سميح شقير: أسباب انتماء الكرد للتغيير الديمقراطي أسبابٌ راسخة يمكن البناء عليها

Interview with سميح شقير

أكد الشاعر والمؤلف الموسيقي الفنان السوري سميح شقير، على ضرورة النظر إلى واقع الكرد السوريين كجزء من القضية السورية، وقال إن أسباب انتمائهم للتغيير الديمقراطي أسبابٌ راسخة يمكن البناء عليها.

وأكد الفنان السوري سميح شقير الذي ولد في الجولان السوري المحتل عام 1957، والذي اشتهر بأغانيه الوطنية السياسية الثورية، في حوار خاص مع وكالتنا، إن انتهاج حكومة دمشق للخيار الأمني ووضع الجيش بمواجهة الحراك الشعبي تسبب بتصاعد العنف وغرق الشارع بالدماء.

ولفت إلى التدخل القطري والتركي وشخصيات سعودية داعمة لإنشاء فصائل مسلحة بأسماء تعلن عن هوية دينية محددة ثم إنهاء الجيش الحر عملياً وقتل قادته الوطنيين والثوريين الحقيقيين، جعل من المفهوم أن هناك توجهاً لتحويل الصراع من صراع شعب مقهور ضد سلطة مستبدة إلى إثارة للمشاعر الدينية واستنهاضها بهدف الإمساك بالسلطة تحت ستار الدين ووعد بدولة الخلافة أو ما يشبه ذلك مع التصريح بعداء الديمقراطية ودولة المواطَنة.

ونص الحوار كالتالي:

*مضت 10 أعوام على انطلاق الثورة السورية، اليوم بعد هذه الأعوام كيف تقيِّم الواقع المُعاش، وكيف تقيّم ما وصل إليه حال الشعب السوري؟

لا شك إننا كسوريين نجد أنفسنا وحيثما وجدنا في داخل البلد أم خارجه وتحت سيطرة أي من القوى المتصارعة، في وضع لا نُحسد عليه، ولكن ربط الوصول إلى هذا الوضع المزري باندلاع الثورة ليس صائباً برأيي، لأني أراها ثورة مُستَحَقّة بعد سنين طويلة من القهر والإقصاء السياسي الذي مارسته السلطة، وأرى أن سبب ما وصلنا إليه هو الطريقة العنيفة التي قررها النظام بمواجهة حراك سلمي عارم يطالب بإسقاط الاستبداد عندما رفع شعار الحرية والكرامة.

*كما تعلم هناك أطراف كثيرة متدخلة الآن في الشأن السوري، بين إقليمية ودولية، ما الذي دفع لذلك؟

سأضطر للشرح لأن سؤالك حساس. بشكل رئيسي، الخيار الأمني للنظام كان السبب الأساس ثم أن وضع الجيش بمواجهة الحراك الشعبي تسبب بتصاعد العنف وغرق الشارع بالدماء، وإذا كنا نتفهم انشقاق عناصر من الجيش لرفضهم المشاركة بالقتل ومن ثم محاولتهم حماية التظاهرات في بدايات الثورة فإننا كثوار سلميين رفضنا دائماً الاحتكام للسلاح ورأينا كيف توسعت سريعاً دائرة المتدخلين لمؤازرة النظام من قوات إيرانية وقناصين وميليشيات عراقية ولبنانية متعددة تابعة لها ومن الجهة الأُخرى رأينا التدخل القطري والتركي وشخصيات سعودية داعمة لإنشاء الفصائل المسلحة بالأسماء التي أُطلقت عليها، والتي تعلن عن هوية دينية محددة ثم إنهاء الجيش الحر عملياً وقتل قادته الوطنيين والثوريين الحقيقيين، مما جعلنا نفهم توجههم لتحويل الصراع من صراع شعب مقهور ضد سلطة مستبدة الى إثارة للمشاعر الدينية واستنهاضها بهدف الإمساك بالسلطة تحت ستار الدين ووعد بدولة الخلافة أو ما يشبه ذلك، مع التصريح بعداء الديمقراطية ودولة المواطَنة.

ولن ننسى مشاركة النظام بتعزيز الصورة الجهادية للمقاتلين ضده وذلك حين أطلق من سجونه متشددين شكلوا بعد خروجهم أهم الفصائل الجهادية كالنصرة وجيش الإسلام ليقول للعالم أنه ليس هناك ثورة شعبية ضده بل إنه يقاتل الإرهاب فحسب، إلى أن استقدم النظام روسيا حين كان على وشك السقوط.

أما أمريكا فقد كانت تراقب المشهد الدموي الذي كان يتشكل دون تدخل مباشر في البداية ثم انتقلت في مرحلة لاحقة إلى الإشراف العام على المشهد وإلى تقديم الدعم اللوجستي حيناً ومنعها للدعم أحياناً أُخرى وكأنما فقط لتضبط إيقاع الصراع كي يستمر ويتعفّن دون أن ينتصر أحد، ومن ثم طورت وجودها في شرق الفرات تحت عناوين محاربة داعش من ناحية ومنع انتصار النظام بانتظار موافقته على القرار الأممي 2254 وتشير كثير من التقارير إلى الدور الإسرائيلي بإقناع الولايات المتحدة بضرورة بقاء النظام السوري الضعيف وعدم إسقاطه لأنه يلتزم بالهدوء على جبهتها منذ عشرات السنين، وفي النهاية فقد صحّت تماماً المقولة المعروفة بأن "الطغاة يأتون بالغُزاة".

*كيف للشعب السوري التصرف والتحرك للوصول إلى مساعيه في الحرية والكرامة التي طالب بها مع انطلاق ثورته، بعد كل هذا التدخل وطول فترة من الصراع؟

لا شك أن سلوك الفصائل الجهادية وتسيّدها المشهد المواجه للنظام "وهذا ما نسميه بالثورة المضادة" قد أعطى صورة للثورة لا تمثل حقيقتها السلمية ومطالبها ببناء سوريا الجديدة بعقد اجتماعي جديد يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية والديمقراطية وفصل الدين عن السياسة والتوزيع العادل للثروة، ومع فشل الأجسام السياسية التي ادّعت تمثيل الثورة والمعارضة بالحفاظ على استقلاليتها بل أنها أنتجت خطاباً شعبوياً كان هدفه استجلاب شرعية لها من الشارع الثائر وليس قيادته بوعي سياسي يحقق مصلحة الثورة الحقيقية، ومع اللحظة السياسية الحرجة على المستوى الدولي والتي تتشكل فيها محاور سياسية جديدة وصراع على النفوذ، إضافة إلى رفض النظام التجاوب مع القرار الأممي 2254 واللعب بالوقت لتجاوز تطبيق هذا القرار، مع كل هذه العوامل تبدو القدرة في الوقت الراهن على انتزاع ما كانت تهدف إليه الثورة من كرامة وحرية لكل السوريين أمراً صعب التحقق، فبعد أن قيل "الموت ولا المذلة" تحقق للأسف الموت والمذلة معاً للكثير من أبناء شعبنا، وبعد شعار "الأسد (أو) نحرق البلد" حُرِقت البلد ليس بديلاً عن سقوط الأسد وإنما مع بقائه أيضاً حتى الآن، وبعد شعار "واحد واحد الشعب السوري واحد" نجد اليوم ثلاث مناطق نفوذ ومحاولة تكريس واقع انقسامي مع كثير من الحديث الطائفي.

لقد نجح النظام بخبث واستراتيجية ممنهجة بتحطيم التفوق الأخلاقي والقيمي لصورة الثورة حينما دفع باتجاه الصراع المسلح لتصبح كل أيادي المتصارعين ملطخة بالدماء بغض النظر عن حجم الارتكابات التي لا أحد ينافس فيها ارتكابات النظام، ومع انكفاء الحراك السلمي بعد بطش النظام أصبح الوضع أشد تعقيداً.

أما سؤال ما العمل فيبدو سؤالاً صعباً لسبب أساسي وهو أن معظم السوريين يرون أن أوراق اللعب أصبحت خارج أيديهم وبالتالي ينتظر أغلب السوريين نتائج المساومات بين القوى الكبرى والإقليمية فيما يخص المسألة السورية، بالرغم من أنني أرى بهذا الانتظار استسلاماً مهيناً، إذ لا بد من عمل تراكمي يقود لإنتاج واجهة جديدة للثورة، وتغيير الخطاب الخشبي الذي درجت عليه أجسام المعارضة والإعلام المواكب لها وضرورة الانفتاح على كل فئات الشعب وطرح رؤية وطنية وديمقراطية تجتذب جميع المتضررين من القمع والعسكرة والطائفية والفقر والاحتلالات، والعمل على الخروج من واقع تحول جميع القوى المؤثرة إلى أدوات لتنفيذ مصالح الدول المتدخلة ثم إدانة كل الإجرام والارتكابات من أي طرف كان والضغط من أجل إطلاق المعتقلين وشرح مضامين القرار الأممي 2254 لتصبح بنوده مطالب أساسية لأنه المدخل الحقيقي لانتقال سياسي ديمقراطي لا بد منه لبناء سورية جديدة تستطيع عبر محاسبة المجرمين أن تبلسم الجراح وتعيد اللحمة الاجتماعية وتبني المستقبل، كما أننا نحتاج لجهد توعوي خاص لشرح حقوق وواجبات المواطنة من أجل ألّا يستطيع أي حاكم في المستقبل أن يختزل الدولة في شخصه أو أن يجرؤ على تأبيد حكمه أو يدّعي أنه سيد الوطن فهذه إهانة للوطن لأن الشعب هو السيد وما الحاكم إلا موظف لدى الشعب يخضع لدستور يحدد مهامه ويجعله مسؤولاً أمام الشعب وممثليه، ولنتذكر دائماً أن "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة".

ولا بد من النظر إلى واقع الكرد السوريين كجزء من القضية السورية ولا بد من استعادة الثقة بين الثوار السلميين في كل أنحاء سورية وبين القوى الكردية والعربية وسواها من باقي المكونات والتي تملك السيطرة على الأرض في شمال وشرق سوريا ولنتذكر الحراك الثوري الكردي الذي حصل عام 2004 دون مؤازرة تُذكر، ومشاركتهم في الثورة 2011 في بداياتها، أي أن أسباب انتمائهم للتغيير الديمقراطي أسبابٌ راسخة يمكن البناء عليها، إذاً فلا بد من مد الأيادي المتبادل لأن في وحدة القوى الديمقراطية السورية واستعادة الثقة فيما بينها مفتاح الحل لكل القضايا العالقة.

كما يجب العمل على تقديم ما أمكن من الدعم لكل الأسر السورية التي تعيش تحت خط الفقر في عموم سوريا حفظاً لكرامة السوريين فهم أخوتنا وأبناؤنا بغض النظر عن أي اختلاف سياسي فيما بيننا. أشياء لا حصر لها يمكن العمل عليها أما الانتظار فحسب فهو كارثة.

*كما تعلم خلال الأعوام العشرة التي مضت، الفن والثقافة أيضاً كما باقي المجالات الأخرى تأثرا بفعل ما شهدته البلاد، كيف تقيّم واقع الفن والثقافة في سوريا في الوقت الراهن؟

الواقع الفني بائس عموماً بالرغم من إضاءات فردية هنا وهناك، فلا شك أن ما حدث قد ترك أبلغ الأثر على الواقع الفني، فمؤسسات النظام المسؤولة عن الفن والثقافة تحولت إلى أبواق تدعم بروباغاندا النظام وسردياته، وأصبح الحذاء العسكري هو العنوان والرسمة والأغنية والتمثال، وفي الشمال بالكاد تعثر على إنتاج فني أو ثقافي مع وجود توجه عام ذي طابع ديني منغلق غير مرحِّب بالأنشطة الفنية والثقافية، لكن علينا أن نتذكر ما قدمته يافطات كفرنبل الثورية من بوصلة رائعة للثورة وجهد العديد من الإعلاميين المتميزين هناك، أما الذي لا يمكن نسيانه فهو إهمال الفن والثقافة من جانب الأجسام السياسية الممثلة للثورة والمعارضة إذ كان تقصيرها فاضحاً.

وعن النشاط الفني والثقافي في الجزيرة السورية وشمال وشرق سوريا، فأنا لم أسمع عن أنشطة مميزة حصلت خلال هذه السنوات، وقد تكون موجودة ولكن مع عدم وجود منصات إعلامية نشطة فقد يتعذّر وصول أخبار تلك الأنشطة إلينا، تبقى أخبار اللاجئين الفنية والثقافية هي الأكثر حضوراً من سواها رغم الطابع الفردي وضعف الامكانات.

*مناطق شمال وشرق سوريا شهدت تطوراً ملحوظاً في هذا الجانب "الثقافة والفن"، ما رأيك بتجاذب الثقافات وتلوّن تلك المناطق بالموسيقا الكردية، والعربية، والسريانية، وغيرها؟

يسعدني أن أسمع عن أي انجازات وتفاعل ثقافي وفنيّ هناك خاصة وأن القمع الثقافي للكرد والسريان وسواهم كان ممنهجاً ويعكس توجهاً شوفينياً بقي سائداً هناك لوقت طويل، وقد عبّرت عن تضامني ورفضي لذلك القمع والإقصاء منذ زمن بعيد بالرغم مما سبب لي ذلك من ازدياد  التضييق والحصار.

(ح)

ANHA