غياث نعيسة: روسيا قدمت حلاً خبيثاً لتركيا وسط التقلب السريع للوضع السوري

Interview with سيدو إيبو/ مركز الأخبار

سيدو إيبو/ مركز الأخبار

أشار غياث نعيسة إلى أن روسيا قدمت حلاً خبيثاً لتركيا حول نواياه تجاه الشمال السوري عبر التذكير باتفاقية أضنة، مبيناً أن الوضع في سوريا متقلب وسريع الانتقال من مرحلة إلى أخرى، مؤكداً أن حل الأزمة السورية يكمن في تطبيق اللامركزية الديمقراطية.

شهدت الساحة السورية في الفترة الأخيرة تقلبات وتغيرات طرأت على الساحتين السياسية والعسكرية على الصعيدين الإقليمي والدولي، بعيد قرار الانسحاب الأمريكي وإطلاق التركي للتهديدات بشن عملية عسكرية على مناطق شمال وشرق سوريا، إلى جانب تغير في السياسات التركية حول المنطقة والتذكير باتفاقية أضنة، بعد اللقاء الذي جمع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان.

وتعقيباً على هذه المتغيرات، أجرت وكالة أنباء هاوار حواراً مع المنسق العام لتيار اليسار الثوري السوري الدكتور غياث نعيسة، وجاء الحوار على الشكل التالي:

vهددت الدولة التركية على لسان مسؤوليها بشن عملية عسكرية على مناطق شمال وشرق سوريا، كيف تقرأ هذه التهديدات؟

يمكن قراءة تهديدات الدولة التركية بعملية عسكرية على شمال وشرق سوريا من عدة أوجه. أولها، أن الدولة التركية لديها حقد وفوبيا حقيقية من أية تقدم يذكر لتحرر الشعب الكردي، في أي رقعة من تواجده. هذا الهاجس الشوفيني المعادي لتحرر الشعب الكردي لدى الدولة التركية نجد مفاعيله في كل البلدان التي تتقاسم كردستان، فالدولة التركية خلفت باتفاقية السلام مع الحركة الكردية في تركيا، وهي وقفت ضد الاستفتاء الذي جرى في إقليم كردستان العراق من أجل الاستقلال، رغم العلاقة الجيدة بين تركيا ورئاسة إقليم كردستان والأخيرة هي التي بادرت بطرح فكرة الاستفتاء. مما أن تركيا تتعاون مع إيران في قمع الحركة الكردية في كردستان إيران، وبما يخص سوريا، قامت تركيا باحتلال عفرين مع مرتزقتها وتهدد بالاعتداء على مناطق الإدارة الذاتية، لأن شبح تحرر الشعب الكردي يشكل كابوساً لها ولطموحاتها  العدوانية.

من جهة ثانية، فإن تهديد، بل ورغبة، الدولة بالعدوان على شمال وشرق سوريا، يتوافق مع استراتيجية الدولة التركية للتحول إلى الدولة الإقليمية الأهم في المنطقة، ومحاولتها للتحول إلى اللاعب الأساسي، أو أحد اللاعبين، في تقرير مصير سوريا، وتقوية نفوذها طويل الأمد في بلادنا، ونجاحها بذلك يعني تحول تركيا إلى دولة إقليمية فاعلة ومهيمنة. دون أن ننسى أن توسع نفوذها الاحتلالي يترافق مع إنعاش لاقتصادها المهتز وتوسيع لأسواقها. هنالك إذاً أسباب اقتصادية وجيوسياسية للنزعات العدوانية والامبريالية للدولة التركية.

vصدرت تصريحات من تركيا حول وجود علاقات غير مباشرة مع النظام السوري، على ما تدل هذه التصريحات بعيد لقاء أردوغان وبوتين؟

التصريحات التركية عن تواصل غير مباشر بين النظام التركي والنظام السوري، ترددت بشكل أكبر بعد لقاء القمة بين بوتين وأردوغان قبل أيام، وهو يأتي في سياق يؤكد ما يكرر المسؤولون الروس ذكره، لجميع الأطراف الدولية، بضرورة التنسيق مع النظام السوري بصفته الحكومة " الشرعية" في سورية.

وإذا عرفنا بأن النظام السوري نفسه قد أصبح، وإلى حد كبير، تحت الوصاية الروسية، فيمكننا أن نفهم ببساطة، أن الروس يقولون للجميع، إن ما نقرره، لا نقرره بصفتنا الحكومة الروسية فقط، بل كأوصياء على النظام السوري. هكذا تبدو الحكومة الروسية وكأنها تدعو تركيا لتحسين علاقاتها مع " وكيلها" النظام السوري.

vبما تفسر تغيير السياسات التركية في تهديداتها للشمال السوري من شن عملية عسكرية وتركيزها على منطقة آمنة، ومن ثم اتفاقية أضنة؟

في الواقع، أن الدولة التركية سارعت بإعلان نيتها القيام بعملية عسكرية في شمال وشرق سوريا بمجرد إعلان الرئيس الأمريكي سحب قواته منها، هذا التسارع التركي بإظهار النوايا العدوانية العسكرية تجاه مناطق جديدة سورية، كشف النوايا التوسعية للنظام التركي. وتجاهل الإعلان التركي بحشد قواته من أجل قيامه بعملية عسكرية وشيكة، تجاهل عدة حقائق، أولها، أن تكلفة غزو مناطق الإدارة الذاتية سيكون مكلفاً وبشكل باهظ له، وأنه ستكون له ارتدادات عنيفة داخل تركيا نفسها. كما اكتشفت تركيا، أن حليفها الاستراتيجي "أمريكا" لا تبارك هكذا عملية عسكرية تركية في سورية، لأنها لا تستجيب لمصالح أمريكا في سورية، وبدا الأمر، وكأن الإعلان الأمريكي بالانسحاب، أتى لفضح نوايا الأطراف الفاعلة في سوريا، تجاه مناطق شمال وشرق سوريا. في المقابل، فإن روسيا، وأيضاً، ايران، لا يرغبان بأن توسع تركيا من هيمنتها على المزيد من الأراضي السورية، ولا سيما أنهما غضا الطرف عن الاحتلال التركي لعفرين  قبل عام، لأن توسع النفوذ التركي في سوريا يعني تعزيز أوراق تركيا كلاعب في المشهد السوري، وهو ما لا ترغب روسيا به، لأنها روسيا تريد أن تبقى اللاعب الفاعل الأهم الرئيسي المقرر للمسار السوري.

باختصار فقد وجدت تركيا أن أياً من الدول الدولية والإقليمية لا يدعم عملياتها العسكرية المعلنة تجاه شمال وشرق سوريا، وبقيت عارية وحدها، وإن خاضت مغامراتها وحدها فستجد نفسها في مواجهة مقاومة شعبية كبيرة وأيضاً أطراف إقليمية ودولية مستفزة تجاهها، من هذا يأتي تراجع حدة التهديدات التركية، لكن ذلك لا يلغي احتمال الرعونة في سياسات الدولة التركية.

vهل العودة إلى التذكير باتفاقية أضنة من قبل تركيا، تشير إلى وجود تقارب بين تركيا والنظام على حساب الفصائل المسلحة في إدلب وريف حلب الشمالي؟

إن التذكير باتفاق أضنة، جاء على لسان الرئيس بوتين بعد لقائه مع الرئيس التركي مؤخراً. ومن ثم تناوله بعض المسؤولين الأتراك.

في قناعتي، أن هذا يشير إلى قضيتين، الأولى أن روسيا لم تعط تركيا ضواً أخضر لعملية عسكرية واسعة، كما سبق أن فعلت تجاه عفرين، بل قدمت لتركيا حلاً خبيثاً، تحدده تخوم اتفاقية أضنة لعام ١٩٩٨ بين تركيا والنظام السوري، ومن شرط ذلك أن يتفعل الاتفاق على تركيا بأن تعترف بشرعية النظام السوري، ليتم ذلك.  مقابل أن تسهل تركيا معالجة الأوضاع في إدلب لصالح النظام وحلفائه. هذا هو السقف الذي حدده الروس، برأيي، للطرف التركي.

لكنني أود أن أذكر أمراً هاماً، وهو أن الوضع في بلادنا متقلب وسريع الانتقال من حال إلى آخر، كما أن علينا أن لا نستند أو ننام على مخدة وعود الدول الإقليمية والدولية، لأن الأخيرة تعمل من أجل مصالحها الخاصة وحسب.  بل علينا أن نستند، أولاً وأخيراً على طاقاتنا الذاتية وقدرات شعبنا، وعلى استراتيجية تحرر واضحة لنا ولشعبنا.

vإلى ما ستفضي الأمور في الشمال السوري، بين قرار الانسحاب الأمريكي وإنشاء منطقة آمنة واتفاقية أضنة، تزامناً مع اقتراب معركة دحر الإرهاب بقيادة قوات سوريا الديمقراطية في ريف دير الزور إلى نهاية خلافة داعش المزعومة، بحسب رأيك؟

علينا أولاً أن نقر بأن الوضع قلق جداً، وأن استمرار الوضع الراهن دون تغيير فيه، هو نتيجة لمعادلة صفرية بين مصالح الدول الفاعلة والمتدخلة في سوريا، فكما نرى فإن الانسحاب الأمريكي،  لم يعد سريعاً، والمنطقة الآمنة التي ترغب بها تركيا، تحولت برغبة روسية إلى إطار أضيق هي اتفاقية أضنة بشرط أن تتعامل الحكومة التركية مع النظام السوري... الخ.

لكن هذا التوازن بين مصالح الدول غير ثابت ومتحول. وبالنظر لكثرة الدول والأطراف التي تنظر بعين العداء لتجربة الإدارة الذاتية، فقد يدفع ذلك بالبعض إلى الارتباك والتناقض بالسياسات أو الرهانات. في هكذا ظروف حرجة، نحتاج إلى عقول باردة وسياسات واضحة،  لكي لا نتشتت بمواقفنا أو يسوء فهمها ونفتقد لصدقيتنا والتعاطف الشعبي معنا. نقطة البداية في التحليل، أن الدول الإقليمية والدولية المتدخلة في سوريا، لها مواقف، نابعة عن مصالح متناقضة إلى حد ما فيما يخص شمال وشرق سوريا خصوصاً، ومستقبل سوريا عموماً. وبالتالي، فإن أحد منها لن يجرأ، نظرياً، على كسر هذا التوازن، في المرحلة المنظورة على الأقل، دون أن يخاطب لاندلاع نزاع مسلح يتجاوز حدود المنطقة.

ثانياً، أن تماسك الإدارة الذاتية وقدراتها العسكرية والحاضنة الشعبية لها، تجعل أي طرف يريد الاعتداء عسكرياً عليها، يحسب حساب التكلفة الباهظة جداً لهكذا اعتداء وانعكاساته الواسعة. لكن ذلك لا يعني، النوم على وسادة، بل يعني أن علينا أن نعد العدة لكل الاحتمالات. شعبياً وسياسياً وعسكرياً. خطابنا يجب أن يكون واضحاً، تجاه الجميع ومعلن، مواقفنا يجب أن تتطابق مع ممارساتنا. نحن لا نعادي أحداً لكننا سندافع عن بلادنا وحريتنا وتجربتنا، نحن لا ندافع عن ديمقراطية وحرية جزء من سورية، نحن ندافع عن استقلال وحرية ومستقبل ديمقراطي لكل سورية، نحن لسنا كل السوريين، لكننا الجزء الفاعل والمخلص لكل السوريين، وندعو كل القوى الوطنية والديمقراطية السورية للتعاون والعمل المشترك، من أجل استعادة وحدة سورية وتخليصها من الإرهاب والاحتلالات وبناء نظام سياسي ديمقراطي لا مركزي جديد يقوم على أنقاض النظام القديم. معركتنا وتضحياتنا ليست من أجل عرقية أو قومية أو مناطقية ما،  إنها معركة من أجل تحرر كل السوريين.

لذلك فإن واجب كل ديمقراطي ووطني سوري أن يدعم كفاح شعبنا في شمال وشرق سوريا، لأن انتصارنا هناك هو انتصار لعموم شعبنا، وهزيمتنا هناك ستكون هزيمة لعموم السوريين. أدعو كل القوى والشخصيات الديمقراطية والعلمانية للالتقاء والالتفاف حول برنامج ديمقراطي واجتماعي يبني سوريا الجديدة والحرية والديمقراطية واللامركزية والعدل الاجتماعي، وفي قلب هذه الدينامية مجلس سورية الديمقراطية، ونقطة ارتكازها هي مناطق شمال وشرق سوريا.

vبرأيك كيف يمكن حل الأزمة السورية في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة؟

عندما تلتف القوى الديمقراطية والعلمانية والاجتماعية السورية حول برنامج للانتقال الديمقراطي،  وهي دينامية أطلقتها إلى حد كبير لقاءات عين عيسى "حوار السوري سوري"، فإن الوثائق والآليات الصادرة عن هذه اللقاءات تشبه إلى حد كبير وثائق " المؤتمر السوري العام" لعام ١٩١٩-١٩٢٠ أي أنها نوع من "البرلمان" الشعبي، القادر على طرح هيئة دستورية، ويعبر عن صوت التلوينات المتعددة السياسية والعرقية للشعب، يحملها الإطار السياسي الواسع، أي مجلس سوريا الديمقراطية وربما مع آخرين، في أي سياق سياسي تفاوضي للانتقال الديمقراطي، ويقطع الطريق على أية محاولة لإعادة إنتاج النظام الاستبدادي القديم.

(ل)

ANHA