محمود: الأخطار التي تهدد العرب والكرد واحدة ومواجهتها تتطلب التعاون بينهما

Interview with فتحي محمود

قال الكاتب والصحفي المصري فتحي محمود إن التحديات والأخطار التي تهدد العرب والكرد واحدة، ولفت أن المواجهة الصحيحة لهذه التحديات لن تتم إلا بالتعاون بين العرب والكرد، وقال إن هذا التعاون لن يتم إلا عبر حوار بين الجانبين، وأكد أن المدخل الثقافي هو الأساس الذي يمكن أن يتجمع حوله كثير من المفكرين والمثقفين والشباب والمرأة من الجانبين، بعيداً عن تأثيرات الخلافات السياسية.

وتحدث الكاتب الصحفي والخبير بالشؤون العربية في صحيفة الأهرام المصرية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، فتحي محمود، لوكالتنا في حوار مطول حول أهمية العلاقات العربية - الكردية والوقوف في وجه مخططات دولة الاحتلال التركي في المنطقة والنضال المشترك للشعوب العربية والكردية.

وأشار فتحي محمود في الحوار أن حركة التاريخ أثبتت أنه لا غنى لكل منهما (العربي والكردي) عن الآخر، والتأثيرات المتبادلة لكل منهما في الأمن القومي للآخر وقال: "يجب الاهتمام بالقضية الكردية على مستوى العالم العربي بأكمله"، وتطرق في  حديثه إلى الهدف من المبادرة العربية لحرية عبد الله أوجلان، وكذلك تجربة الإدارة الذاتية وسبب السلام والأمن الذي تعيشه هذه المنطقة.

وفيما يلي نص الحوار:

*قمتم بتأليف كتاب عن العلاقات الكردية العربية، برأيكم ما هي أهمية العلاقات الكردية العربية في القرن الحادي والعشرين؟

نحن نؤمن بأن المناطق الكردية هي حائط الصد الأول لأى تهديد للوطن العربي من البوابة الشرقية، وهو ما كان يؤمن به الزعيم الراحل جمال عبدالناصر أيضاً، ولذلك أتاح عبد الناصر للكرد أن يطلوا على العالم من خلال محطة إذاعية هي الأولى من نوعها في عام 1957 تبث من مصر، وتم تعيين الشيخ عمر وجدي الماردينيّ آخر شيوخ الرواق الكردي في الجامع الأزهر مشرفاً على القسم الكردي في إذاعة القاهرة، وقد هرع السفير التركي في القاهرة فجر انطلاق المحطة إلى الزعيم الراحل لتسجيل احتجاج أنقرة على هذه الخطوة، لكن عبد الناصر رد بهدوء قائلاً: أنتم تقولون إنه لا وجود للكرد في تركيا، وإن هؤلاء الذين يوصفون بأنهم كرد ما هم إلا أتراك جبليون، فلماذا إذا أنتم غاضبون من إذاعة كردية؟

ومن هذا المنطلق نرى أنه بعيداً عن أي خلافات سياسية مرحلية، يجب أن يهتم المثقفون والمجتمع المدني العربي والكردي بوجود حوار مباشر بين الجانبين، بعد أن أثبتت حركة التاريخ أنه لا غنى لكل منهما عن الآخر، والتأثيرات المتبادلة لكل منهما في الأمن القومي للآخر، وللمنطقة التي يعيشون جميعاً فيها بشكل عام.

وعندما نتحدث عن حوار عربي- كردي فنحن لا نقصد هنا الحوارات التي تقتصر على دولة معينة فقط، مثل الحوار العربي- الكردي سورياً أو عراقياً، بل نتعدى ذلك إلى مفهوم أشمل للحوار العربي- الكردي بشكل عام، ونتعامل مع مفهوم الكرد كقومية وأمة وحالة عامة بعيداً عن أي خلافات داخلية بين التيارات والحركات الكردية، وكذلك الأمر بالنسبة لمفهوم العرب، فإذا كان هناك اهتمام كبير بالقضية الكردية داخل سوريا والعراق بسبب التواجد الكردي المعروف في الدولتين، فإن الأمر من وجهة نظرنا يتعدى ذلك إلى ضرورة الاهتمام بالقضية الكردية على مستوى العالم العربي بأكمله، وخاصة الكرد في تركيا الذين يمثلون كتلة كبيرة للغاية ويواجهون حرباً شرسة من النظام التركي، والحقيقة أن الكرد يمثلون من الناحية التاريخية والجغرافية والجيوسياسية جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وهناك الكثير من المصالح الاستراتيجية المشتركة التي تهم الجانبين.

كما يجب التمييز بين الأنظمة العربية التي دخل بعضها في صراعات متبادلة مع الكرد، وبين الشعوب العربية التي لم تكن طرفاً في هذه الصراعات والتي احتضن بعضها عائلات كردية وساعدوهم على الاندماج في المجتمع دون عنصرية أو تمييز، ومن الضروري أن يلعب المثقفون العرب دوراً طليعياً في قيادة الرأي العام للتعرف على الآخر والتفاعل معه بعيداً عن حسابات الأنظمة الضيقة، وهذه الطليعة عليها عبء كبير في إدارة الحوار مع الكرد وإزالة الالتباس الموجود لدى قطاعات من الرأي العام العربي حول بعض الأمور المتعلقة بالقضية الكردية، وذلك بمشاركة مؤسسات المجتمع المدني والنخب الثقافية والسياسية من الجانبين.

والخلاصة.. أننا نتبنى مفهوم الحوار بين الشعبين أو الأمتين الكردية والعربية ومجتمعاتها المدنية ونخبها الثقافية، سواء بالنسبة للبلدان الأربعة الأساسية التي تقتسم الكرد وكردستان أو في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وكل مكان يتواجد فيه الكرد والعرب، وهو الهدف الأساسي من كتابي (العلاقات العربية الكردية) الصادر عن مؤسسة الأهرام أكبر وأعرق مؤسسة صحفية في مصر والمنطقة العربية كلها، وهو أمر له دلالة مهمة.

*كيف يمكن للكرد والعرب التكاتف والتعاضد ضد الهجمات والمؤامرات التي تتعرض لها المنطقة؟

المنطقة العربية تواجه الآن 3 مشروعات إقليمية لمحاولة الهيمنة عليها من جانب تركيا وإيران وإسرائيل، وهو أمر يهدد الأمن القومي العربي بخطر جسيم، وهى نفس محاولات الهيمنة التي يعاني منها الكرد أيضاً، وهذا يعني أن التحديات والأخطار التي تهدد العرب والكرد واحدة، وأن المواجهة الصحيحة لهذه التحديات لن تتم إلا بالتعاون بين العرب والكرد، وهذا التعاون لن يتم إلا عبر حوار بين الجانبين كما أسلفنا من قبل، وضرورة الابتعاد عن منطق الإقصاء والإقصاء المضاد في الخطاب الإعلامي، واستثمار وسائل التواصل في جَسْر التباينات الفكرية والسياسية.

نحن بحاجة إلى تسليط الضوء على الفترات الإيجابية التي تجاوزت فيها العلاقة بين العرب والكرد، التعاونَ والتعايش إلى الشراكةِ في قيادة الدولة العربية الإسلامية، ودفاع هذين المكوِّنين عن المنطقة العربية أمام الاستعمار الخارجي، واحتضان بلدان عربية، ومنها مصر، حركات النضال الكردي ضد الاستعمار، وكذلك النضال المشترك الذي جمع العرب والكرد، من خلال مؤسسات المجتمع السياسية، وإمكانية البناء عليها لتعزيزها.

وقد لعب المثقفون العرب على مدار التاريخ دوراً طليعياً في التفاعل مع قضايا الأمة وتعريف الرأي العام بها، وشاركوا في الحوارات التي جرت حول القضية الكردية وتفاعلوا معها بأشكال مختلفة، ومن أهم وأحدث تلك الأشكال المبادرة العربية لحرية عبد الله أوجلان التي تم الإعلان عنها في شهر فبراير 2021 بمناسبة الذكرى 22 لاعتقال القائد الكردي البارز من خلال عملية مخابراتية معقدة واحتجازه في سجن (إمرالي) شديد الحراسة الموجود على جزيرة تركية صغيرة تحمل نفس الاسم جنوب بحر مرمرة.

وقد بدأت الفكرة من خلال مقال كتبته في صحيفة الأهرام المصرية خلال شهر أغسطس 2021 بعنوان (نحو حملة دولية للإفراج عن أوجلان)، أكدت فيه أنه حان الوقت من أجل تنظيم حملة دولية مكثفة للإفراج عن عبد الله أوجلان، لا تقتصر المشاركة فيها على الكرد الموجودين في أماكن مختلفة فقط، ولكن تضم كل المؤمنين بقيم الحرية والديمقراطية والتحرر الوطني في مختلف دول العالم، وخاصة من المثقفين والرموز الأدبية والفنية والاجتماعية والرياضية والتيارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني على المستويين المحلي والدولي، وتكون لها لجنة تنسيقية معلنة، وخطة تصاعدية للعمل من أجل مواجهة إجرام النظام التركي باستخدام كل السبل المتاحة، وحشد الرأي العام العالمي لإجبار نظام أردوغان القمعي على الإفراج عن أوجلان، وفضح كل ممارسات هذا النظام الإجرامية ضد الكرد وغيرهم، وفرض عقوبات دولية عليه حتى يتراجع عن حماقاته.

وقد أثار المقال ردود فعل إيجابية كثيرة بين المثقفين المصريين والعرب خاصة الذين يهتمون بالقضايا المرتبطة بالأمن القومي العربي، وقررت مجموعة منهم تبنى الفكرة بعد بلورتها في شكل مبادرة تحمل اسم (المبادرة العربية لحرية عبد الله أوجلان) وعدم الاقتصار على أن تكون لجنة مصرية فقط، وتعريفها بأنها مبادرة شعبية تضم كتّاباً ومفكرين وممثلين عن المجتمع المدني من الدول العربية، تستهدف التعريف بالقضية الكردية بشكل صحيح لدى الرأي العام العربي، والدعوة للإفراج عن أبرز رموزها عبد الله أوجلان، والسّعي لإحلال السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.  

واستهلت المبادرة نشاطها بالدعوة إلى حملة توقيع كبيرة في مختلف أنحاء العالم العربي على بيان يدعو للإفراج عن أوجلان، ثم جاء بيان الإعلان عن تأسيس تلك المبادرة الشعبية في 15 فبراير 2021، ليكشف عن أهدافها وآليات عملها بالتأكيد على أنها تسعى من أجل التعريف بقضية أوجلان وشعبه، يدفعنا إلى ذلك انتماؤنا الإنساني، الذى يُحتّمُ علينا نصرة المناضلين من أجل حرية شعوبهم من جهة، والوفاء للعلاقات التاريخية الوطيدة التي جمعت بين الشعبين الكردي والعربي من جهة أخرى، ومواجهة النظام التركي الذى يسحق أحلام وطموحات الشعب الكردي، ويحوّل أرضه إلى مُعتقل كبير، ويوجه سلاحه الغادر إلى صدور الأطفال الكرد والنساء العُزل، ويهدم الدور فوق رؤوس قاطنيها، ويحرمهم من كل أسباب الحياة وضرورات الوجود. 

وقامت المبادرة بأنشطة عديدة بعد ذلك ومازالت مستمرة حتى الآن.

*كيف تنظرون إلى تجربة الحياة المشتركة بين المكونات في شمال وشرق سوريا في ظل الإدارة الذاتية؟

أعتقد أن الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تعد نموذجاً لمحاولة تطبيق مفهوم الأمة الديمقراطية الذي طرحه عبد الله أوجلان، ولذلك تعيش حالة من السلام والأمن والتعايش المشترك بين المكونات، فالحل الديمقراطي لا يتبنى مفهوم الدولة المستقلة كشرط لا يمكن تجاوزه، ولا يميل إلى تبني الحلول  الدولتية الفيدرالية أو الكونفدرالية كتصور مسبق للدولة القومية المشيدة، ولكنه لا يرفضها كخيارات يمكن لها أن تطرح على الساحة في رحلة البحث عن الحل الديمقراطي كمقدمة ومدخل صحيح للنفاذ إلى الحل الجذري، كون الفيدرالية تفسح المجال أمام إدارة المجتمع لذاته ديمقراطياً، ويتبنى مشروع الفيدراليات والكونفدراليات الديمقراطية للمجتمعات، ويقدمها  إلى الأمام كحل جذري  للقضايا جميعاً.

وقد أقرت القوى والأحزاب والشخصيات والفعاليات المجتمعية والمؤسسات المدنية التي أعلنت الإدارة الذاتية الديمقراطية، عقداً اجتماعياً ينظم أسس العلاقة بين تكوينات المجتمع القومية الإثنية والدينية في مناطق روج آفا وشمال سوريا وشرقها، حافظت من خلاله على مؤسسات الدولة الوطنية الموجودة، وقامت الإدارة بتشكيل مئات المؤسسات والمجالس في القرى والأحياء والمدن، علاوة على تأسيس مستوى متقدم في الحماية الذاتية عبر وحدات حماية الشعب والمرأة التي تحولت إلى قوات سوريا الديمقراطية.

لكن أعتقد في الوقت نفسه أن الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تواجه تحديات جسيمة بعضها يتعلق بالنظام السوري وبعضها بالاعتداءات التركية وبعضها بداعش والجماعات التكفيرية، ولن تستطع مواجهة هذه التحديات إلا بمزيد من التكاتف بين القوى التي تكوّن هذه الإدارة.

*كيف يمكن لتجربة الإدارة الذاتية أن تتحول إلى مشروع عام لسائر الشرق الأوسط؟

طوال عقود تعرّض الكرد خاصة في تركيا لعمليات قمع وإقصاء وحشية، حاولوا مواجهتها عبر حركات نضالية عديدة أبرزها حزب العمال الكردستاني الذى أسّسه قائده التاريخي عبد الله أوجلان خلال السبعينيات، وخاض صراعاً مسلحاً طويلاً منذ الثمانينيات وردت تركيا بتدمير آلاف القرى الكردية، وطاردت أوجلان نفسه في كل مكان لمدة عشرين عاماً، وكادت القوات التركية تكتسح سوريا عام 1998 للقبض على أوجلان الذى غادر دمشق متنقلاً بين عدة دول حتى اختطفته المخابرات التركية من مطار نيروبي في 15 فبراير 1999، بمساعدة المخابرات الإسرائيلية والأمريكية ومنذ ذلك الوقت يقبع أوجلان في سجن إمرالي التركي في ظروف سيئة للغاية، بعد أن حكم عليه بالإعدام وخفف الحكم إلى السجن المؤبد تحت ضغوط أوروبية.

والحقيقة أن المتتبع لمسيرة أوجلان قبل وخلال سجنه الطويل يكتشف أنه أمام مفكر وليس مجرد قائد لجماعة نضالية، وأن حزب العمال الكردستاني تحوّل إلى حركة تحرر وطني وليس حركة انفصالية، فقد سبق أن أعلن أوجلان عامي 1993 و1995 وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد، لكن الحكومة التركية كانت ترفض ذلك، وفى ديسمبر 1998 أي قبل القبض عليه بشهرين أعلن اتخاذه النهج السلمي سبيلاً للنضال بدلاً من الكفاح المسلح، لكن تركيا استمرت في عمليات قمع الكرد بوحشية كبيرة، بدلاً من أن تكون فرصة للوصول إلى حل سلمي للمسألة الكردية. 

لقد ناقش أوجلان كثيراً من القضايا المهمة في سلسلة مجلدات حملت عنوان (مانيفستو الحضارة الديمقراطية)، وشهدت مسيرته الفكرية تطوراً كبيراً من الإيمان بالكفاح المسلح سبيلاً وحيداً لإقامة دولة كردية مستقلة إلى العمل من أجل الحل الديمقراطي السلمي، وقدم خريطة طريق توضح تفاصيل هذا الحل، وهو الأمر الذى رد عليه النظام التركي باستمرار حرب الإبادة ضد الكرد، وفى رؤية أوجلان المتكاملة للتحول إلى أمة ديمقراطية يوضح أن الاعتراف بحق التحول إلى أمة ديمقراطية كان الحل الأنجع والأنجح والقابل للتطبيق، دون الحاجة إلى دولة قومية كردية، بل ودون الحاجة لتحويل الدولة القومية الحاكمة إلى أشكال من الطراز الفيدرالي، وبناء على ذلك فخريطة الطريق التي قدمها على خلفية الحوار مع الدولة التركية كانت تعبّر كفاية عن مبادئ الحل والسلام المأمولين، لكن جهاز الدعاية والتحريض في الدولة والمتأثرة جداً بتقاليد التطهير العرقي عاجزة عن البت في قرار السلم والحل الديمقراطي، فرغم محاولات وقف إطلاق النار التي أعلنها حزب العمال الكردستاني مرات عديدة من طرف واحد، فإنه لم يلق الجواب اللازم، ولكن هذا الوضع لن يستمر طويلاً، فإما أنه سيتم ولوج سياق السلم والحل الديمقراطي المستدام والمشرف، والذي يتفق فيه الطرفان على ثوابته ومبادئه الأساسية، وهو سلام تاريخي ونمط حل سياسي ديمقراطي سيكون مثالاً تقتدي به شعوب المنطقة والإنسانية قاطبة، أو سنعود إلى حرب جديدة حاسمة. هكذا يقدم عبد الله أوجلان حلاً سلمياً لواحدة من أهم المعضلات التي تواجه الشرق الأوسط، لكن النظام التركي الذي أدمن جرائم التطهير العرقي لا يرغب في السلام.

إن أوجلان الآن يقدم نموذجاً شبيها للمناضل الإفريقي الكبير نيلسون مانديلا، الذي اعتقل بعد عام واحد من توليه رئاسة الجناح العسكري للمجلس الأفريقي القومي الذي قاد النضال الشعبي ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وظل 27 عاماً في السجن مدافعاً عن حقوق شعبه، قبل أن يتم الإفراج عنه بسبب الضغوط الدولية ويصبح أول رئيس أسود للبلاد.

وأعتقد انه لابد من حشد الرأي العام العالمي لإجبار نظام أردوغان القمعي الاستجابة للسلام مع الكرد، وفضح كل ممارسات هذا النظام الإجرامية ضد الكرد وغيرهم، وفرض عقوبات دولية عليه حتى يتراجع عن حماقاته.

*تسعى الدولة التركية إلى إعادة تحقيق أطماعها العثمانية باحتلال العديد من مناطق الشرق الأوسط بما فيها المناطق الكردية والعربية. ويخوض الشعب الكردي حالياً مقاومة كبيرة ضد هذا المشروع. كيف تنظرون إلى مقاومة الشعب الكردي؟

لابد من مواجهة عربية قوية لمشروع الهيمنة التركي الذي يحاول نظام أردوغان فرضه على المنطقة العربية، وأن يكون للجامعة العربية موقفاً حاسماً من النظام التركي.

ولكن في ظل المتغيرات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتصارع العديد من القوى الإقليمية، مثل تركيا وإيران وإسرائيل لفرض مشروعاتها للهيمنة على المنطقة، يصبح الحوار العربي- الكردي وصولاً إلى تنسيق المواقف والتعاون الكامل في إطار المصالح العليا للجانبين، أمراً حتمياً، خاصة أن القضية الكردية بشكل عام تتداخل مع الأمن القومي العربي.

ويشكل الحوار الذي يجب أن تشارك فيه النخبة السياسية والثقافية من الجانبين بداية مهمة لإزالة أي لبس موجود وتصحيح المفاهيم لدى الرأي العام حول كل الموضوعات المرتبطة بهذه القضية، مع دعم كل أشكال التعاون التي تحقق التقارب بين الشعبين العربي والكردي والتركيز على المشتركات الثقافية بينهما، ومن بين المقترحات المهمة في هذا المجال انشاء معهد عربي ــ كردي، وهو مشروع مهم للغاية يستهدف تنشيط حركة التواصل والنشر والترجمة والاطلاع على آداب وفنون وثقافات كل طرف بما لدى الطرف الآخر، بالإضافة إلى التحدّيات والمخاوف التي تواجه الهوّية المشتركة للعرب والكرد والهوّية الخاصة لكل منهما على انفراد، ويمكن أن يكون لجامعة الدول العربية دور أساسي في تأسيس هذا المعهد من خلال منظماتها المتخصصة، مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) بالتعاون مع الاتحادات المهنية العربية المعنية، مثل اتحاد الكتاب والجامعات العربية ومؤسسات المجتمع المدني العربية والكردية.

وهذا المعهد يمكنه أيضاً تشجيع الشعوب العربية والكردية على أن تتضمن مناهج التعليم في بلادهم معلومات موثقة عن تاريخ العلاقات العربية- الكردية، والتعريف بالهوية الصحيحة لكل منهما، للمساهمة في إعداد أجيال جديدة لديها وعي كامل بهذا الموضوع.

كما يمكن للمبادرة العربية لحرية أوجلان العمل على توسيع نطاق الحوار العربي- الكردي، والقيام بأنشطة تراكمية لتعريف الرأي العام العربي بحقيقة القضية الكردية وتصحيح أي شبهات ناتجة عن تصورات مسبقة أو معلومات غير دقيقة، من خلال ورش عمل وندوات ومؤتمرات وأنشطة مشتركة تركز على المشتركات الثقافية وتشرح خصوصية هوية كل جانب، بمشاركة مثقفين عرب وكرد، وفى هذا الإطار يمكن استغلال ما توفره شبكات التواصل الاجتماعي من فضاءات لا متناهية في بث هذه الأنشطة وتعميق فرص الحوار وديمومته، واستقطاب أكبر قطاع ممكن من الرأي العام العربي للمشاركة في الحوار والتعرف على كل ما يتعلق به بصراحة شديدة، وطرح كل المسائل العالقة والشبهات المثارة ومناقشتها بحرية كاملة للوصول إلى نقاط التقاء، والتعريف بالمصادر العربية الكثيرة والمنتشرة في التراث العربي التي تتحدث عن الكرد بشكل صحيح، مع الحرص على مشاركة كل مكونات المجتمع خاصة المرأة والشباب.

إلى جانب تقديم نماذج من الشخصيات ذات الأصول الكردية، التي حققت نجاحات عديدة في مجالاتها، وأصبحت تحظى بمصداقية لدى الرأي العام العربي، واستثمار هذه الشخصيات في دعم الحوار العربي- الكردي عبر أنشطة مختلفة، فيمكن على سبيل المثال، لشخصية مثل المخرج السينمائي الكبير علي بدرخان ذي الأصول الكردية المساهمة في تقديم أعمال فنية في هذا السياق أو الإشراف على إقامة مهرجانات أو مسابقات سينمائية مشتركة، وعلى هذا النمط يمكن لشخصيات كثيرة مماثلة المشاركة بأنشطة تقع داخل إطار تخصصاتها.

ونظراً للأهمية الكبرى لوسائل الإعلام، فمن الضروري التعاون بين كل الجهات المعنية للعمل على تنظيم ملتقيات إعلامية مشتركة عربية وكردية، تضم صحفيين وإعلاميين من الجانبين من مختلف الأجيال وخاصة الشباب، في مناطق عربية وكردية، للتعريف بكل ما يتعلق بالقضية الكردية والمفاهيم والمصطلحات التي قد تستخدم بشكل لا يعبر عن مضمونها، والقواسم والمصالح المشتركة، والرد على أي شبهات قد تثار، والسعي لإنتاج برامج إذاعية وتليفزيونية وفيديوهات مشتركة، والتعاون المتبادل في مجال الإعلام وتغطية الأنشطة التي تهم الطرفين، وخاصة تلك المتعلقة بالهوية الثقافية للتعريف بها بشكل واضح.

إن المدخل الثقافي هو الأساس الذي يمكن أن يتجمع حوله كثير من المفكرين والمثقفين والشباب والمرأة من الجانبين، بعيداً عن تأثيرات الخلافات السياسية، وفي هذا المدخل مشتركات كثيرة يمكن العمل عليها لتوطيد العلاقات بين المجتمع المدني العربي والكردي، وأن يسعى كل طرف لتبديد مخاوف الآخر، وصولاً إلى التوافق على أهمية التمسك بالحوار والسعي لمنح كل القوميات في المنطقة حقوقها الأساسية كاملة، على أساس المواطنة والشراكة والمساوة والإيمان بأن مصيرهم جميعاً واحد.

(ح)

ANHA