​​​​​​​هاني سليمان: المستقبل ليس لأردوغان

Interview with مركز الأخبار – آزاد سفو

قال المدير التنفيذي للمركز العربي للبحوث والدراسات في القاهرة، هاني سليمان، إن تركيا تستخدم أذرع وأدوات مختلفة للتغلغل في المنطقة العربية، وأكد أنها شريكة في قتل المدنيين في سوريا، ولفت إلى أن المستقبل لن يكون لأردوغان.

تستمر التدخلات التركية في المنطقة العربية عبر أذرع مختلفة لتحقيق أطماع أردوغان، وفي هذا السياق أجرت وكالتنا حواراً مع هاني سليمان- المدير التنفيذي للمركز العربي للبحوث والدراسات بالقاهرة- مدير تحرير مجلة "آفاق سياسية"- الباحث في الشأن الإيراني، والملفات الدولية.

ونص الحوار كالتالي:

*ما هي الأطماع التركية في المنطقة العربية والطرق التي اعتمدها  للتغلغل داخل البلدان العربية؟

النظام التركي يحمل مشروع؛ وهذا المشروع في تقاطعاته يختلف في أهدافه وطموحه من المشروع العربي؛ حيث أن النظام التركي الحالي ما زال يقبع في التغني بأمجاد الامبراطورية العثمانية، وما زال حبيس تلك التطلعات ويسعى لتعميق النفوذ التركي في عدد من الدول العربية خاصة في القرن الأفريقي والسودان؛ وكانت هناك محاولات للسيطرة على بعض الدول باستخدام جماعات الإسلام السياسي وجماعة الإخوان في مصر وتونس وليبيا وغيرها.

وتعتمد تركيا مبكراً على استخدام عدة أدوات للوصول لتأثير قوي في العمق العربي من خلال عدة آليات؛ وجود تنسيق وارتباط بين تركيا وبعض الأنظمة التي تتقارب مع الأيديولوجية التركية لمحاولة تعميق العلاقة معها وشق الصف العربي؛ وهو ما تمثله العلاقة التركية القطرية، أيضاً تعميق الارتباط بالجماعات والتنظيمات في بعض الدول العربية لمحاولة استخدامها كجماعات عابرة للولاءات بعيداً عن الوطن، ولفكرة أيديولوجية تسوق لها تركيا، وتساعد تلك التنظيمات تركيا في تطبيق آلية تطويق الدول العربية القوية بحزمة ضغوط سياسية وعسكرية لتحقيق مكاسب أو ابتزازها سياسياً؛ كما يحدث في ليبيا وفي الداخل السوري، أيضاً عبر القوى الناعمة من خلال الاستثمار في الإعلام والميديا والإنتاج السينمائي والتليفزيوني سواء لتحقيق صور ومدركات ذهنية إيجابية لتركيا، أو لكسر عقائد أو ثوابت معينة لدى المواطن العربي، باستدعاء أحداث تاريخية أو مسلسلات تاريخية ودينية للتأثير الاجتماعي العميق في المجتمعات العربية.

*ما هي أذرع تركيا في البلدان العربية، وكيف تحرك هذه الأذرع؟

تمتلك تركيا علاقة قوية مع العديد من الجماعات والميليشيات التي ترتبط معها بعلاقات مصلحية أو بتوافق أيديولوجي، أو وفق ما رسمته تجاذبات وتشابكات المصالح، أو ضرورة التكتلات الحاصلة الآن، والمثال الأوضح الآن هو النموذج السوري، التونسي، المصري؛ حيث هناك ميليشيات وجماعات معارضة مسلحة تستثمر فيها تركيا لمساومة الغرب لتحقيق مصالح، أو باستخدام ورقة اللاجئين والمقاتلين الأجانب وتجنيدهم، وفي استخدام بعض الجماعات القوية التنظيم لمعارضة والتأثير على الحكومات، لكن الورقة الأخيرة انحسرت بشكل كبير في مصر وتونس، لكنها ما زالت موجودة بقوة في ليبيا.

*تركيا جزء من حلف الناتو وعضو فعال فيها. هل تدخلاتها في المنطقة يأتي بأوامر من الناتو أم لا ؟

أعتقد أن التدخلات التركية هي سلوك فردي بالأساس، لكنه يستغل حالة الفراغ الموجودة وعدم الحسم في بعض الملفات، علاوة على أن بعض الدول لديها مصالح في التدخلات التركية أو قد يرى الناتو نفسه أن تركيا تقوم بدور مهم بتكلفة أقل عليه.

*في ليبيا التدخل التركي واضح للعيان، ولكن رغم قرار حظر توريد الأسلحة إلى هذا البلد الذي أسقط الناتو نظام معمر القذافي، لكن لا يتحرك المجتمع الدولي. هل هذا دليل على دعم الناتو لتركيا في ليبيا؟

حلف الناتو لا يحظى بتوافق وإجماع داخلي ككتلة واحدة على ما يبدو، لكنه لديه خط عام واضح وشبه اتفاق عليه، لكن الوضع في ليبيا يحكمه تحركات فردية متضادة خاصة بموقف فرنسا في مواجهة إيطاليا، أو روسيا في مواجهة تركيا، أو المكون العربي في مواجهة التدخلات الخارجية، وكل تلك التعقيدات تجعل اتخاذ قرار موحد وحاسم يحفظ المصلحة الليبية هو أمر صعب للغاية، وبالتالي تركيا دائماً ما تستفيد من تلك التناقضات لصالحها.

والصمت الدولي سببه أن المنظمة الدولية، الأمم المتحدة، والتنظيمات المعنية الأخرى أصبحت في حالة وهن وغير قادرة على فرض السلام وترتيبات التهدئة، والأصوات العليا ما زالت تتحكم في القضايا الرئيسية، مثل سوريا، وليبيا، يوجد تعارض مصالح، وحرب بالوكالة، وكل طرف لديه أولويات واهتمامات، وربما الصمت الأوروبي على السلوك التركي منشأه ذلك التهديد التركي المستمر لأوروبا بورقة اللاجئين والهجرة غير المشروعة وورقة الميليشيات والمقاتلين الأجانب، ويصدر نفسه كحائط صد وصمام الأمان للناتو ودول أوروبا، وهو ما يجعل هناك مساحة لتوازنات وحسابات سياسية معينة في ظل وضع هو معقد أصلاً.

*لماذا لا يتم وضع حد لأردوغان وغطرسته حتى الآن؟ ومن يقف خلف ذلك؟

هناك أكثر من سبب للوضع الحالي واستمرار السياسة التركية منها؛ أن تركيا ما زالت تملك اللعب بخيوط اللعبة على أكثر من مستوى، ورقة المعارضة والجماعات المسلحة في سوريا، ورقة اللاجئين السوريين، ورقة السراج في ليبيا والارتباط معه، وبالتالي هي قادرة على التأثير وتحريك أوراقها بما يشكل تهديد للجانب الأوروبي أو للمصالح الأمريكية في سوريا، وهي تحاول الموازنة مع الدور الروسي في منطقة أخرى من خلال تسريب الضغط إلى الجانب الليبي، كما أن لعبة المصالح المتضادة والحرب بالوكالة في الداخل الليبي ساعدت تركيا على أن تأخذ مساحة للمراوغة والابتزاز خاصة مع موافقة ودعم السراج الذي بات مرغماً للموافقة على الدخول التركي، والعنصر الآخر الأهم هو عدم قدرة الجماعة الدولية على الحسم أو تبني رؤية واضحة، بالعكس، أصبحت هي الأخرى متورطة وأداة للهيمنة في يد قوى معينة، والسبب الآخر المهم هو غياب الدور العربي القادر على طرح رؤية توافقية، وغياب القدرة –حتى في ظل توافرها- على فرضها.

*ما هو دور تركيا في قتل الشعب السوري؟ كيف استغل الشعب السوري وإلى أين يريد الوصول في هذا البلد؟

مسؤولية قتل الشعب السوري هي مسؤولية مشتركة وجماعية؛ متورط فيها الجماعة الدولية والمنظمات وعلى رأسها الأمم المتحدة، وكل الأطراف متورطة في قتل الشعب السوري بنسب مختلفة؛ لا أحد بريء في هذا الأمر؛ بدءاً من النظام الذي انتصر لمصالح ضيقة ورؤية ذاتية، وروسيا التي جعلتها مساحة للهيمنة والنفوذ، وإيران التي تريد تعميق الجرح الغائر في العالم العربي وانتهاز الفرصة لتكوين تحول ديموغرافي أيديولوجي على أسس طائفية، وحتى المعسكر الآخر الذي يبدأ بالولايات المتحدة الأمريكية التي هي أسيرة مصالحها الخاصة في سوريا ولا تتحرك أبعد من ذلك، وصولاً إلى تركيا التي استقطبت كافة الجماعات المسلحة وجندت ميليشيات للحفاظ على مصالحها ضد الكرد، وساهمت بشكل كبير في تأجيج وطأة المواجهات وقتل الآلاف تحت غطاء عمليات تحمل مسميات نقية مثل غصن الزيتون ودرع الفرات ونبع السلام، وطوعت ورقة اللاجئين كأداة مساومة وضغط على سوريا والجانب الأوروبي، الأمر الذي عمق الأزمة وساهم في إبعاد فرص السلام والأمل، تركيا تتحمل، بلا شك، جانب كبير من الخسائر الإنسانية والبشرية في الأزمة السورية؛ فالحديث عن أدوار سامية وعابرة للمصالح في الأزمة السورية هو حديث غير منطقي وواهم.

*هل التحالف بين تركيا وروسيا استراتيجي أم تكتيكي وما هو مصير تركيا في حلف الناتو؟

التحالف بين روسيا وتركيا هو تكتيكي بامتياز، لا يوجد توافق تام، بل هناك خلافات محورية، وتعارض مصالح وصدام بيّن، لكن إذا كانت المصالح تسير بالتوازي ويمكن ضبط حدود كل طرف فلم لا، وخاصة أن سوريا وليبيا غنيمة مهمة لكلا الطرفين، لكن ذلك التنسيق غير المقصود سيصطدم بتناقضات وصراع مصالح كبير بين الطرفين في الفترة القادمة.

وتركيا تستفيد من موقعها في حلف الناتو، لكن أعتقد كان هناك توترات كبيرة في أوقات معينة وحديث عن احتمالية إقصائها منه، لكن أعتقد أن تركيا تقوم بدور مهم في تلك الفترة، ولديها أدوات قد تؤجل هذا الأمر، علاوة على أن تركيا تستفيد الآن من انشغال العالم بمكافحة فيروس كورونا لتعميق وجودها ونفوذها، وأعتقد هذه الوضعية ستستمر لشهور قادمة، وهو ما يجعل كل شيء مؤجلاً لفترة طويلة.

*ما سبب  الموقف العربي الضعيف تجاه المخططات التركية في المنطقة؟

سبب الضعف العربي قائم على اعتبارات غياب التكامل والتنسيق العربي الكامل، علاوة على اعتماد تركيا خلق أو الاستفادة من التصدع في النسيج العربي الذي يقوم به بعض الأطراف سواء دول واستغلال مساحة الخلاف الموجودة مثل قطر، أو بعض التنظيمات والجماعات، مثل جماعة الإخوان المسلمين، علاوة على غياب القدرة على التأثير العميق وفرض الحلول الأمنية والعسكرية من جانب الدول العربية، وبخاصة في ظل التحول المهم وبداية التراجع منذ الاختبار الصعب في حرب الخليج الثانية، مروراً بفترة ما بعد 11 سبتمبر، وصولاً لمرحلة احتجاجات "الربيع العربي"، وكلها نالت من قدرات الدول العربية وجيوشها الوطنية، ووحدة قراراتها، وحجم الخلاف الموجود.

*كيف تؤثر التدخلات الخارجية على الداخل التركي؟

تركيا مثلها مثل إيران، لديها توجه ومشروع أيديولوجي مسيطر عليها، بما يجعلها تسخر كافة مواردها الاقتصادية والعسكرية لدعم الخارج على حساب الداخل؛ وهو الأمر الذي يفضي لجملة من الرهانات الخاسرة اقتصادياً، وهو ما حدث من تراجع سعر الليرة التركية ووجود أزمة اقتصادية كبيرة، وسياسياً، بتراجع الدعم الشعبي للعدالة والتنمية ووجود تظاهرات وسخط شديد على سياسات أردوغان، وهو ما مهد لخسارة انتخابات المحليات، ووجود حملة انسحابات من الحزب الحاكم من قيادات وزعامات تاريخية، وإنشاء أحزاب سياسية معارضة جديدة، وغلق المجال العام، واجتماعياً، وعسكرياً، من خلال استنزاف موارد الدولة في دعم الجماعات والتنظيمات، وتوجيه قدرات الجيش لمعارك استنزافية وهامشية، بما ينعكس سلباً على الدولة ككل.

*ما هو مصير نظام أردوغان في ظل زيادة عدد الأعداء خارجياً والأجواء المشحونة داخلياً؟

أعتقد أن كافة المؤشرات تدل على أن أردوغان لم يعد يحظى على المستوى الداخلي بنفس الدعم الموجود من قبل، واتضح ذلك في تظاهرات المعارضة مبكراً، وفي انتخابات المحليات، وأخيراً في جملة الانشقاقات عن الحزب وخروج رموز وتكوين أحزاب جديدة معارضة، ووضع اقتصادي متراجع بشكل كبير عن ذي قبل.

وعلى المستوى الخارجي، هناك مناوشات وخلافات عميقة بين ألمانيا وتركيا، وباءت محاولات تركيا لدخول الاتحاد بالفشل، وما تبعها من علاقة متوترة نتاج تهديد أردوغان المستمر لأوروبا بترك اللاجئين وهي الورقة التي يجيد استخدامها، وعدم الترحيب بسلوك تركيا وعملياتها في سوريا من قبل حلف الناتو.

هذه التحولات فرضت نوع من العزلة الداخلية والإقليمية بالنسبة لأردوغان، الأمر الذي بات يهدد حضوره وكاريزميته، وفرصه في الاستمرار كزعيم لتركيا في ظل هكذا سياسات تأخذ من فرص المواطن التركي وتصطدم بالمحيط الاقليمي، وأعتقد أن المستقبل لن يكون لأردوغان في ظل صعود وجوه جديدة واعدة تحظى بقبول لدى الشارع التركي، قد تكون قادرة على قيادة تركيا نحو سياسة أقل تدخلاً في الخارج وأكثر انضباطاً، وإصلاحاً اقتصادياً في الداخل.

(ح)

ANHA