استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم

تعيد التراجيديا الكردية إنتاج نفسها باستشهاد القامة المسرحية الفذّة، الفنان المسرحي الكردستاني "بافي طيار"، الذي سعى لنقل البؤس والمأساة الكردية على مسرح الحياة بطريقته الخاصة. أصبح أيقونة ومدرسة للفن الكردي، يصعب نسيانها.

استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
استشهاد المسرحي الكردستاني "بافي طيار" جريمة تراجيدية ممهورة بالدم
الخميس 27 شباط, 2025   05:10
قامشلو
أحمد سمير

رسم جمعة خليل المسرحي الكردستاني الملقب بـ "بافي طيار"، ذو الشهرة الواسعة في كردستان، البسمة على وجوه الكرد طيلة العقود الماضية. اختار اللغة الكوميدية وخاطب المجتمع الكردي بروح الدعابة والمرح ليخرجه من البؤس الذي يعيشه.

نشأته ومسيرته الفنية

نشأ "بافي طيار" في منزل طيني، وهو من مواليد العنترية عام 1961، من عائلة وطنية دافعت عن القضية الكردية. تزوج وأنجب ست بنات وولدين.

هو شقيق الشهيد عباس إبراهيم، وأب المقاتلة في صفوف حركة حرية كردستان (أجار) المعتقلة لدى دولة الاحتلال التركي.

دفعه الفقر المدقع الذي عانت منه عائلته إلى ترك مقاعد الدراسة في المرحلة الابتدائية، ليتجه إلى دمشق ومن ثم ليبيا للعمل.

بدأ مسيرته الفنية عام 1987 مع فرقة بوطان، حيث بدأ بتصوير أولى مشاهده التمثيلية التي طغى عليها الطابع الكوميدي الشعبي، مستمداً من التركيبة الثقافية والحياة اليومية للكرد في سوريا. خاطب مشاعرهم وأحاسيسهم وتراثهم وأزيائهم وقضاياهم الاجتماعية وهواجسهم السياسية.

تعرض "بافي طيار" للملاحقة والمضايقة الأمنية من قبل أذرع النظام الأمنية لنظام الأسد، وللإهانة والتعذيب، لكنه لم ينحرف عن دربه الكوميدي الشعبي.

البؤس والمآسي كانتا ملازمتين للمجتمع الكردي نتيجة استبداد الأذرع الأمنية للنظام البعثي البائد، الذي قمع كل ما يتعلق بالهوية الكردية. عانى الكرد في سوريا من تمييز وتهميش ثقافي وسياسي، مما ضيق الخناق عليهم ومنعهم من ممارسة أي نشاط يخدم الثقافة الكردية، وحظر حرية التعبير الثقافي والتراثي الكردي.

أنتج عملاق الكوميديا الكردي "بافي طيار" خلال مسيرته الفنية أكثر من 50 مادة مصورة، تشمل أفلاماً ومشاهد ومقاطع فيديو، في غرب وجنوب وشمال كردستان. أسس فرقة "بافي طيار" عام 2001، المتخصصة في المسرح والموسيقى والأفلام الكردية.

قدم "بافي طيار" فنوناً كوميدية اجتماعية فكاهية مرحة، ركزت على إبراز القضايا الاجتماعية والسياسية للشعب الكردي ونقدها، مما أكسبه شهرة واسعة.

مع انطلاق ثورة 19 تموز، حمل على عاتقه تأمين الأمن والاستقرار للمنطقة. شكّل في منزله أولى مجموعات (الآسايش)، التي تعرف اليوم بقوى الأمن الداخلي.

ناضل من عام 2011 إلى عام 2017 في قوى الأمن الداخلي، ثم انضم إلى فرقة سردم التابعة لقوى الحماية والدفاع الذاتي عام 2017 حتى استشهاده في كانون الثاني عام 2025.

الكوميديا والتراجيديا الكردية

في عام 1997، تعرفت بيريفان أوسو، الممثلة المسرحية التي تعمل في فرقة الشهيد أوصمان ـ بافي طيار، على بافي طيار. كانت مشاركة المرأة ضئيلة في التمثيل، مما شكل لديها مصدر إلهام ودافع قوي للانضمام إلى الفرقة.

شاركت بيريفان في أول مشهد مسرحي حمل اسم "نيركز" في عيد النوروز مع بافي طيار. تقول بيريفان: "نقل المشهد جريمة أنفال حلبجة، وسرعان ما أعطى صدى ذاك المشهد وانتشر كالنار في الهشيم. قدم بافي طيار أداءً رائعاً بطابعه الكوميدي، وأجهش الجميع بالبكاء. كان ذاك المشهد تراجيديا كردية".

تحدثت بيريفان عن خصال بافي طيار، قائلة: "هو صديق لأصدقائه، يمتلك كاريزما كوميدية مرحة. أضحكنا طيلة عقود، متواضع لن يأتي الزمان بصديق مثله. غيابه اليوم عن الفرقة قص أجنحتها".

مضايقات وملاحقات أمنية والعمل سراً

وسردت بيريفان الملاحقات والمضايقات التي تعرضوا لها من قبل النظام البعثي، وبينت: "كنا نقدم مشاهدنا المسرحية والفنية سراً. في أعياد النوروز، كنا نخفي ملابس بافي طيار بين حقائب الأمهات خوفاً من اعتقاله. وليتوارى عن الأعين، كان يخبئ نفسه بين جموع الأهالي لإبعاده عن شبح الاعتقال".

وأوضحت بيريفان أنه بعد انتهاء أعياد النوروز، كان النظام يرسل الدوريات الأمنية إلى منزله لملاحقته والتحقيق معه. رغم الضغوطات الكبيرة التي كان يتعرض لها، لم يترك عمله.

وكانت فرقة بافي طيار تتلقى تدريباتها بشكل سري في بيوت الوطنيين، خوفاً من عملاء يرسلون معلومات إلى الأفرع الأمنية.

إنتاجاته أحدثت ضجة كبيرة بين المجتمع الكردي

تقول بيريفان إن "بافي طيار" لعب دوراً كبيراً في إغناء وإثراء الثقافة والفن الكردي. صنع الأفلام بطريقة كوميدية وخاطب المجتمع بهذه الطريقة التي أحبها.

تشير بيريفان إلى أن الفيلم الذي حمل اسمmêrê du jina" " أحدث ضجة كبيرة بين المجتمع. فالمشكلات الاجتماعية كانت بحاجة إلى مثل هذه الفنون الكوميدية للتنويه لتلك المشكلات، والألم الذي يعيشه هذا المجتمع كان بحاجة إلى ابتسامة تخرجه من بؤسه وفي الوقت نفسه، الإشارة إلى ما أصاب المجتمع من مرض.

وقالت: "لعب بافي طيار دوراً في السينما. آخر فيلم مثل فيه يحمل اسم 'على خطى طيارو'، يتم وضع اللمسات الأخيرة عليه. كان بافي طيار يتمنى أن يتم مشاركة هذا الفيلم في المهرجانات العالمية وحصد أكبر الجوائز. الفيلم يسلط الضوء على ثورة المرأة في روج آفا".

لن نسمح للكوميديا أن تتحول إلى نحيب

عمر حسن، أو "طيارو" كما هو معروف في الساحة الفنية، ممثل مسرحي وسينمائي كوميدي تراجيدي. هو الروح الخفية "لبافي طيار"، فمن دونه لا تكتمل المشاهد الكوميدية المرحة.

بدأ مسيرته الفنية في الفرقة عام 1995. يقول عن بافي طيار: "كان أباً وأخاً وصديقاً لي".

ومثل طيارو في معظم الأفلام والمشاهد التي صنعتها الفرقة ولعب دوراً فيها، كما شارك كشخصية خيالية في آخر فيلم "على خطى طيارو".

يقول طيارو: "لقد سرق النظام التركي وأعوانه ضحكة والدي التي كان ينقلها إلى مجتمعنا. سنسير على خطا والدي حتى آخر قطرة دم في جسدنا. لن نسمح لتلك الكوميديا أن تتحول إلى حزن ونحيب".

يطرح الآلام التي يعاني منها المجتمع بطريقة كوميدية هادفة

عيسى أوسو، ممثل في فرقة بافي طيار منذ عام 2008، شارك لأول مرة كممثل في الفرقة عند صناعة فيلم "فتوى بافي طيار".

يقول أوسو عن "بافي طيار": "لقد كان قامة من قامات المسرح الكردي. طور إنتاجات جميلة بعثت البهجة في قلوب الجميع. هذا الإنتاج الكوميدي فتح طريقاً له في قلب المجتمع الكردي وأثر على الأجزاء الأخرى من كردستان. كشف الآلام والأوجاع التي يعاني منها المجتمع، وطرحها في إنتاجاته وإيجاد الحلول الشافية لها".

وأوضح أوسو أن الشعب الكردي كان يعاني من مشكلات اجتماعية مثل تعدد الزوجات وتربية الأطفال. مشيراً إلى أنه بالعودة إلى الإنتاجات السابقة التي صنعها "بافي طيار"، ستجد أنه استعرض كل هذه المشكلات بطريقة كوميدية هادفة. والهدف من طرح هذه المشكلات ليس إدخال البهجة في النفوس فقط، بل إيجاد الحل لها.

وغيّر بافي طيار اسم فرقته إلى فرقة الشهيد أوصمان بافي طيار. يقول أوسو بعد استشهاد شقيقه أوصمان أوسو في 19 تشرين الأول 2013، والذي كان يعمل كممثل في الفرقة، وللوفاء لتضحياته، غيّر اسم الفرقة.

يمتلك صفات والدتي وخصائصها

يقول عبد خلو، شقيق بافي طيار، إن شقيقه كان يمتلك صفات والدته وخصائصها "والدتي كانت مرحة، تحول النحيب إلى البهجة تحت خيم العزاء. وبافي طيار امتلك هذه الصفات التي تمتلكها والدتي".

لن أملك منزلاً ما لم تُبنَ كردستان

تزوجت كلستان يوسف وبافي طيار قبل 45 عاماً. ملكة أسراره تذكر أن شريكها في الحياة لم يولِ أي أهمية للمنزل بقدر ما يوليه لشعبه ولأصدقائه وعمله، وأنها كانت تتعجب من شخصيته.

وتابعت: "انزعجت مراراً من أحاديث الأقرباء الذين يقولون لا تمتلكون منزلاً. بافي طيار كان يقول: لن أملك كل هذه الأشياء ما لم نبنِ كردستان".

يبيع إنتاجاته ويرسلها لدعم مقاتلي الحرية

توضح كلستان أن الأفلام التي صنعها بافي طيار كان يقوم بجمع إيراداتها كمساعدات لمقاتلي حركة حرية كردستان.

وتقول كلستان بحسرة: "عشنا فقراء. أحياناً كنا لا نملك النقود لشراء وإعداد الطعام. وهو كان يقوم بإرسال الأموال إلى المقاتلين في الجبال لشراء الرصاص والغذاء كي لا يتضوروا جوعاً".

وتشير كلستان إلى أن رفيقها في الحياة كان يعتبر كردستان كابن عزيز على قلبه، وهو جدير بها وبشعبها. أحياناً أقول له: "لا نملك المال لشراء الأدوية وأنا مريضة السكري. تعمل لسنوات طويلة في هذا العمل ولا نملك حق الأدوية. هذا يدل على نقاوة هذا الإنسان، يفدي بقلبه وفؤاده لأرضه وشعبه".

اعتقاله وتعذيبه وإهانته من قبل الأفرع الأمنية

وبينت كلستان أن زوجها تعرض لأكثر من مرة لتعذيب نفسي وجسدي على أيدي أذرع النظام البعثي. وقالت: "أدرك النظام أنه قام بصناعة فيلم، فأرسلوا دورية إلى المنزل ودعوه لمراجعة أفرعهم الأمنية. في المرة الأولى قاموا بتوبيخه ووجهوا له كلمات قاسية، كانت كالصاعقة وأقسى من أن يضربوه. جاء إلى المنزل وقال: ليتهم قاموا بتعذيبي ولم يوجهوا هذه الكلمات غير اللائقة لي".

تابعت: "بعد فترة أرسلوا دورية أخرى وطلبوا منه مراجعة الفرع. كان مزعوجاً للغاية عند عودته من هناك. قلت له: ماذا فعلوا لك؟ لماذا أنت مزعوج؟ قال لي: وضعوا رأسي بالأرض وداسوا عليه. لقد رأيت آثار جروح على رأسه. تألمت للغاية. هم قاموا بصناعة فيلم باللغة الكردية، كنت أعتبر أنه أمر عادي، لم أكن أعلم أن النظام يحظر اللغة والأزياء الكردية".

تقول كلستان: "في الفترة الأخيرة تأزم الوضع في المنطقة. كان مكلوماً برحيل أصدقائه شهداء في الحرب. قبل أيام من استشهاده كنا في مزار الشهداء. اعتلى هو المنصة ليتحدث باسم العائلة بعد استشهاد ابن عمه. كان الشيب قد اعتلى ذقنه. قلت له: لا يليق بك، احلقها. قال لي: لن أقوم بحلاقتها والمنطقة في حالة حرب ورفاقي يستشهدون في الأيام القريبة. عندما يقومون بالإعلان عن كردستان، سأقوم بحلاقتها".

بعد ذهابه إلى سد تشرين وقبل استشهاده، تحدثنا معه وسألنا عن حاله. قال: "ليس المهم الأكل، المهم أن يعود المقاتلون منتصرين إلى أهلهم". ثم شاهدنا مشاهد القصف وهو جريح. لقد انزعجنا على الجميع.

قدم بافي طيار الرواية الأخيرة للفيلم، حيث لا شيء في قصة هذا الفيلم يشبه الأبطال الذين نقرأ عنهم ونشاهدهم في الأفلام والروايات، لأنه كان بطلاً حقيقياً ولم ينتظر أحداً أن يكتب عنه. لقد كتب هو عن نفسه، لا بالحبر بل بالدم.

استشهاد المسرحي الكردستاني جمعة خليل الملقب بـ "بافي طيار" على جسم سد تشرين بتاريخ الـ 18 من كانون الثاني العام الجاري، واستهدافه عمداً يعيد إنتاج التراجيديا الكردية الممزوجة بالعنف والملاحقات والمضايقات الأمنية، بالتعذيب والقتل.

فالكرد لم يسلموا من القهر التراجيدي طيلة الـ 100 عام الأخيرة، فهذه التراجيديا لن تتركهم لمصيرهم حتى أشهر شخصياتهم طلباً للكوميديا وجلباً للمرح.

بافي طيار الذي كان يتحدى خطاب البعث السياسي الثقافي القسري للشعب الكردي، استشهد على يد عدو لدود للشعب الكردي، دولة الاحتلال التركي، التي لا تنفك تقتل الكرد وترهن كوميديتهم.

بافي طيار، الذي أضحك الكرد لعقود، حوّل برحيله بهذا الشكل أعمال الكوميديا التي قدمها بكل أخلاق وإتقان، إلى حالة من الفخر والاعتزاز لدى عائلته والكرد.

(ك و)

ANHA