​​​​​​​كاتب وباحث سوري يصف تصريحات جيمس جيفري الأخيرة بأنها محاولة لتبرئة تركيا من جرائمها

Interview with أحمد الدرزي

قال الكاتب والباحث السوري، أحمد الدرزي، إن تصريحات جيمس جيفري لا تمثل شخصه، إنما تمثل الإدارة الأمريكية وتوجيهات السياسة الأمريكية في غرب آسيا بأكمله، مؤكداً، أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تحاسب تركيا إذا لم تتوجه الأخيرة إلى تحالف استراتيجي مع روسيا والصين.

أطلق المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى سوريا، جيمس جيفري، في الأسبوع الفائت تصريحات زعم فيها أن المرتزقة الذين تورطوا في الجرائم في سري كانيه، تمت محاسبتهم، وحول هذه التصريحات أجرت وكالتنا حواراً مع الكاتب والباحث السوري أحمد الدرزي، الذي أكد أنه يريد من تصريحاته في ما يتعلق بالمجازر والجرائم التي ترتكبها والتي ارتكبتها المنظمات المدعومة من قبل تركيا، تبرئة الولايات المتحدة الأمريكية وتبرئة تركيا من هذه الجرائم وتحميل وزرها في المرحلة القادمة لهذه المجموعات بعنوان أنها مجموعات منفلتة وغير منضبطة.

وجاء نص الحوار كالتالي:

*منذ احتلالها لعفرين في 2018 وسري كانيه وكري سبي 2019، ترتكب تركيا جرائم بحق السكان الأصليين عبر المجموعات المرتزقة التابعة لها. واعترف المبعوث الأميركي إلى سوريا في عهد دونالد ترامب، جيمس جيفري، بارتكاب هذه الجرائم. ماذا يعني هذا الاعتراف؟

لا بد لي أن أوضح بأن التصريحات التي أطلقها ممثل الإدارة الأمريكية السابق في ما يتعلق بالملف السوري  في عهد دونالد ترامب تعبّر عن الإدارة الامريكية بالذات، ولا تعبّر عن شخصية جيمس جيفري بحد ذاتها، عندما كان يدير الملف السوري في تركيا، وهو القريب من تركيا كثيراً، ولا يمثل توجهاته الشخصية، إنما يمثل التوجهات السياسية الأمريكية في غرب آسيا بأكمله، فعندما يتعاطى مع ملف الاحتلال التركي للشمال السوري في كل المناطق، سواء في إدلب التي وصفها في مرحلة من المراحل بأنها قلعة من قلاع المعارضة السورية ولن تسمح واشنطن بإسقاطها، فهو يعبّر عن توجه المشروع الأمريكي في إبقاء الشمال السوري بأكمله تحت الاحتلال التركي بعنوان المعارضة السورية، وهو يريد من تصريحاته في ما يتعلق بالمجازر والجرائم التي ارتكبتها المنظمات المدعومة من قبل تركيا، تبرئة الولايات المتحدة الأمريكية وتبرئة تركيا من هذه الجرائم وتحميل وزرها في المرحلة القادمة لهذه المجموعات بعنوان أنها مجموعات منفلتة وغير منضبطة.

*حاول جيفري عبر تصريحاته تلميع صورة تركيا عبر القول إن المجموعات المرتزقة هي من ارتكبت جرائم الحرب. هل تستطيع المجموعات التابعة لتركيا القيام بشيء دون تعليمات من الجيش التركي؟ والحال هذه، لماذا يحاول جيفري تلميع صورة تركيا؟

كلنا يعلم أن هذه المجموعات مدعومة من قبل تركيا، وتوجه من قبل الاستخبارات التركية والجيش التركي، ولا يمكن أن تحرك ساكناً دون أوامر منها، وتركيا لا يمكن أن تسير بسياساتها المتبعة في المناطق الشمالية بعيداً عن موافقة الإدارة الأمريكية الضمنية والواضحة، التي وافقت على احتلال عفرين التي سقطت بشبه اتفاق وتواطؤ روسي أمريكي لاعتبارات تخصهما مع بعضهما البعض واعتبارات ذاتية لكل منهما، وما يتعلق بالسياسات المتبعة في هذه المناطق هي أقرب إلى أن تكون سياسة أمريكية بحتة عبر الإدارة التركية، ومن ثم هذه الجيوش التي ستتحمّل مسؤولية الجرائم وتبرئ  الإدارة الأمريكية والقيادات السياسية والاستخباراتية التركية المتورطة الحقيقية بها.

*جيفري كان سفير الولايات المتحدة في تركيا لسنوات طويلة، وكان له الدور الأبرز في الانسحاب الأميركي من شمال وشرق سوريا، وفتح الطريق أمام تركيا لاحتلال المنطقة وارتكاب هذه المجازر بحق الشعب. ألا يتحمّل جيفري أيضاً المسؤولية عن هذه الجرائم؟

 تحميل جيمس جيفري مسؤولية خروج الولايات المتحدة الأمريكية أو سماح واشنطن لتركيا باحتلال مناطق واسعة من الشمال السوري غير واقعي، ولا يمكن أن نتخيل أن جيمس جيفري يستطيع أن يفعل هذا؛ لأنه بالأساس موظف أمريكي تم انتدابه لإدارة الملف السوري وفقاً للاستراتيجية الموضوعة، وهو ينفذ تعليمات هذه الإدارة، وبالتالي من الخطأ الجسيم أن نحمّل شخصاً واحداً ضمن دولة عظمى لديها مؤسساتها ومراكز دراسات وترسم سياساتها بدقة متناهية بما يخدم مصالحها، المسؤولية، وإن المتحكم الحقيقي هي الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت مصالحها الكبرى مع تركيا وليست مع أي طرف آخر؛ لاعتبارات تخص الصراع الكبير على المستوى الدولي بينها وبين روسيا  والصين، واستثمار قدرة تركيا على التأثير في روسيا والصين، عبر الشعوب والدول الناطقة باللغة التركية الممتدة وسط آسيا وشمال غرب الصين.

*الجرائم في المناطق السورية المحتلة من قبل تركيا، ترتكب أمام مرأى القوى الدولية والمجتمع الدولي. لماذا هذا التعامي عن الجرائم التركية التي وثقها تقرير للأمم المتحدة صدر في أيلول عام 2021؟

 بالنسبة للجرائم في المناطق المحتلة من قبل تركيا، فإن المجتمع الدولي هو مجتمع متكاذب لا تهمه مسائل تتعلق بحقوق الإنسان والجرائم والجنايات بقدر ما يمكن أن تتحقق مصالحه، فالأولوية للاستراتيجية العليا لهذه الدول خاصة الدول الغربية بشكل عام، خاصةً الولايات المتحدة ومعظم دول الاتحاد الأوروبي.

فمجمل السياسات التي ترسم في هذه الدول تُرسم على أساس المصالح وتستخدم مسائل حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات والديمقراطيات بما يخدم المصلحة الأمريكية والغربية عندما تقتضي ذلك، وعندما تتعارض هذه الجرائم والجنايات مع المصالح الاقتصادية والجيو سياسية فإن الصمت هو مصيرها.

هذا هو الغرب بشكل عام، الأولوية المقدسة لديه هي الحفاظ على استمرار هيمنته على مركز القرار العالمي واستمرار نهبه لمناطق واسعة من العالم والسيطرة على الاقتصاد العالمي بشكل واسع وكبير.

*ألا يعتبر صمت المجتمع الدولي رسالة إلى تركيا للاستمرار في جرائمها وعدم تقديمها للمحاسبة؟

لا توجد رسالة إلى تركيا للاستمرار في جرائمها، إنما هناك غطاء غربي أمريكي لها للاستمرار في هذه السياسات طالما أن تركيا تستطيع أن تحقق المصالح العليا لهذه المنظومة الغربية، فالأولوية لديها في صراعها الدولي تقتضي أن تكون متحالفة مع تركيا وأن تستردها بشكل كامل لتنضبط ضمن السياسات التي ترسمها وليست السياسات التي ترسمها أنقرة.

فالمشروع التركي قد تجاوز ما رسم إليه، وهو الآن في طريق العودة والإعادة إلى حظيرة المشروع الغربي لينضبط بأهدافه وسياقاته العامة، بغض النظر عن الآثار السلبية على شعوب المنطقة.

*ما مدى جدية المجتمع الدولي في محاسبة تركيا على جرائمها التي لا تقتصر على سوريا، بل وصلت إلى قره باغ وليبيا وغيرها من بقاع العالم؟

ما أنجزته تركيا في سوريا والعراق والتي وصلت إلى مناطق في بعشيقة وحاولت الوصول إلى شنكال، بالإضافة إلى منطقة القوقاز وليبيا وكل هذه المناطق التي قفزت إليها، بالنهاية تصب في خدمة المصالح الغربية، لذلك لا جدية حقيقية لدى دول ما يسمى المجتمع الدولي المتكاذب  في محاسبة تركيا إلا عندما لا تستطيع أن تضبط سياساتها بشكل كامل معها، وعدم استغلالها للهامش الكبير الذي امتلكته هي وغيرها نتيجة الانكفاء والتراجع الأمريكي والتراجع الغربي في مواجهة الصين وروسيا، لذلك لا أعتقد أن محاسبة تركيا على هذه الجرائم يمكن أن تتم إلا في حالة واحدة وهي إذا انفصلت بشكل كامل عن المشروع الغربي، وأخذت قرارها النهائي بالتحول نحو الصين وروسيا، ودخلت معهم ضمن مشروع مبادرة الحزام والطريق والمشروع الأوراسي، وأعتقد أن هذا لا يمكن أن يتم لارتباط الاقتصاد التركي بالاقتصاد الغربي، وهيمنة سياسات البنك الدولي على السياسات الاقتصادية والسياسية فيه، لكنها ستبقى تلعب على هوامش التناقضات بين الدول، لتوسع من إمكانيتها على استعادة مشروعها الإمبراطوري الذي انهار  بعد الحرب العالمية الأولى.

*ما هو المطلوب من المجتمع الدولي وخصوصاً الأمم المتحدة للقيام بواجباتها الأخلاقية والإنسانية وكذلك في أدنى حدود تطبيق القوانين التي تأسست عليها؟

المطلوب من الأمم المتحدة الكثير والكثير، وليس فقط في المسائل التي تتعلق بالجرائم التركية. وإنما بكل الجرائم في فلسطين ولبنان واليمن وكل الجرائم المسكوت عنها، لذلك أنا لا أُعوِّل على مسألة الأمم المتحدة التي أقر مجلس الأمن فيها قرارات لم تنفذ، منها قرار 242 في عام 1967 بعد احتلال الضفة الغربية في فلسطين وسيناء والجولان. أو ما يتعلق بالاحتلال التركي لشمال قبرص وهناك قرار في مجلس الأمن ولم ينفذ وهناك العشرات من القوانين التي لم تنفذ؛ لأن مصالح الدول أعلى من مصالح الشعوب، لذلك أعتقد أنه ينبغي لنا ألا نعوّل إلا على أنفسنا نحن السوريون في محاسبة تركيا من خلال إخراجها من شمال سوريا المحتل بشكل كامل، والذي يمكن أن ينعكس على الداخل التركي بإسقاط الأوهام التركية إن كانت ذات طابع قومي أو ذات طابع توسعي وتاريخي عثماني الهدف.

(م)

ANHA