​​​​​​​جواد البيضاني: أردوغان يسعى لإزالة تاريخ المنطقة وعلى العرب والكرد أن يتحدوا

مقابلة مع الدكتور جواد البيضاني

أكد الباحث والمؤرخ العراقي، الدكتور جواد البيضاني، أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يحاول تطبيق "العثمانية الجديدة" ومد نفوذه إلى دول المنطقة من خلال أعوانه والأحزاب الموالية له، وطالب العرب والكرد في المنطقة بالاتحاد لمواجهة السياسات التركية الساعية لإزالة تاريخ المنطقة ونسبها لها.

على الرغم من سياسات تركيا على مدار العقود الفائتة والقائمة على الحنين إلى الماضي وقضم مناطق الإرث العثماني، إلا أن البعض لا يزال يشكك في نيتها في تطبيق مشروع العثمانية الجديدة.

ويعمل الاحتلال التركي على تغيير ديمغرافية المناطق السورية المحتلة من خلال حملات توطين ينفذها في هذه المناطق كما يهدد بشن هجمات جديدة على مناطق سورية أخرى، بالتزامن مع ذلك يشن هجمات على جنوب كردستان ومناطق عراقية ويهدد شنكال.

وحول ذلك، أجرت وكالتنا حوارًا مع الباحث والمؤرخ العراقي، الدكتور جواد البيضاني، تحدث خلاله عن حقيقة العثمانية الجديدة وأهدافها وخطورتها على المنطقة.

*ما هي حقيقة العثمانية الجديدة؟ ومن أين تستمد تصورها؟

العثمانيون يعتمدون في نظريتهم على نظرية فتح الله غولن الذي وضع نظرية مدعومة بإرادة غربية لبناء دولة اسلامية على نمط يتوافق مع الاستراتيجية الغربية ومن ثم السيطرة على العالم الإسلامي من خلال هذه الدعوات التي تبنى على أسس ونظرية صوفية مستمدة من آراء العالم الكردي المعروف سعيد النورسي وفتح الله غولن من (مريدي) سعيد النورسي وتلاميذه لذلك هذه النظرية هي أساس نظرية سعيد النورسي وممكن أن نكتشف هذا الشيء من خلال قراءتنا لتفسير سعيد النورسي وكتبه وما طرحه فتح الله غولن.

سعيد النورسي ليس له علاقة بالغرب ولكن الغرب استمد نظرية سعيد النورسي ورسخها في عقل غولن وجماعته ومنهم أردوغان لبناء نظرية جديدة تقوم على أساس استيعاب المسلمين من خلال نظرية إسلامية جديدة تقوم على أساس الانفتاح مع الغرب والتعاون معه وكذلك بناء واقع جديد في المنطقة يؤمن مصالح الغرب ويمهد لنجاح الاستراتيجية الغربية في منطقة الشرق الأوسط.

بسبب الخلاف التركي بين عناصر حزب العدالة والتنمية حدث الانشقاق الكبير والذي أخرج على ضوئه رئيس النظام التركي من عباءة فتح الله غولن وصنع لنفسه تنظيماً منفصلاً، هذا التنظيم المنفصل هو الذي يقود تركيا الآن.

هؤلاء تأثروا كثيراً بالنظرية الرابعة لإسكندر دوغن ورغم أنهم يتقاطعون مع هذه النظرية لكنهم أخذوا واستمدوا منها، والتي هي تقوم على الأوراسية الكبيرة لتقول بأنه كل دولة تعتمد على قيمها وتقاليدها الخاصة وعرفها الحضاري ومن ثم تستطيع أن تنشئ خياراتها السياسية وكذلك الاقتصادية مع التحديث، أي تعتمد على إرثها الحضاري لكن لابد أن يكون هناك تحديث وتطوير بنظامها الاقتصادي والسياسي وهذا التحديث والتطوير يجب أن يتوافق مع روح العصر على أن يكون ذلك انطلاق مع حضارة هذه الدولة وليس بالضرورة أن تعتمد الطابع الليبرالي الغربي إذاً هي عملية تطوير وتحديث بالإرث الحضاري كالنظرية التي أطلقها كما قلت اسكندر دوغن. هناك توافق وتناغم بينهم وبين نظرية اسكندر دوغن.

*ما الذي يريدون القيام به اليوم في هذا الإطار على يد حزب العدالة والتنمية؟

رجب طيب أردوغان ومنظري السياسة التركية جمعوا بين نظرية فتح الله غولن وبين النظرية الرابعة لاسكندر دوغن وطوروها بشكل يتوافق مع الاستراتيجية التركية.

نعم تركيا تحاول أن تمد نفوذها حتى في منطقة الخليج وتعيد نفوذها إلى ما كانت عليه وطبعاً هذا بضوء أخضر أميركي، لأن الولايات المتحدة تحاول الوقوف الآن بوجه روسيا والصين وهي مشغولة الآن انشغالاً كبيراً، أولاً تقسيم الأدوار في أوروبا، ثانياً الانتشار الصيني في أفريقيا، النقطة الأخرى ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط والرفض الكبير لعملية التطبيع، إيران كذلك الحال بالنسبة إلى الصين، كوريا، هذه كلها تمثل عناصر خلل.

لذلك هي (الولايات المتحدة) أعطت لبعض الدول بعض الامتيازات فمثلاً بولندا أعطتها بعض الصلاحيات في منطقة وسط وشرق أوروبا وأعطت بعض الصلاحيات إلى بريطانيا في منطقة غرب أوروبا، كذلك تحاول أن تعطي بعض الدول نفوذاً في منطقة الشرق الأوسط وهي اسرائيل، لكن في نفس الوقت تحاول أن تبرز قوة عربية في هذه المنطقة، لكن عناصر الرفض هذه كبيرة في منطقة الشرق الأوسط لذلك هي عززت ودعمت النظام التركي وكذلك عززت من قدراتها.

الآن النظام التركي ينفتح على العراق بشكل كبير، كما رأينا السفير التركي بالعراق أصبح له نفوذ واسع جداً، كذلك تعزيز علاقاته بمنطقة الخليج والعلاقات المتبادلة والحميمة التي أصبحت مع السعودية ومع الإمارات ومع الكويت ومع باقي هذه الدول ويحاول أن يضفي علاقة جديدة ومتطورة مع مصر وكذلك مع ليبيا والمغرب العربي.

إذًا الاستراتيجية التركية تقوم على هذا الأساس ويحاول الرئيس التركي ليس بالسيطرة المباشرة ولكن من خلال أعوانه والأحزاب الموالية له أن يمد نفوذه إلى هذه الدول رغم أنه لديه الآن تواجد عسكري في أذربيجان وشمال العراق وشمال سوريا وكذلك في الصومال وفي كينيا وفي جنوب اليمن وفي قطر لكن هذا التواجد العسكري لا يمثل قوة نافذة، أي ممكن لو كان هناك في العراق جيش نظامي كالجيش قبل ٢٠٠٣ كان ممكن أن يهزم بأيام، لكن تعلم وضع العراق وسوريا والقدرات التكتيكية القتالية المحجمة لدى قوات قسد هي سبب عدم امتلاكها سلاح جوي والمناورة الأميركية الخبيثة في إضعاف هذه القوات وجعلها قوة محتاجة دائماً إلى العون الأميركي وهذه استراتيجية أميركية.

الولايات المتحدة لا يمكنها أن تدعم قوة إلا وتجعلها محتاجة لها كما هو الحال بالنسبة إلى السعودية والدول الأخرى السائرة بالفلك الأميركي، فإذن الاستراتيجية التركية هي استراتيجية عثمانية اعتمدت من قبل فتح الله غولن وامتدت إلى وقتنا الحاضر للرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان.

*تعمل الدولة التركية على ترحيل مليون لاجئ سوري إلى مناطق سورية تم تهجير سكانها الأصليين مما سيؤدي لتغيير ديمغرافية هذه المناطق.. ما الهدف من هذه الخطوة؟

تركيا تحاول أن تضع حداً فاصلاً مع حدودها في سوريا وهي عازمة على هذا الخيار وأعتقد أن الظروف الدولية والصراع الأوكراني - الروسي ساهم في تعزيز خياراتها، بيد أن العامل الداخلي وأوضاعها الاقتصادية يحولان دون ذلك.

هدف تركيا هو بناء جدار بشري عازل بين تركيا وبين سوريا من خلال تغيير ديموغرافي شامل يستقر في هذا الشريط -أقصد الشريط العازل- أعوان تركيا من المقاتلين والإرهابيين الذين تلطخت أيديهم بدماء السوريين فاضطروا إلى الهرب واللجوء إلى تركيا وهؤلاء هم في معظمهم يعتمدون أساساً على تركيا اعتماداً كبيراً وهي الحاضن الأساس لهم.

أراد الرئيس التركي أن يضرب كما يقولون عدة عصافير بحجر واحد، منها التخلص من هؤلاء لأن هناك ضغوطاً داخلية داخل تركيا وانتخابات قريبة والشارع التركي بدأ يفجر من هؤلاء المهاجرين فبدأ يضغط على الرئيس التركي الذي يحاول إبعادهم إلى هذه المنطقة العازلة ومن ثم يحاول استرضاء المعارضين لتواجدهم في داخل تركيا.

كذلك يبني الجدار العازل بينه وبين سواء كانت قوات سوريا الديمقراطية أو النظام السوري ويؤمن حدوده الجنوبية مع دعم بسيط يقدمه لهؤلاء. والنقطة المهمة بمثل هذه المنطقة أن وجود هذه القوات فيها وهذه الحاضنة المدعومة من قبل تركيا ستثير المشاكل والقلاقل لقوات سوريا الديمقراطية وكذلك النظام السوري.

والجانب الآخر هو الاقتصادي إذ يقوم بتأمين بعض الموارد الاقتصادية فكما نعلم أن المنطقة السورية أغلقت حدودها مع سوريا وبالتالي فهذه تمثل انتكاسة اقتصادية لاقتصاد تركيا المهزوز فيحاول أن يوطن هذه المجموعات ومن ثم تكون هذه المنطقة منطقة تبادل تجاري بين سوريا وبين تركيا وبالتالي سيخبر العالم أنه ليس له علاقة بما يورد إلى سوريا وفي نفس الوقت سيعزز الموارد الاقتصادية لهذه الجماعات وسوف يخرج من الضغط الاقتصادي وما يمثله هؤلاء لديهم. طبعاً هؤلاء كما قلت معظمهم من الدواعش والتنظيمات الإرهابية ولا أقول جميعهم.

*بالتزامن مع هذه الخطوة، تشن تركيا هجمات على قوات الكريلا، ما أهداف هذه الهجمات؟

في نفس الوقت هذا الأمر عزز بهجوم شنته القوات التركية على مناطق تواجد الكريلا، تحاول القوات التركية إضعاف هذه القوات ولكن أنا أرى بأنه من الصعب تحقيق ذلك، هذه القوات تمرّست على قتال العصابات والمناطق التي يستقرون بها خبروها جيداً ويستطيعون المناورة فيها ومتموضعين فيها تموضعاً كبيراً أميناً وسبق لتركيا أن جرّبت حظها مع هذه القوات وفشلت كثيراً.

لا أستطيع القول بأن قوات تركيا وجيش النظام التركي يستطيع أن يخوض غمار هذه الحرب بصورة جيدة وستتعرض القوات التركية إلى هزائم كبيرة رغم الإمكانيات والتفوق العسكري.

لذلك تحاول تركيا الآن تدريب بعض العناصر الموالية للضغط على قوات الكريلا ومن ثم إشغالها ومحاولة انتزاع بعض المناطق الاستراتيجية المهمة منها وهذا أيضاً أمر صعب بما يتوافق مع تحصينات هذه القوات وكذلك إمكانياتها القتالية والمناورة في الحرب ودرايتها بجغرافية المنطقة وكذلك إمكانياتهم في القتال.

*ما خطورة العثمانية الجديدة على الدول العربية والمنطقة؟

هل هناك تأثير على العالم العربي؟ نعم تأثيرها كبير وهذا التأثير كما قلت من خلال الدعاية الإعلامية التي تطلقها تركيا لعشرات القنوات الفضائية الموجهة وكذلك من خلال دعمها للأقليات التركمانية في بعض هذه الدول وجعلها أبواقاً لتركيا ومن خلال السيطرة الإعلامية لبعض المسلسلات التركية التي تصور الرجل التركي بأنه رجل خارق أو المقاتل التركي بأنه خارق وبالتالي أصبح عامة الناس وهؤلاء الأجيال التي ستنشأ وستعتمد على المسلسل التركي والدعاية التركية ومن ثم يصبح تأثير تركيا الإعلامي والثقافي كبيراً في المجتمعات وكذلك الاقتصادي ومن ثم الهيمنة غير المباشرة، لتتحول هذه الهيمنة إلى هيمنة مباشرة من خلال أدوات نحن نصنعها بأنفسنا.

لذلك أنا أقول ومن خلالكم أنه يجب أن يكون هناك وعي ثقافي بما يقوم به الإعلام التركي من خلال بثه للمسلسلات التي تمجد الرجل التركي الخارق وتوصله إلينا على أنه لا يقهر ولا يهزم ولكن الحقيقة هي لعبة التاريخ وانهيار الدولة العربية الإسلامية وكذلك دولة بيزنطة هو الذي أوصل هؤلاء العثمانيين، والذين هم بقايا المغول، إلى سدة الحكم وبالتالي أوصلونا إلى ما أوصلونا عليه من جهل وتخلف وفرقة واقتتال بيننا.

*ما أهمية التعاون العربي – الكردي لمواجهة هذه السياسات؟

التعاون العربي - الكردي كنت دائماً أتحدث عنه في كل الندوات والمؤتمرات التي أحضرها، وكنت حريصاً على أن يحدث هذا التعاون ليس بين الأنظمة والإقليم بل بين الشعوب أي الشعب الكردي والعربي، على سبيل المثال داخل العراق الكرد والعرب أو داخل سوريا الكرد والعرب، بين المثقفين فيما بينهم، أن يتجذر هذا التعاون وأن لا يفهم بمفهوم النزعة التي تقوم على أساس اللاوعي، يجب أن يكون هناك وعي وأن نحاول أن نتخلص من العقلية القومية التي لا تقدم خدمة لا للعرب ولا للكرد.

هذه النظرية حقيقة فشلت وأثبتت فشلها، لا يمكن أن نجبر الكردي أن ينتزع هويته في المناطق العربية ولا يمكن أن نجبر العربي في المناطق الكردية أن ينزع هويته، فإذن هذه التجربة أثبتت فشلها الذريع، لذلك علينا أن نحافظ على توافقية للعيش بسلام وأمن فيما بيننا من خلال تنظيم الندوات على أساس القاعدة الشعبية وليس على أساس الشريحة المثقفة لأن الشريحة المثقفة أثبتت فشلها في تحقيق الأهداف العليا.

إذاً علينا أن ننزل إلى القاعدة الشعبية ونثقف القاعدة الشعبية بأن حجم التعاون ما بين العرب والكرد ضروري لأن هناك عدو مشترك يحاول أن يخضع هذه المنطقة ويهيمن على خيراتها وكذلك ينسب تاريخها لها. كما نلاحظ الآن، كيف تم تدمير إرث تاريخ العراق وهذا كله بإيعاز تركي، لأن تركيا ليس لها تاريخ وتاريخها محدود حتى أنك إذا ذهبت إلى اسطنبول وجدت أن كل تاريخ بيزنطة قد دمّر ولم يبق إلا كنيسة آيا صوفيا، فإذن هؤلاء يحاولون إزالة تاريخ هذه المنطقة لينسبوها إليهم.

في بغداد الآن، السفير التركي يأتي بنفسه إلى مناطق البنايات العثمانية ويقوم بتشييدها وضخ الأموال فيها، في حين أن المراكز العباسية والبنايات العباسية، الحكومة العراقية باللاوعي تجهلها ومن ثم تذهب إلى الزوال وتصبح بغداد عثمانية كما يريد هؤلاء.