غرزات الأمل: نساء دير الزور يطرّزن مستقبلهن بخيوط الحرفة

بين إبرة تغرز في القماش، وسلة تُجدل بخيوط الإرادة، تكتب نساء دير الزور فصلاً جديداً في قصص النضال، حيث لا شيء مستحيلاً أمام العزيمة، ولا حلم بعيداً عن متناول اليد.

غرزات الأمل: نساء دير الزور يطرّزن مستقبلهن بخيوط الحرفة
غرزات الأمل: نساء دير الزور يطرّزن مستقبلهن بخيوط الحرفة
غرزات الأمل: نساء دير الزور يطرّزن مستقبلهن بخيوط الحرفة
غرزات الأمل: نساء دير الزور يطرّزن مستقبلهن بخيوط الحرفة
غرزات الأمل: نساء دير الزور يطرّزن مستقبلهن بخيوط الحرفة
غرزات الأمل: نساء دير الزور يطرّزن مستقبلهن بخيوط الحرفة
السبت 1 آذار, 2025   06:01
دير الزور
فاطمة العبد

في الصباح الباكر، حين تنفض الشمس غبار الليل عن البيوت الطينية في ريف دير الزور، تستيقظ النساء على وقع الحياة التي لا تنتظر أحداً. بين جدران متواضعة، وأحلام علقت طويلاً في زوايا النسيان، تبدأ مجموعة من النساء بغرز الإبر في الأقمشة الملونة، كأنهن يحُكن مصيراً جديداً بأيديهن. ليس مجرد قماش، بل لوحات تحكي قصصاً عن الصبر وقلوب تنبض رغم قسوة الأيام.

في تلك القرى، حيث كانت القيود تُفرض باسم التقاليد، خرجت هؤلاء النساء عن صمت طال أمده، واتخذن من صناعة حافظات الشاي اليدوية نافذة إلى الاستقلال. بأصابعهن المتعبة، يحكن أحلاماً جديدة، يتجاوزن من خلالها ما فرضه المجتمع من حرمان، ويؤكدن أن الإرادة لا تُهزم، مهما اشتدت القيود.

نساء ينسجن الأمل في خيوط القماش: حكايات التحدي وصناعة الحياة

في أقصى ريف دير الزور، حيث تتشابك الحقول الخضراء مع أزقة القرى الطينية، جلست هدية المحمد على بساطها المتواضع، تحيك بإبرتها خيوط الأمل في قطعة قماش مطرزة بألوان زاهية. كل غرزة في هذه الحافظة ليست مجرد زينة، بل هي قصة نضال شهدت على تحديها لقسوة الحياة وتمسكها بحلمٍ صغير ينمو مع كل قطعة جديدة تنهيها.

صناعة الحياة رغم العادات

لم يكن الطريق سهلاً لنساء ريف دير الزور. العادات والتقاليد، التي لطالما حرمت كثيرات منهن من التعليم والاستقلال الاقتصادي، وقفت في وجه أحلامهن، لكن هدية المحمد، وغيرها من النساء، قررن تغيير الواقع. اتخذن من صناعة حافظات الشاي اليدوية حرفة تدرّ عليهن دخلاً يكفي لسد احتياجاتهن الأساسية، ويمكّنهن من الوقوف بثبات أمام تحديات الحياة.

وتُعد حافظات الشاي من الأدوات التقليدية التي لا يخلو منها أي بيت، خاصة في فصل الشتاء، حيث تستخدم للحفاظ على حرارة أباريق الشاي والقهوة والحليب. وتصنع عادةً من سلال القش المجدولة يدوياً أو من الأقمشة المزينة بالتطريز. وتعتمد طريقة صناعتها على تغليف السلال بقماش مبطن ومزين بأنواع مختلفة من الدانتيل والزخارف، مع ترك فتحة مخصصة لوضع الإبريق بداخلها. تختلف التصميمات حسب الأذواق، فبعضها يحمل نقوشاً تراثية مستوحاة من الثقافة المحلية، فيما تختار بعض النساء التطريزات الحديثة ذات الألوان الزاهية لجذب الزبائن الأصغر سناً.

وتقول هدية التي تنحدر من مدينة هجين: "في ظل تدهور أوضاعي المعيشية ونظراً لمعرفتي العلمية المحدودة، لم أجد سوى هذه الحرفة اليدوية لتحسين ظروفي المعيشية والاقتصادية"، وتضيف: "خلال سنوات عملي، واجهتُ نظرات المجتمع وانتقاداته، لكنني لم أستسلم. فأنا أم مسؤولة عن أطفالي، وأرفض أن أكون عالة على أحد. اليوم، أشعر بالفخر لأنني امرأة تعتمد على ذاتها".

من الحرفة إلى التجارة

في قرية أبو الخاطر، كانت مروة المحمود تجمع قطع القماش ذات النقوش التراثية، وتقصها بعناية لتصنع حافظات الشاي الفريدة التي صارت معروفة بها في السوق المحلي. بدأت مروة رحلتها كمتدربة، تساعد صديقاتها في الحياكة، ثم تحولت إلى صانعة ماهرة تسوق منتجاتها بنفسها.

"لم أكن أتخيل أن هذه الحرفة البسيطة ستفتح لي أبواباً جديدة"، تقول مروة بابتسامة. "لم أكتفِ بصناعة حافظات الشاي، بل قررت أيضاً فتح بسطة صغيرة للملابس والإكسسوارات، حيث أجد في التجارة فرصة حقيقية لتطوير نفسي".

تحدثت مروة عن التغيير الذي لاحظته في نظرة المجتمع لعملها، حيث قالت: "في البداية، كان البعض ينتقد خروجنا إلى السوق وبيع منتجاتنا، لكن بمرور الوقت، بدؤوا يطلبون منا كميات أكبر. النساء اللواتي كن مترددات في البداية، صرن الآن مصدر دعم لبعضهن البعض، فكل واحدة منا تسهم في نجاح الأخرى".

رسالة للنساء: لا تستسلمن

لم تكن هذه التجربة مقتصرة على هدية ومروة فقط، فهناك أيضاً سهام التركي، التي حُرمت من التعليم في صغرها بسبب العادات السائدة، لكنها لم تستسلم للظروف. "وجدت نفسي عاجزة عن العمل في مجالات كثيرة بسبب عدم قدرتي على القراءة والكتابة، لكنني لم أسمح لذلك بأن يكون عائقاً. بدأت بصناعة حافظات الشاي وتسويقها، ثم حملتها على ظهري، وذهبت أطرق الأبواب لأعرضها على النساء".

وتضيف سهام: "واجهت صعوبات كثيرة، من الانتقادات إلى صعوبة التنقل والمنافسة، لكنني اليوم أشعر بالقوة. لم أعد بحاجة لأحد، فأنا أملك مهنتي الخاصة وأعيل نفسي بكرامة".

كسر القيود وبناء المستقبل

في زوايا الأسواق المحلية، وعلى الأرصفة، وفي البيوت الدافئة، تنتشر حافظات الشاي المطرزة بأيدي نساء تحدَّين الظروف، وصنعن لأنفسهن فرصة وسط عالم لم يكن منصفاً لهن. كل غرزة تحمل حكاية، وكل قطعة قماش تخفي خلفها حلماً تحقق بإرادة لا تلين.

تقول مروة، وهي تنهي حديثها بحماسة: "رسالتي لكل امرأة: لا تتوقفي عند أول عقبة، ولا تخضعي للعادات التي تحاول قمعك. نحن قادرات على بناء مستقبلنا بأيدينا، مهما كانت الظروف قاسية".

(ح)

ANHA