلاقات التي يغلب عليها الطابع التكتيكي مع قيادة PKK، علماً بأن رئاسة حافظ الأسد تحققت اعتماداً على صراع الهيمنةِ بين كلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، ومع انهيار السوفييت، لم يكن الوضعُ الحَرِج يساعده في الحفاظ على أي علاقةٍ تكتيكية، فعندما كان (حافظ الأسد) يُحَقِّقُ التوازنَ مع تركيا من خلالي أنا عبر (PKK)، كان يبحث عن ردٍّ إزاء تهديداتِ جمهورية تركيا لسوريا والمبتدئة منذ عام 1958 من جهة، وانحيازها المتطرف لإسرائيل من جهة ثانية".

ويوضح القائد عبد الله أوجلان: "باعتبار أن PKK أداةٌ مناسِبة في هذا الشأن، فقد وفَّر إمكانيةَ إقامةِ علاقةٍ تكتيكية معه على المدى الطويل، ولم يكن يُراد رؤية إمكانيةِ أنْ تُمهِّد هذه العلاقة لسياسةٍ كرديةٍ ثانية، ولم تتمكن جميعُ مساعي الإدارات التركية من التأثير في هذا السياق".

وعلى الرغم من مغادرة القائد عبد الله أوجلان لسوريا إلا أنه تم توقيع اتفاقية أضنة بعد 11 يوماً من ذلك، لتستغلها تركيا في محاربة الكرد بشكل أساسي بالإضافة إلى تحقيق أطماعها باقتطاع أراضٍ سورية.

بنود الاتفاقية

وتضمنت بنود الاتفاقية وملحقاتها إبعاد القائد عبد الله أوجلان (الذي غادر سوريا قبل أيام من هذه الاتفاقية) عن سوريا، وإنهاء معسكرات الحزب في البلاد وعلى الحدود، بالإضافة إلى إعداد حكومة دمشق قوائم بأسماء الناشطين والسياسيين الكرد والمؤيدين لحركة التحرر الكردستانية داخل سوريا.

كما أنهى الاتفاق في الملحق الثالث، الخلافات الحدودية بين البلدين، ما يعني تنازل حكومة دمشق عن حق سوريا في المطالبة بلواء إسكندرون، المشار إليه في تركيا بإقليم هاتاي الذي احتلته تركيا.

كما تم زجّ ملحق يسمح لقوات الاحتلال التركي بالتوغل في الأراضي السورية بعمق 5 كيلومترات، ويشير الملحق حرفياً إلى أنه "يفهم الجانب السوري أن إخفاقه في اتخاذ التدابير والواجبات الأمنية المنصوص عليها في هذا الاتفاق، يُعطي تركيا الحق في اتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية، حتى عمق 5 كيلومترات".

الاحتلال التركي يستبيح الأراضي السورية

ومع تسلُّم بشار الأسد الحكم، نمت العلاقات السورية – التركية وقام وقتها باعتقال عشرات الناشطين الكرد وشدد القبضة الأمنية، وأصبحت هناك علاقة شخصية قوية بين الأسد الابن وأردوغان تمثلت بزيارات بين الطرفين، كما تخلى بشار الأسد عن كثير من المصالح السورية إرضاء لأردوغان، وأبرزها فتح الأسواق السورية للبضائع التركية ما أثّر سلباً على الصناعات السورية وخصوصاً الحلبية.

وفي 22 كانون الأول 2010، وقّع وزيرا خارجية دمشق وليد المعلم وتركيا أحمد داود أوغلو، اتفاقية أمنية اعتُبرت في مقدمتها، أنها "تعديل" لاتفاقية أضنة، وذلك بتشديد الإجراءات وتوسيع التعاون ضد الكرد وما وصفهم بالجماعات الإرهابية الأخرى.

تساهُل حكومة بشار الأسد مع تركيا ساعد الأخيرة على التغلغل في المجتمع السوري، واستغلت ذلك عند بدء الأزمة السورية عام 2011، حيث كان صديق بشار الأسد القديم، رجب طيب أردوغان أول من عمل على إسقاط نظامه واحتلال الأراضي السورية.

ومع دعم تركيا للجماعات المرتزقة في سوريا، لم تتمكن حكومة دمشق من تثبيت وجودها وحماية المنطقة وانسحبت إلى مناطق رأتها أكثر أهمية وفائدة، هنا نظم الكرد أنفسهم، وشكلوا أحزاباً سياسية وقوات عسكرية تطورت فيما بعد لتشكّل نواة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا والتي تضم مختلف مكونات المنطقة الآن.

واستغل أردوغان هذه الاتفاقات لتبرير تدخّله في الأراضي السورية، إلا أنه ناقض هذه الاتفاقات فيما بعد، حيث تنص هذه الاتفاقات على التنسيق والتعاون المشترك بين تركيا ودمشق، إلا أن تركيا حاربت جميع من وقف في طريق تحقيق أهدافها بما فيه الجيش السوري، وعلى عكس الاتفاقات التي اشترطت سيطرة الجيش السوري على الحدود السورية، فقد احتل الجيش التركي مناطق إدلب والباب وجرابلس وإعزاز والراعي وعفرين وسري كانيه وكري سبي، وحسب الاتفاقات المبرمة يجب على الجيش التركي الانسحاب من هذه المناطق.

ليست اتفاقية إنما إذعان

الكاتب والباحث السوري، محمد عيسى، رأى خلال حديثه لوكالتنا أنه "لا يمكن النظر إلى الاتفاقية على أنها وثيقة تفاهم بين دولتين بقصد حل مسألة عالقة بينهما، بل هي اتفاقية إذعان أمام القوة التركية المتفوقة جداً والمستفيدة من الدعم الأطلسي والأمريكي على وجه الخصوص في لحظة فارقة قد تلت انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، كما وظفت تركيا فائض القوة الذي توفر لديها لانتزاع هذا الاتفاق، فلا شك أن السياسة التركية قد تلطّت وما زالت تتلطى خلفها الأضرار بالمصالح الوطنية السورية، وبخرق سيادة الدولة  السورية على أراضيها، وكما استندت عليه كجسر عبور لقضم المزيد من الأراضي السورية تحت ذريعة حماية أمنها القومي من الإرهاب".

بحث عن اتفاقية جديدة

بعد أن سعت الدولة التركية لاحتلال عموم الأراضي السورية، حيث توعّد أردوغان بالصلاة في الجامع الأموي بعد إسقاط "النظام السوري"، ومع دخول روسيا وإيران على الخط ودعم حكومة دمشق تحولت أهداف الاحتلال التركي من إسقاط النظام إلى محاربة الكرد والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

وأثبتت الأحداث أن الأطماع التركية في الأراضي السورية تعود إلى مرحلة استقلال البلاد وما قبلها، ومنذ ذلك الوقت تبحث تركيا عن أي فرصة تسنح لها لتحقيق هذه الأطماع، وسّعت خلال تلك الفترة إلى تحقيق ذلك تارة عبر القوة وتارة أخرى عبر خداع الأنظمة الحاكمة لسوريا بإقامة علاقات وإبرام اتفاقات خبيثة تشرعن تدخّلها عندما تحين الفرصة.

الآن، ومع فشله في إسقاط حكومة دمشق وعرقلة الإدارة الذاتية لمشروعه في دعم الإسلام السياسي والإرهابيين، تحاول دولة الاحتلال التركي إبرام اتفاقية جديدة ومعدّلة لاتفاقية أضنة تطمح من خلالها وبخبث لإبقاء احتلالها للمناطق السورية، كما حصل بخصوص لواء اسكندرون وإدخال أدواتها من الائتلاف والمجموعات المرتزقة في العملية السياسية.

عن ذلك يقول عيسى إن: "المتتبع لتطورات الأزمة السورية لن يخامره الشك بأن الأزمة في وجهها الدموي وفي طورها الأسوأ كانت من الصناعة التركية الأردوغانية، فهذه السياسة الطامحة إلى التوسع وإحياء دولة الخلافة العثمانية بالاعتماد على مهماز الإسلام السياسي وحركة الإخوان المسلمين كانت هي المسؤول الأول عن حرف الحراك الشعبي السوري منذ اللحظات الأولى لانطلاقته عن مساره السلمي باتجاه الأسلمة والعنف، وبالتالي كانت السياسة التركية الأردوغانية الداعم المباشر لكثير من التنظيمات الإسلامية المسلحة ذات النشاط الإرهابي في مقارعة النظام القائم وفي وجه باقي مكونات الشعب السوري، وكانت طيلة الأزمة هي من تفتح حدودها ومطاراتها لاستقبال الإرهابيين من دول العالم وزجهم في منظمات على شاكلة النصرة والسلطان مراد والتركستاني وأنصار التوحيد والعمشات وما شابه".

وأضاف محمد عيسى: "لذلك لا أرى أن هناك أفق للمساعي الروسية والإيرانية الرامية إلى إجراء تطبيع جدي بين النظام الأردوغاني وسلطات دمشق، لأن السلطات في دمشق متيقنة من حجم الغدر التركي ولقد كرر الرئيس السوري كلاماً يدلل على انعدام الثقة في أكثر من مقابلة حين ذكر أنه لا يثق بهذا الرجل ويقصد أردوغان".

أهداف خبيثة جديدة

وعن أهداف الحديث عن المساعي لإعادة صياغة أضنة، أشار عيسى إلى أن: "سعي أنقرة المستميت لتعديل اتفاق أضنة إلى صيغة جديدة تخوّل قواتها الانتشار إلى أعماق جديدة في الأراضي السورية قد تصل إلى ثلاثين كيلو متراً هو التمكّن من إجراء تطهير عرقي يسمح لها بتهجير السكان الكرد السوريين من مناطق سكنهم وإحلال بديل عنهم من الموالين السوريين العرب أو التركمان ذوات النزعة الإسلامية كما حصل في عفرين ورأس العين وباقي المناطق، وهي بذلك تصيب أهدافاً عديدة بنفس الحجر وهي التخلص من وزر اللاجئين السوريين عبر تمكينهم في هذه المناطق، وبالتالي تحقق إنجازاً اقتصادياً كما أنها تحقق قضماً جديداً لمساحات جديدة من الأراضي السورية وتتريكها بالتدريج، الأمر الذي باتت تسعى إليه ويتطابق مع الميثاق الملي الذي لا يعترف بوجود دولة سورية أو عراقية من الأصل، والذي عملت الحكومات التركية المتعاقبة على تنفيذه".

وأوضح عيسى أن من الأهداف هو: "تحقيق خطوة مهمة في التخلص من تجربة الإدارة الذاتية، التي تبشر بالأمة الديمقراطية القائمة على مبدأ أخوة الشعوب الحرة، ثم تقويضها ولما ترمز إليه كناقوس خطر يهدد الكيان التركي الفاشي المأزوم والمبني على نكران حقائق التاريخ وتجاهل الواقع".

أين تكمن مصلحة سوريا الوطنية؟

وعن المطلوب من السوريين عامة بمن فيهم حكومة دمشق، قال عيسى: "لا شك في أن المصلحة الوطنية العليا للشعب السوري والدولة السورية تمر عبر القطع المطلق مع المحاولات الجارية من قبل الروس والإيرانيين لتمرير اتفاقات بين حكومة أردوغان وسلطات دمشق وليس هذا فقط، بل أن التحدي التركي المتزايد والتعديات اليومية على السيادة السورية تستدعي تصنيف الخطر التركي في خانة الخطر الصهيوني أو بما يتجاوز الصهيوني، وفي هذا السياق ذكر الأسد في كلمته أمام القمة العربية التي عقدت في جدة أن الأمر الذي لا يختلف حوله عاقلان مهتمان بمصلحة البلاد إن مصلحة السوريين تكمن في مكان آخر وبالنقيض من كل ما تطرحه القوى الخارجية النافذة في القرار السوري".

وأكد محمد عيسى أن: "الحل هو باتفاق السوريين مع بعضهم في النظام والمعارضة، وفي كل القوى الفاعلة على الأرض وعلى وجه الخصوص في مجلس سوريا الديمقراطية حول برنامج للوحدة الوطنية، تراعى فيه مصالح جميع الأطراف، وينطلق من أولوية مراعاة الدروس والعبر التي استخلصها السوريون من تجارب الماضي ونحو ما يحقق خلاصهم، وبما يوفر دولة العدل والحق والقانون ضمن صيغة عصرية من دولة واحدة لا مركزية مدنية علمانية وديمقراطية".

(أ ب)

ANHA