سيفه إيزولي: الأطراف الإقليمية والدولية متواطئة على إقصاء الكرد عن العملية السياسية

Interview with  مركز الأخبار- شرفين مصطفى

شدّدت الدكتورة في القانون الدولي سيفه إيزولي، على أن اللجنة الدستورية المُكلفة بصياغة الدستور يجب ألا تكون مسلوبة الإرادة بل مستقلة. وأُعلن عن تشكيل اللجنة بعد توافق بين تركيا وروسيا وإيران.

حاورت وكالتنا ANHA الدكتورة في القانون الدولي سيفه إيزولي المقيمة في عاصمة فرنسا باريس حول آلية صياغة الدستور وفق القانون الدولي، وما إذا تتم آلية صياغة الدستور السوري حالياً وفق القانون الدولي.

هل تعتبر الدساتير السورية التي تم تبنيها منذ عام 1920 ودستور 1973 و الدستور الأخير لعام 2012  دساتير ديموقراطية وفق القانون الدولي؟    

‏في البداية لا بد من التنويه على أنه لا يوجد في القانون الدولي قاعدة قانونية وحيدة ملزمة تحكم صياغة الدساتير وتحدد مضمونها، فالدستور هو الرمز الأسمى لسيادة الدولة واستقلالها، لهذا فإن لكل دولة الحق أن تختار بكل حرية ودون أي تدخل خارجي، دستورها وطريقة صياغته، بشرط أن تحترم المبادئ والأسس الديمقراطية المُعترف بها عالمياً، وأهمها أن يعكس ويعبّر عن إرادة الشعب الحرة وتطلعاته، ويضمن له التمتع بالحقوق والحريات الأساسية المعترف بها بالعهود والمواثيق الدولية.

بشكل عام في ظل الأنظمة الديمقراطية تتم صياغة الدستور بطريقتين، إما من قبل لجنة برلمانية منتخبه خصيصاً لهذا الغرض، وإما أن تتم الصياغة من قبل الحكومة أو من قبل لجنة من المختصين. ‏الصياغة من قبل لجنة من المختصين لها ميزاتها كونها براغماتية سريعة، ولكن غالباً ما تفتقد الى الشرعية كون أعضاءها غير منتخبون مباشرة من قبل الشعب بعكس اللجنة البرلمانية، ‏لهذا لابد من عرض الدستور الذي تقترحه على الاستفتاء الشعبي لكي يحظى بالشرعية المطلوبة وفق القانون الدولي.

‏بالنسبة لدستور 2012 فقد تمت صياغته في ظروف خاصة بعد اندلاع الثورة السورية وبهدف الالتفاف عليها، وقد أُوكلت الصياغة إلى لجنة دستورية شُكّلت لهذا الغرض، حيث شكّل ممثلو حزب البعث ثلث أعضائها لضمان نتيجة التصويت على قراراتها.

‏ورغم التعديلات الإيجابية التي تم النص عليها في هذا الدستور كإلغاء المادة الثامنة التي تُكرّس هيمنة حزب البعث على كافة مرافق الدولة وتحديد الولاية الرئاسية بولايتين، ‏وتكريس بعض الحريات العامة والفردية إلى أن هذا الدستور لم يحدث تغييرات جوهرية ‏ترقى إلى ما يطمح إليه الشعب السوري وإلى التضحيات الجسيمة التي قدمها بهدف الوصول إلى نظام ديمقراطي حقيقي يُكرّس قولاً وفعلاً الحريات العامة والحقوق الأساسية لكل مكونات الشعب السوري. 

من هنا فإن النقاشات الجارية حالياً حول تشكيل اللجنة الدستورية لها أهميتها الكبيرة على الرغم من أن وضع دستور جديد للبلاد ليس العقبة الوحيدة في وجه إحلال السلام ‏والاستقرار، ولكن الدستور هو العمود الفقري للدولة، والتجارب الدولية تظهر أن ما سيتم اعتماده من قبل هذه اللجنة الدستورية، سيشكل الأساس والدعامة التي ستبنى عليها سوريا ما بعد الأزمة. خاصة فيما يتعلق بشكل الدولة ونظامها واسم الجمهورية ‏وتكريس فصل السلطات و مبدأ المحاسبة وترسيخ دولة القانون والتعددية وحماية الحريات الأساسية والاعتراف الدستوري بحقوق وخاصية كل مكونات الشعب السوري. 

من الناحية القانونية والمتعارف عليه في الدساتير، كيف يمكن أن يكون الدستور شرعياً وديمقراطياً يعكس التوافق بين كافة الأطراف السورية ومختلف شرائحها؟

‏من المؤكد أن الدساتير السابقة التي حكمت الجمهورية السورية لم تكن في غالبيتها دساتير ديمقراطية، حسب المعايير المعتمدة في القانون الدولي، ولكي يكون الدستور شرعياً وديمقراطياً لابد من أن تكون سُبُل صياغته وإقراره ديمقراطية، ‏وأن يحترم في مضمونه الحقوق والحريات الأساسية التي تكرسها العهود والمواثيق الدولية، خاصة المعنية بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات العرقية والدينية، ولابد أن يكون تجسيداً للتعبير الحر والمباشر عن إرادة الشعب الحرة، لهذا فإن من أهم مقومات اللجنة المُكلّفة بصياغة الدستور ألا تكون مسلوبة الإرادة بل مستقلة ومفوضة من الشعب، تمثله بكافة أطيافه وتعبر عن تطلعاته، وهو ما يبدو غير متوفراً في اللجنة الدستورية.

‏بالتأكيد إن الوضع السوري اليوم لم يعد يحتمل المماطلة وأنه لابد من المباشرة بخطوة أولى لأن الاستمرار على هذه الوتيرة ليس في مصلحة الشعب السوري، ولا بد من حل سلمي سريع عبر التفاوض لإنهاء حالة الحرب الدائمة منذ أكثر من ثمان سنوات والتي فتكت بأكثر من ‫نصف الشعب السوري ودمّرت كل البنى التحتية للدولة السورية. 

‏‏ولكن ضرورة الخروج السريع من الوضع الحالي، يجب أن لا تكون على حساب احترام حق الشعب السوري باختيار دستوره، اللجنة الدستورية التي تم الاتفاق عليها تماشياً مع مخرجات مؤتمر سوتشي، تثير على الأخص إشكاليتين بالنسبة لآلية تكوينها - دون التكلم عن نظام عملها وآلية تبني قراراتها - تتركزان حول نقطتين أساسيتين:    

الأولى هي ‏عدم استقلاليتها كون بعض الدول المتصارعة على الساحة السورية مارست حق الفيتو في تعيين أعضائها، وبذلك فإنها لا تمثل بشكل مطلق إرادة الشعب الحرة، ولا تعبر عن سيادته واستقلاليته.

والنقطة الثانية هي عدم شموليتها وإقصائها لمكون أساسي من مكونات الشعب السوري وهو المكوّن الكردي.  

‏وبذلك فهي ومنذ لحظة تأسيسها تنتقص للشرعية، وتخرق أحكام القانون الدولي وخاصة قرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي نص على أن مجلس الأمن " ‏يكرر التأكيد على أنه ما من حل دائم للأزمة الراهنة في سوريا إلا من خلال عملية سياسية جامعة بقيادة سورية تُلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري" ‏وتؤكد الفقرة الأولى من القرار على السعي لانتقال سياسي بقيادة سورية وفي ظل عملية يمتلك السوريون زمامها من أجل إنهاء النزاع في سوريا، ويُشدد على أن الشعب السوري هو من سيقرر مستقبل سوريا ، كما تنص فقرته الرابعة على دعم مجلس الأمن "العملية السياسية بقيادة سورية تيسرها الأمم المتحدة وتقيم ‏في غضون فترة مستهدفة مدتها ستة أشهر، حكماً ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية. 

‏من الواضح بأن اللجنة الدستورية التي شُكّلت الآن ‏لا تستوفي الشروط التي اعتمدها قرار مجلس الأمن، ولهذا فإنه من الصعب أن تتوصل إلى صياغة دستور يعكس أولا إرادة وتطلعات الشعب السوري قبل مصالح الدول المتصارعة على الأرض السورية.

هل يحترم الدستور الحالي حقوق المكوّنات وهل يمكن لهذه اللجنة صياغة دستور يفي بهذا الغرض؟

‏الدساتير التي تعاقبت على سوريا هي دساتير شمولية وبعيدة تماماً عن احترام التعددية سواء كانت التعددية السياسية أو التعددية العرقية والدينية، ‏وهو ما يصح  تسميته بالجمهوريات الجاكوبية الوحدوية التي تُكرس العرق والدم الواحد واللغة الواحدة والانتماء الواحد  كالدولة التركية وحتى أيضا الدولة الفرنسية.

مع أن التكريس الدستوري لحقوق الأقليات بكل فئاتها ليس فقط مطلب ديمقراطي، وإنما أيضاً شرط لابد منه ودعامة أساسية لإرساء السلم الأهلي الدائم وضمان وحدة وسيادة البلد. 

‏هناك العديد من التجارب الدولية التي أظهرت أن الدساتير التي تم تبنيها بعد أزمة سياسية أو حرب أهلية، إن لم تضمن بشكل خاص حقوق الأقليات فإنها لن تستطيع أن تضمن السلام الدائم. على سبيل المثال فإن الدستور العراقي الذي تم تبنيه في 15‏/10‏/2005 ‏رغم أنه حاز على 78.59% نعم خلال الاستفتاء عليه، مقابل 21.41% لا ، إلا أنه لم يجلب السلم والأمان للشعب العراقي نتيجة شعور المُكوّن السني العربي بتهميشه وحتى بإقصائه عن العملية السياسية، على الرغم من أن ١٧ مندوب من أصل٧٦ شارك في لجنة صياغة الدستور, بإمكاننا أيضاً ذكر تجربة رواندا وسيراليون وصربيا والكوسوفو والكونغو الخ. 

‏بالتأكيد الدستور ليس العامل الوحيد الذي يضمن السلم الأهلي ويؤدي إلى بناء الدولة والإنسان الذي دمرتهما الحرب الأهلية، البناء عملية شاقة جداً وصعبة، تستلزم سنوات عديدة وجهوداً جبارة. ولكن الدستور هو اللبنة الأولى أو على الأصح الدعامة الأساسية التي سيُبنى عليها، ومن هنا تكمن أهميته ووجوب عدم الاستخفاف به.

إقصاء الكرد من صياغة الدستور..

‏بالنسبة لسوريا فضمان السلم الأهلي المستقبلي يمر عبر الاعتراف بالخاصية السورية كونها دولة متعددة الأعراق والأديان. ‏ومن السذاجة الاعتقاد بإمكانية العودة للتعايش السلمي بين مختلف المكونات وفق نموذج الدولة المركزية السائد ما قبل2011   

على الرغم من نقاط الخلاف العديدة والعميقة بين النظام وقسم كبير من المعارضة، إلا أن الطرفين اتفقا على ضرورة إقصاء المكوّن الكردي من العملية السياسية والعمل لإعادة بناء دولة مركزية وحدوية رافضين بذلك كل شكل من أشكال النظام اللا مركزي الفيدرالي. 

‏ومع أن الكرد قد لعبوا دوراً أساسياً في محاربة الإرهاب وخاصة إرهاب داعش وقدموا عشرات الآلاف من الشهداء في سبيل حماية وسلامة الأراضي السورية، إلا أنه تم إقصائهم عن العملية السياسية وعن كل المحادثات التي دارت في جنيف وأستانا وسوتشي، ‏بفعل الضغط التركي و ضغط النظام، بالإضافة إلى غياب الدعم السياسي والدبلوماسي للدول الغربية حلفائهم في محاربة الدولة الإسلامية وخاصة أميركا وفرنسا، ولم تستعملا ثقلهما الدولي لفرض مشاركة الكورد، خاصة الإدارة الذاتية، في العملية السياسية. 

ويلاحظ من التصريحات الأمريكية والفرنسية بأن الدعم المقدم للإدارة الذاتية يقتصر على الجانب العسكري بهدف القضاء على داعش، دون الإشارة الى قضية الشعب الكردي وضرورة وصوله إلى حقوقه الشرعية المهضومة. 

 يبدو اليوم وهذا من المفارقات العجيبة للوضع السوري أن كل الأطراف الإقليمية والدولية متواطئة على إقصاء المكوّن الكردي عن العملية السياسية، رغم ‏وجودهم الواسع والقوي على الأرض والدور الكبير والإيجابي الذي لعبوه منذ اندلاع الثورة، الكرد غير ممثلون اليوم في اللجنة الدستورية التي تضم ١٥٠ عضواً، فوفد النظام المكون من 50 عضواً ليس بينهم ممثل واحد عن المكون الكردي، والخمسون الذين يمثلون المعارضة بينهم شخصيتين من أصول كردية تم اختيارهما على أساس انتمائهم العرقي وتشاركان على أنهما جزء من وفد الائتلاف، وليس بصفتهم كممثلين للمجلس الوطني الكردي الذي هو جزء من الائتلاف السوري، ‏أما بالنسبة للخمسين الباقية والذين تم اختيارهم من قبل المبعوث الأممي فإن أسمائهم ما زالت مجهولة، وحتى ولو كان بينهم بعض الشخصيات الوطنية الكردية، فهذا لا يعني وجود تمثيل كردي لأن هذا التمثيل يتطلب وجود وفد مستقل باسم المكوّن الكردي يضم ممثلين مشتركين عن الإدارة الذاتية وعن المجلس الوطني الكردي، ويتكلم باسم الشعب الكوردي ويُعبّر عن طموحاته بضمان الاعتراف الدستوري بوجوده وتكريس حقوقه القومية المشروعة في ظل سورية دولة ديموقراطية فدرالية تضمن حقوق كل المواطنين والأقليات، وتأكيده على نبذ كل نزعة انفصالية والعمل على ضمان وحدة الأراضي والسيادة السورية . 

‏بالتأكيد ما يمكن المطالبة به من أجل المكوّن الكردي يجب النص عليه وحمايته من أجل كل المكونات الأخرى وكل الأقليات العرقية أو الدينية، فقط بإقامة دولة تعددية تحترم المختلف قبل المطابق، والأقلية قبل الأكثرية يمكن الوصول الى دولة ديموقراطية تعددية وترسيخ أسس سلام عادل و دائم .

ANHA