خضر الكنج.. العزف على الناي في حضرة الأغنام وحب الطبيعة

في قلب البادية، حيث تلتقي رياح الصباح بنسمات الأمل، يسير خضر الكنج مع أغنامه في رحاب الأرض الواسعة. لا شيء يرافقه في تلك الرحلة الطويلة سوى قلبه المفتوح للطبيعة، وصوت الناي الذي يخرجه من بين شفتيه لينقله إلى عالم آخر.

خضر الكنج.. العزف على الناي في حضرة الأغنام وحب الطبيعة
الإثنين 24 شباط, 2025   06:05
الحسكة
علي سلطان

في قلب ريف مدينة الهول في مقاطعة الجزيرة، التي تمتاز بمساحاتها الواسعة، كان خضر الكنج يقطع المسافات الواسعة من السهول وهو يرعى أغنامه، تلك الأغنام التي كانت أكثر من مجرد قطعان حيوانات، بل كانت مرافقه الصامت في تلك الوحدة التي يختارها طوعاً. ولكن ما يجعل من خضر شاباً غير عادي ليس فقط عمله في رعي الأغنام، بل تلك الرفيقة العجيبة التي يطبع أنامله على جسدها في كل لحظة، وهي "الناي".

الناي، تلك الآلة الموسيقية التي تخترق صمت الطبيعة بصوتها الشجي، كانت بالنسبة له أكثر من مجرد آلة. هي شريكته في كل لحظة هدوء، وهي صوته الذي لا يسمعه سواه، هي صوت الرياح في السهول الممتدة على مرمى النظر. اختارها خضر ليقضي بها أوقاته في عزلة العمل، فبينما كان يرعى الأغنام في المراعي الممتدة، كانت نغمات الناي تطلق عبيرها في الهواء، متحدثة عن هدوء الروح ورفيقته الطبيعية.

"منذ كنت صغيراً"، يقول خضر، "كنت أرى في الناي أكثر من مجرد آلة موسيقية. كان خرطوم البلاستيك أول شيء جربت العزف عليه، ثم بدأت أتعلم على قصبة مجوفة. كنت أرى في ذلك سراً لا يفهمه غيري، ربما لأنه كان يرافقني في اللحظات التي لا يوجد فيها أحد. كانت الناي، في تلك الأوقات، أكثر من مجرد أنغام، كانت هي مرآتي التي أرى فيها روحي".

بدأت أولى محاولاته وهو في عمر 11 عاماً، كان يتبع خطوات أجداده الذين كانوا قد تعلموا العزف على الناي وأتقنوا لحنها كما يتنفسون الهواء.

ورغم قلة الأدوات المتاحة له، فإنه استطاع أن يطور مهاراته بشكل مذهل ليعزف على الناي ببراعة كبيرة، ويقدم نغمات تجعل الزهور تنمو بين آذان من يستمع إليها.

لا يتوقف الأمر هنا، فهو لا يعزف فقط، بل يغني أيضاً، وتلك الأغاني التي تعكس سحر الريف وهدوءه لا تقتصر على الكلمات فقط، بل تنبض بها روحه المنسجمة مع الحياة التي اختار أن يعيشها.

كان خضر لا يكتفي بموسيقى الناي، بل كان يعزف ليعلم أصدقاءه وأبناء قريته تلك المعزوفات التي تنبع من قلبه، والتي كانت تحكي قصص الطبيعة والحياة البسيطة التي لا تنتهي. وفي كل مساء، وبعد أن ينتهي من عمله، كان يتجمع حوله أصدقاؤه في دائرة صغيرة، يستمعون إلى أنغام الناي وغنائه، يمزجون الفرح بالصوت والعزف، ويشعرون بأنهم جزء من تلك اللوحة الطبيعية التي يرسمها على أرضه.

ومع ذلك، لم يكن خضر فقط فناناً يعزف على الناي ويغني للحياة، بل هو أيضاً مربي للمواشي والأبقار، يعشق العمل في الأرض ورعاية الحيوان. تربية المواشي ليست مجرد مهنة بالنسبة له، بل هي حياة يتناغم فيها مع الطبيعة بكل تفاصيلها. وكل لحظة يقضيها في رعاية الأغنام والأبقار هي لحظة يتجسد فيها التواصل العميق بين الإنسان والمخلوقات، وبين الإنسان والأرض التي يرويها بدماء حلمه.

الناي، بالنسبة له، هي أكثر من مجرد آلة موسيقية، هي وصلة عاطفية بينه وبين الأرض، بينه وبين الطبيعة، وبينه وبين الأجيال التي سبقته. يراها ميراثاً ثقافياً توارثه عن أجداده، وقد أصبحت اليوم جزءاً من هويته الخاصة. هي ليست فقط قطعة خشب مجوفة، بل هي روح تتنفس من قلبه وتترجم حياته بكل تفاصيلها.

وفي حياته البسيطة تلك، ما يزال خضر الكنج يعيش كما لو أنه جزء لا يتجزأ من الطبيعة، يعزف على الناي كما تعزف الرياح على أوراق الشجر، ويرتبط بالحيوانات كما يرتبط الإنسان بعالمه الداخلي. ربما لهذا السبب أصبح محطّ إعجاب كل من حوله، فهو لا يعزف فقط للآخرين، بل يعزف للروح، وللطبيعة، وللزمان الذي لا يكتمل إلا بنغمات الناي.

(ح)

ANHA