عام على اندلاع حرب غزة.. خسائر كبيرة واشتباك إقليمي معقد وحلول غير مناسبة

مع مرور عام على اندلاع الحرب في غزة، تسبب التصعيد في وقوع خسائر بشرية واقتصادية كبيرة، كما توسع ليشمل دولاً أخرى مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن، تحت تأثير محاولة قوى إقليمية لاستثمار الحرب لخدمة مصالحها، مثل إيران وتركيا والإخوان المسلمين. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال الحلول المقترحة بعيدة عن متطلبات إنهاء هذا الصراع.

عام على اندلاع حرب غزة.. خسائر كبيرة واشتباك إقليمي معقد وحلول غير مناسبة
الإثنين 7 تشرين الأول, 2024   07:00
مركز الأخبار
يحيى الحبيب

يصادف اليوم الاثنين 7 تشرين الأول 2024 الذكرى السنوية الأولى لاندلاع الحرب في غزة بين إسرائيل وحركة حماس، إثر ما يُعرف بهجوم "طوفان الأقصى" في عام 2023. وقد خلفت هذه الحرب المدمرة بين الطرفين الآلاف من الضحايا المدنيين وتسببت في تهجير آلاف آخرين.

تصعيد متسارع

اندلعت شرارة الحرب إثر هجوم مباغت شنته حركة حماس على مستوطنات ومواقع إسرائيلية محاذية لقطاع غزة في 7 تشرين الأول 2023، ما دفع تل أبيب لإطلاق عمليات عسكرية على القطاع، وعلى الرغم من أن المستهدف هو حركة حماس إلا أن الأهالي والمدنيين في هذه المنطقة كانوا ضحية هذا الصراع والتصعيد الدامي.

وشنت حركة حماس هجوماً مزدوجاً شمل إطلاق نحو 5 آلاف صاروخ، وتسلل مسلحين إلى مستوطنات ومواقع عسكرية إسرائيلية محاذية للقطاع تبعه تسلل لعناصر، حيث أعلن محمد الضيف، القائد العام لكتائب "القسام"، بدء "طوفان الأقصى" رداً على "الاعتداءات الإسرائيلية" في الضفة الغربية والمسجد الأقصى، والذي أسفر بمجمله عن مقتل 1200 إسرائيلي وإصابة 5431، كما أسرت حماس عدداً من الإسرائيليين، وتقدر تل أبيب وجود 101 أسير في غزة من أصل 239 إسرائيلياً على الأقل تم أسرهم في 7 تشرين الأول.

وردّ الجيش الإسرائيلي بغارات أولية في عملية أطلق عليها اسم "السيوف الحديدية"، فيما قال نتنياهو إن إسرائيل في "حالة حرب"، تزامناً مع تشديد الحصار المفروض منذ منتصف 2006 بإغلاق كل المعابر والحدود.

وانتقلت إسرائيل إلى مرحلة العمل البري في 27 تشرين الأول وذلك في محافظة الشمال وامتدادها لغزة ومحافظات الوسطى والجنوب بهدف إطلاق سراح الأسرى والقضاء على قوة حماس العسكرية، وفي 3 كانون الأول بدأ الجيش الإسرائيلي عملية برية شمال مدينة خان يونس (جنوب) بزعم وجود مقر قيادة حماس في المدينة، فيما انسحب منها في 7 نيسان 2024.

وبتاريخ 3 كانون الثاني 2024 اغتالت إسرائيل صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحماس بقصف استهدف مقراً للحركة في العاصمة اللبنانية بيروت، وفي 8 آذار أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن إصدار تعليماته للجيش الأميركي بإنشاء ميناء مؤقت (رصيف بحري) قرب ساحل غزة، لإدخال مساعدات إنسانية لمحافظتي غزة والشمال تحت رقابة إسرائيلية إلا أن ذلك لم يتم تنفيذه.

وفي 25 آذار تبنى مجلس الأمن الدولي، قراراً بوقف فوري لإطلاق النار في غزة خلال شهر رمضان، لكن لم يتم الالتزام به وسط اتهامات متبادلة بين الطرفين.

وفي 6 أيار، أعلن الجيش الإسرائيلي بدء عملية عسكرية في رفح حيث سيطر في اليوم التالي على معبر رفح الحدودي مع مصر، وفي 29 من الشهر ذاته أعلن الجيش الإسرائيلي السيطرة العملياتية (بالنار) على محور فيلادلفيا الحدودي بين قطاع غزة ومصر، بينما سيطر عليه عسكرياً بوجود آلياته في 7 حزيران.

وفي 10 حزيران تبنّى مجلس الأمن الدولي مشروع قرار برقم 2735 يدعم مقترح الرئيس بايدن لوقف النار بغزة، والذي أعلنه في 31 أيار.

وفي 31 تموز اغتالت إسرائيل رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية، بقصف صاروخي استهدف مقر إقامته في طهران، غداة مشاركته في حفل تنصيب الرئيس الإيراني الجديد مسعود بزشكيان، لتعلن حماس بتاريخ 6 آب اختيار يحيى السنوار بديلاً لإسماعيل هنية.

وفي 16 آب قدمت الولايات المتحدة مقترحاً جديداً لتقليص الفجوات بين إسرائيل وحماس، وقال بيان مشترك بين مصر وقطر والولايات المتحدة إنه "يتوافق مع المبادئ التي طرحها بايدن في 31 أيار"، لكن حماس قالت إنه لا يتضمن الالتزام بما اتُّفِق عليه في 2 تموز.

تمدد الحرب إلى دول أخرى.. تشابك إقليمي معقد بين التحالفات السياسية والدينية

مع الأسابيع والأشهر الأولى من اندلاع الحرب في غزة تزايدت التحذيرات الإقليمية والدولية من خطورة تمدد الحرب في غزة إلى دول أخرى وذلك نتيجة لاستغلال دول وجهات إقليمية لهذه الحرب بهدف استخدامها في الصراع القائم في الشرق الأوسط منذ أعوام.

ومن هذه الجهات إيران التي تدعم ما يسمى "محور المقاومة" بالإضافة إلى تركيا والإخوان المسلمين الذين استخدموا هذه الحرب بهدف العودة إلى المشهد السياسي في المنطقة بعد فشل مشاريعهم خلال السنوات الماضية، وعملوا على زيادة مستوى الكراهية والعنصرية من خلال التحريض.

فمن جهة، تدعم إيران وأذرعها في المنطقة حركة حماس، وذلك في إطار تعاونهم ضمن ما يسمى "محور المقاومة" والذي يروج لوحدة الساحات وجبهات الإسناد، ومع الضربات التي تلقتها حركة حماس دخل حزب الله اللبناني على خط التصعيد وفي 8 تشرين الأول 2023 أطلق "حزب الله" صواريخ باتجاه مناطق شمال إسرائيل، فيما رد الجيش بقصف جنوب لبنان، وما زالت الهجمات المتبادلة مستمرة، حيث يرهن الحزب وقف القصف بإنهاء الحرب في غزة، وقد شكل حزب الله "جبهة إسناد" لحركة حماس.

 ونتيجة للضغط العسكري الذي مارسه حزب الله على إسرائيل من خلال تحشيد القوات على حدودها، صعّدت الأخيرة من عملياتها ضد الحزب، وصولاً إلى تنفيذ غارات يومية وبشكل شبه مستمر على قادة الحزب وقواته، وسط تقارير تشير إلى تمكن إسرائيل من اغتيال قادة بارزين وعدد كبير من عناصر حزب الله، وصولاً إلى اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله، وهذا ما أوجد محطة مهمة في التصعيد بين الطرفين.

جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن أيضاً دخلوا على خط التصعيد، وذلك كجبهة إسناد ثانية لحزب الله وفي 19 تشرين الأول 2023 أطلقت الجماعة صواريخ وطائرات مسيّرة من اليمن وتم اعتراضها، فيما أكدت لاحقاً استمرار هجماتها حتى وقف الحرب في غزة، لتوسع إسرائيل مؤخراً مساحة عملياتها الجوية إلى اليمن.

خسائر كبيرة

أسفر الهجوم الأول الذي شنته حركة حماس على المستوطنات والأراضي الإسرائيلية خلال عملية "طوفان الأقصى" عن مقتل 1205 أشخاص، معظمهم من المدنيين، وفقاً لتعداد يستند إلى أرقام إسرائيلية رسمية، وردّت إسرائيل بحملة قصف مدمّر وهجوم برّي على قطاع غزة، ما أسفر عن سقوط أكثر من 41,800 قتيل على الأقل، معظمهم من المدنيين، وفق أرقام وزارة الصحة في غزة.

وفي آب، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل 17 ألف مقاتل فلسطيني في القطاع.

وتحوّلت أكثر من 200 مدرسة غالبيتها تابعة لوكالة الأونروا، إلى ملاجئ لمئات آلاف النازحين، ولم تعد هناك مراكز للرعاية الصحية، ودمّر الجيش الإسرائيلي كلياً أو بشكل كبير نحو 450 ألف منزل ومنشأة من بينها مستشفيات ومدارس ودور عبادة، وأكثر من 80% من البنية التحتية في القطاع، بحسب مكتب الإعلام الحكومي في غزة، وتسببت الضربات الإسرائيلية بتحويل مناطق واسعة في القطاع إلى أكوام من الركام، وفق ما ورد في تقارير منظمات تابعة للأمم المتحدة.

مع بداية تموز 2024 قدرت الأمم المتحدة الركام الذي خلفه تدمير البنى في غزة بأكثر من 40 مليون طن.

كما أن تمدد هذا الصراع إلى لبنان تسبب بأزمة إنسانية تعرض لها اللبنانيون بالإضافة إلى انعكاس ذلك على اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان.

ومن منطلق إنساني، حملت ممثلية الإدارة الذاتية الديمقراطية في لبنان، على عاتقها إعادة السوريين إلى الإقليم من الراغبين بالعودة، إذ شكّلت في 24 أيلول، لجنة لمتابعة شؤون اللاجئين السوريين، ووفقاً لما ذكرت الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، عبر خلية الأزمة المختصة بشؤون القادمين من لبنان، بتاريخ 6 أكتوبر الجاري (الأحد) أنّ العدد الكُلّي للواصلين إلى الإقليم من لبنان، بلغ 17558 شخصاً.

سوريا.. ساحة متوقعة للتصعيد بين إسرائيل وأذرع إيران

على الرغم من دخول إيران نوعاً ما على خط التصعيد، حيث تبادلت إيران وإسرائيل في نيسان الماضي القصف المتبادل وأعقبه شن إيران قبل أيام هجمات صاروخية على الأراضي الإسرائيلية انتقاماً لمقتل أمين عام حزب الله حسن نصر وإسماعيل هنية وضابط إيراني كبير في لبنان، وسط انتظار الرد الإسرائيلي المزمع على إيران، إلا أنه وفي حال لم يتم التوصل إلى تهدئة فإن سوريا من الممكن أن تكون ساحة رئيسة للتصعيد وذلك انطلاقاً من أن أذرع إيران في العراق وسورية تحاولان تشكيل جبهة إسناد قوية لحزب الله من خلال حشد القوات في سورية، وذلك على مقربة من الحدود مع إسرائيل ولبنان وبالتالي فإن ذلك يمكن أن يدفع إسرائيل لشن عمليات عسكرية جوية تستهدف مواقع وقوات في الأراضي السورية، وخاصة أن إسرائيل تنظر إلى أن أطراف داخل حكومة دمشق تتعاون مع القوات الإيرانية.

وبالتالي فإن التصعيد في سوريا يمكن أن يعيد الأزمة السورية إلى مربعها الأول، وخاصة إذا ما صعدت إسرائيل بدعم غربي من عملياتها ضد القوات الإيرانية وهذا ما سيشكل اختبار كبير لحكومة دمشق فإما أن تبقى على الحياد وعدم الانجرار بشكل مباشر في هذا التصعيد وإما أن تنخرط في هذا التصعيد، وبالتالي ستكون عرضة للهجمات الإسرائيلية وهذا يمكن أن يغير الواقع السياسي والعسكري في البلاد.

التصعيد مستمر والحلول غائبة

تثبت الحرب في غزة وجنوب لبنان، ووصولها إلى هذه المرحلة الخطيرة والمؤثرة على جميع دول العالم، من خلال ما تسببت به من ارتفاع للخطاب الطائفي والديني المتطرف، أهمية التقييمات التي تحدث عنها القائد عبد الله أوجلان منذ البداية حول هذا الصراع، حيث عدَّ في مرافعته المعنونة بمانيفستو الحضارة الديمقراطية "المجلد الخامس" أن أحد مصادر أزمة الشرق الأوسط، هو تشييد الدول القومية العربية وإسرائيل بشكل متزامن.

ويكمن حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني في منظور الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب القائم على قبول الآخر والتعددية والتعايش المشترك بين المكونات والأديان والقوميات والطوائف المتعددة، لكن الأنظمة الرأسمالية والأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط تعمل على تغذية النزاعات القومية والدينية والطائفية بين شعوب المنطقة لفرض الهيمنة والنفوذ.

ويؤكد القائد عبد الله أوجلان، أنه لو لم تفتعل هذه الاشتباكات والصراعات، لكان هناك وطن عربي نظير لعشرة أمثال اليابان من حيث وارداته النفطية فقط، وأشار أيضاً إلى أن أهم نتيجة نستخلصها من هذا التشخيص، هي أن منهجية الدولة القومية في الشرق الأوسط ليست منبع حل للقضايا الوطنية والاجتماعية الأساسية حسبما يشير، بل إنها منبع تصعيد وتجذير وتفاقم وعقم هذه القضايا، وأن الدولة القومية باتت وسيلة لتأجيج النزاعات بين مجتمعاتها أيضاً إلى أن تخور قواها.

(أ ب)