د. هدى رزق: مشروع العثمنة الجديدة فشل في البلدان العربية

Interview with كيفارا شيخ نور

مركز الأخبار

قالت الباحثة في علم الاجتماع السياسي وفي الشأنين التركي والكردي د. هدى رزق، إن مشروع العثمنة الجديدة التي قادها أردوغان والقائمة على التدخل في البلدان العربية عبر دعم الإخوان المسلمين، فشل فشلاً ذريعاً، وأكدت أنه لا يمكن للعثمانية أن تُعيد إنتاج نفسها في المرحلة الحالية لأن الزمن اختلف والدول اختلفت وكذلك الأمر أن هذا المشروع الأيديولوجي لن يكون له موقع في القرن الـ21.

قيّمت الباحثة في علم الاجتماع السياسي وفي الشأنين التركي والكردي د. هدى رزق، في حوار مع وكالتنا، التدخل التركي في المنطقة العربية والمشروع الذي اعتمده رجب طيب أروغان لإعادة إحياء أمجاد السلطنة العثمانية. إذ أكدت د. هدى رزق أن أردوغان تدخل في سوريا ودعم المُسلحين غالبيتهم مُصنفون على لائحة الإرهاب الدولي حالياً ويتواجدون في إدلب، وقالت إنه خائف من حصول الشعب الكردي على "حكم ذاتي" في سوريا وانعكاس ذلك على الوضع في تركيا.

*حكم العثمانيون المنطقة العربية لمدة 4 قرون؟ كيف حكم العثمانيون المنطقة وما الذي فعلوه بالعرب؟

لا يمكن وصم 4 قرون من عصر السلطنة العثمانية على أنه عصر ظلام كما يدعي بعض المؤرخين، ولكن نستطيع أن نقول أنه على الصعيد السياسي، حاولت بعض الدول وبعض الشخصيات السياسية التاريخية في العالم العربي الاستقلال خلال فترة حكم العثمانيين للمنطقة، لكنها ضُربت وفشلت لأن السلطنة العثمانية كانت قد فرضت سلطتها على كافة المفاصل الإدارية في الدول العربية سواءً في مصر أو لبنان أو سوريا أو مجمل الدول العربية الأخرى.

لا شك أنه قامت بعض الحركات في دول الخليج وغيرها من الدول العربية ضد السيطرة العثمانية ولكنها باءت بالفشل لأن السلطنة العثمانية كانت قوية عسكرياً وكان لديها اتباع يسيطرون على المنطقة لصالحها.

ولكن يمكن القول أن التراجع حدث عندما بدأت السلطنة العثمانية بالهزيمة وذلك في فترة التراجع التقني والعسكري والتجاري عند التطور التقني الغربي مع الثورة الصناعية، أي يمكن الحديث عن فترة عام 1908 عندما حكم الاتحاد والترقي المنطقة، حيث تولى العسكريون السلطة وقاموا بحملة تتريك واسعة متزامنة بحملة إعدامات لكل من نادى بالقومية وعُلّقت المشانق. لذا يمكن اعتبار هذه الفترة فترة ظلام وهي الفترة التي ألحقت الضرر بالدول العربية ورجالاتها.

*ما مدى أوجه الشبه بين الحكم العثماني وحكم أردوغان الحالي الذي يحاول تنصيب نفسه كخليفة في المنطقة عبر استغلال الدين؟

تحاول تركيا التدخل في ليبيا لأسباب مصلحية، والتدخل أيضاً في أفريقيا كي تجد لها مكاناً في السيطرة الإقليمية على البحر الأحمر.

وخسارة مشروع الإخوان المسلمين في مصر يعتبر نكسة كبيرة للمشروع التركي، وبالنسبة لسوريا فلم تسجل المعارضة السورية التي تدعمها تركيا أي انتصار بل تورطت تركيا بدعمها دون التمييز، ودربتها من أجل إسقاط النظام في سوريا.

وهذه القوى الإسلامية المُسلحة والفصائل الأخرى التي دعمتها تركيا أُدرجت على لائحة الإرهاب ولكن القسم الكبير منها لا زال يقاتل في إدلب.

*تسعى تركيا للتوغل في المنطقة العربية وخصوصاً في سوريا وليبيا والسودان. ما هي أهداف النظام التركي من هذا التوغل؟

في سعيه نحو تحديد العمق الاستراتيجي، انطلق وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو من فكرة أن تركيا يمكن أن تطلع بدور إقليمي عبر اتباع سياسية خارجية تحابي المناطق التي كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية الممتدة من شرق المتوسط وشمال أفريقيا وبين النهرين عبر توظيف ديناميتها الاجتماعية والاقتصادية وإعادة بناء علاقات قائمة كانت تاريخية واضمحلت خلال القرن العشرين بسبب التركيز الأتاتوركي على العلمنة الداخلية والتركيز على النزعة القومية التركية لذا شدّد على أنه لا تناقض بين تقاليد الدين الإسلامي من ناحية وعلمية إشاعة الديمقراطية والتحديث من جهة أخرى.

أردوغان كان مقتنعاً بهذه المسألة وكان يعتبر أنه مع الانتفاضة التي حصلت في تونس وأيضاً في مصر بأنه يستطيع أن يرعى الإخوان المسلمين في المنطقتين وبأنه لا بد من التغيير وهذا التغيير سيكون تغييراً داخلياً ولكن ترعاه تركيا، وتركيا تستطيع أن تعود للمنطقة عبر دعمها للإخوان المسلمين وبذلك يمكنها أن تكون النموذج، وعلى نفس النموذج تدخلت تركيا أيضاً في سوريا واستثمرت في الربيع العربي لتوثيق علاقاتها الدولية ومحاولة إعادة تأكيد محورها لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من خلال إعادة توظيف دور خدمة الاستقرار الإقليمي.

يبدو أن رجب طيب أردوغان كان مقتنعاً بهذا الدور ومارس هذا الدور حتى أنه احتضن مؤتمراً في إسطنبول للمعارضة الليبية، وكانت هذه المعارضة الليبية مؤلفة من رئيس الانتقال الليبي وكذلك الأمر تدخل في هذه المنطقة وفي بداية الأحداث الليبية استنكر أردوغان تدخل الناتو ولكن سرعان ما بدّل موقفه وأصبح من المؤيدين لعملية في ليبيا، حينها ذهب داوود أوغلو إلى ليبيا واجتمع مع قيادة المعارضة في بنغازي واعتبر بأنه لا بد من تغيير النظام وحلول الإخوان المسلمين مكان العقيد معمر القذافي، فبداية المحاولة كانت من ليبيا ليعبر منها مشروع الإخوان إلى مصر وسوريا وحتى التدخل في تونس، واعتبر بأنه يستطيع السيطرة على المنطقة عبر الإخوان المسلمين.

يسعى أردوغان جاهداً للاستثمار في القضية الفلسطينية وإظهار نفسه حامياً للعالم العربي والإسلامي رغم عشرات الاتفاقات مع إسرائيل. كيف يستغل أردوغان القضية الفلسطينية وماذا سيكسب منها؟ وهل هناك عداء حقيقي بين تركيا وإسرائيل؟

لا شك بأن القضية الفلسطينية شكّلت هدفاً للرئيس التركي أردوغان لأنها أحد المرتكزات الأساسية في المنطقة فهو ركز على دوره وعلى الدور في فلسطين كمظلة سنية رئيسية للقوى الإسلامية وقال بأنه يحمل لواء الاعتدال ووظف هذا التحول في السياسة، مع العلم بأنه كان في صداقة استراتيجية مع إسرائيل، فبدا كأنه معارض بارز لسياسة إسرائيل تجاه قطاع غزة منذ أواخر 2008 بعد أن اعترف بحركة حماس وحقها في الحكم والمفاوضات.

وقام أيضاً ببعض التحركات التي يريد من خلالها أن يقول للفلسطينيين العرب بأنه يدعم القضية الفلسطينية أكثر من الدول العربية، وتتصور تركيا أو حزب العدالة والتنمية بأنه الداعم الأكبر للقضية الفلسطينية وبهذا نحن نعلم بأن دعم القضية الفلسطينية يُحوّل رجب طيب أردوغان إلى زعيم منافس لبعض الدول العربية، ولا يجب أن ننسى بأن هنالك بعض الدول العربية التي تخلت عن هذا الدور، لذا يعتبر أردوغان نفسه البديل الإسلامي للدول التي تطالب بالحق الفلسطيني. والجميع يعلم بأن القضية الفلسطينية محورية في العالم العربي لذلك اليوم عندما يقف زعيم مسلم وينادي بالحق الفلسطيني فهو يظن بأنه يستطيع أن يدين الدول التي لا تساعد الفلسطينيين أو بالأحرى التي تريد إقامة العلاقات مع إسرائيل.

تركيا في الربيع العربي ظهرت وكأنها تقول يجب أن يكون لي دور إقليمي ويجب على الدول أن تعترف بدوري الإقليمي لأنني دولة قوية، وطبعاً عندما ذهب أردوغان إلى الأمم المتحدة وقال بأنه يجب أن يكون أكثر من 5 دول في مجلس الأمن مسلمة أراد أن يقول بذلك أن تركيا هي دولة قوية وإقليمية وتستطيع لعب دور كبير في المنطقة العربية لا سيما أنه يعتقد أن الدول العربية هي ضعيفة وأنظمتها غير ديمقراطية، ولذلك انخرط في جميع الحروب بالمنطقة، ولكن هذا المشروع الكبير باء بالفشل في مصر وسوريا وفي ليبيا، وكذلك بعد أن تم إسقاط نظام البشير في السودان فهنالك المجلس العسكري وقوى الحرية الذين يريدون تغيير النظام، لذلك اليوم نرى بأنه يقف في السودان موقف المتدخل والمتفرج، المتدخل بمعنى أنه يريد أن يحفظ لنفسه دور في السودان لكنه طبعاً لا يستطيع التدخل بشكل علني لأن ما يدور في السودان هو الخروج وإن كان هنالك صراع فهو صراع عربي عربي على من يكون له اليد الطولى في النظام الجديد.

رجب طيب أرودغان ما يزال يصارع في هذه المناطق العربية ووضع يده على مناطق عفرين وجرابلس وبعض المناطق السورية الأخرى وهو لا زال يقوم بإعمار بعض الطرقات والمباني وينشر نفوذه في هذه المناطق ويدرس في مناطق جرابلس التاريخ التركي، لذا يمكن القول أنه لم يفقد الأمل في سوريا بعد، ولا زال يدّعي بأنه يُقاتل وحدات حماية الشعب وهو يخشى أن يحصل الكرد على حكم ذاتي وفي الأخير يرى أنه لو حصل الكرد على حكم ذاتي سينعكس ذلك على تركيا. ونحن نعلم الحوادث التي جرت في تركيا منذ 2015 بينه وبين حزب الشعوب الديمقراطي وطبعاً بينه وبين مناصري حزب العمال الكردستاني واتهمهم بأنهم يريدون التقسيم، لذلك اليوم تركيا موجودة في سوريا ولا يزال أردوغان يدعم بعض الحركات المُسلحة في إدلب بناء على اتفاقات عقدها مع الروس.

لا يجب أن ننسى أيضاً المناظرة التي قام بها أردوغان في مؤتمر دافوس عام 2009 لمناقشة الحرب على غزة والاعتداء الإسرائيلي العسكري على سفن كسر الحصار التركي المُتجهة لغزة في 31 مايو عام 2010 وعندما قُتل أتراك على سفينة مرمرة وعلى إثرها بدأ أردوغان يكرر مراراً انتقاده لسياسة إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة ووصف أعمالها بإرهاب الدولة مع العلم أن تركيا لها علاقة جيدة مع إسرائيل ولديها علاقة تجارية مع إسرائيل لم تنقطع رغم كل شيء.

*ماذا على الشعب العربي فعله لمواجهة خطر العثمانية الجديدة المتمثلة في حزب العدالة والتنمية ؟

لا زالت تركيا تحمل مبدأ العثمانية وأرى أن هذا المشروع فشل وهذا الفشل بدأ في هزيمة الإخوان المسلمين في مصر وثورة يونيو التي قامت عام 2013، كذلك الأمر في سوريا لم ينجح الإخوان المسلمين، وفي ليبيا ما زال يدعم الإخوان ولكن الصراع ما زال قائماً، وطبعاً فشل البشير الذي حاولت تركيا من خلاله وضع يدها على جزيرة لها ويبني قاعدة عسكرية هناك، ولا نعلم كيف ستكون العلاقة الآن مع الحكم الذي تولاه المجلس العسكري وحركة الحرية والتغيير وهل ستستمر تركيا بالعلاقة كما كانت مع البشير أو لا؟

ونستطيع القول أيضاً أن الوضع التركي في الداخل لم يعد يسمح لرجب طيب أردوغان بأن يقوم بالمغامرات التي قام بها في البلدان العربية، لأنه فشل فشلاً ذريعاً في هذه البلدان بعد أن كانت سياسته إلى العالم العربي وإلى منطقة الشرق الأوسط، هي سياسة صفر مشاكل التي حملها أحمد داود أوغلو.

هنالك اليوم في تركيا أسواق مقفلة وهنالك بلدان مقفلة عليها وهي لا تستطيع أن تعود كما كانت إلا إذا تركت هذه المشاريع وانكفأت إلى الداخل التركي، لذلك أقول إن مشروع العثمنة الجديدة فشل فشلاً ذريعاً ولم يعد هنالك مجال لذكره إلا القول بأنه كانت هنالك محاولة من قبل تركيا أن تعود عبر العدالة والتنمية إلى المنطقة بمشروع الخلافة العثمانية التي فشلت فيما مضى ولا يمكنها أن تعيد إنتاج نفسها في المرحلة الحالية لأن الزمن اختلف والدول اختلفت وكذلك الأمر بهذا المشروع الأيديولوجي الذي لن يكون له موقع في القرن الـ21.

ANHA