أكاديمي سوري: اللجنة الدستورية تفتقد الشرعية وعلى الإدارة الذاتية الدعوة لحوار وطني

Interview with مركز الأخبار- ازاد سفو

أكّد الكاتب والأكاديمي السوري الدكتور مهيب صالحة إن اللجنة الدستورية التي تم الإعلان عن تشكيلها تفتقد للشرعية القانونية والأخلاقية والسياسية، ولم تُعبر عن إرادة شعبية أو وطنية، وبالتالي يخشى أن تقود نتائجها، إلى ما لا تُحمد عقباه، ودعا الإدارة الذاتية إلى عقد حوار سوري سوري لوضع خارطة طريق لمواجهة أية خيارات خارجية لا تحل المسألة السورية.

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش يوم الاثنين الماضي عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية, وذلك بعد أن تم التوافق عليها بين ضامني أستانا (روسيا وتركيا وإيران) دون حضور أي طرف سوري. ولكن هذا الإعلان طرح تساؤلات عديدة، أجاب عليها الكاتب والأكاديمي السوري وأستاذ الاقتصاد وعميد سابق لكلية إدارة الأعمال aiu الدكتور مهيب صالحة في حوار مع وكالة أنباء هاوار، وهذا هو نص الحوار:

* هل يمكن أن تكون اللجنة الدستورية التي اتُفق عليها في اجتماع سوتشي 2018 مدخلاً لحل الأزمة السورية؟ أم أنها مجرد خطوة للادعاء بتحقيق نصر مُزيّف من قبل روسيا وتركيا وإيران؟

في الـ 30 من كانون الثاني/ يناير ٢٠١٨ اجتمع حشد من السوريين تجاوز ١٥٠٠ شخص في سوتشي الروسية تحت مسمى مؤتمر الحوار السوري، لقد فشل هذا المؤتمر في إحداث أي خرق جوهري لأنه لم يكن فعلياً مؤتمر حوار إنما مجرد اجتماع جزء من مختلفين لم ينتج عنه أي تفاهم، ولكي تتجنب الفشل الذريع ضمنت الدول الراعية للمؤتمر وهي دول مساق أستانا بيانه الختامي فكرة تشكيل لجنة دستورية مُكوّنة من ١٥٠ عضواً ينقسمون بين ثلاثة أثلاث، ثلث للنظام وثلث للمعارضة وثلث للمجتمع المدني يسميه المبعوث الأممي إلى سورية.

لقد كان مؤتمر سوتشي مهرجاناً خطابياً يحتفل بمسار أستانا، ويغطيه داخلياً المعارضة والنظام، ولم يكن قط حواراً وطنياً يهدف إلى إنتاج توافقات وطنية لحل المسألة السورية، وصار مساق أستانا ـ سوتشي يحل تدريجياً محل مساق جنيف ويطيل بعمر المحنة السورية ويزيدها تعقيداً، ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية بعيدة عن هذا التطور إنما صاحبته وغطته خطوة بخطوة.

وكان اجتماع باريس الخماسي عشية مهرجان سوتشي بمثابة رسالة اعتراف بهذا المساق وتأكيد على مشروع الدستور الذي أعدته موسكو المبني على قاعدة المحاصصة بين من سمتهم الشعوب السورية.

لقد تأخر تشكيل اللجنة الدستورية أكثر من عام ونصف بحجة الاختلاف على بضعة أسماء، لكن في الحقيقة سبب هذا التأخير هو عدم التوافق السياسي بين الدول الراعية (روسيا وإيران وتركيا) حول كيفية التعامل مع ملفات تتعلق بمناطق خفض التصعيد التي أقرتها أستانا، وحول آليات عمل اللجنة الدستورية، وفي الوقت نفسه عدم توافق سياسي بين روسيا وأمريكا حول شكل وجوهر الحل في سورية وخلافات سياسية أمريكية تركية وأمريكية إيرانية.

في ظروف سياسية كهذه ولدت اللجنة الدستورية التي أعلن عنها الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، التي فشلت في معالجة أي ملف من ملفات المسألة السورية، وربما يكون هذا الإعلان بمثابة جائزة ترضية للأمم المتحدة عن فشلها ولروسيا عن الفيتو المزدوج الروسي الصيني بخصوص إدلب. وإذا لم تكشف الأسابيع القادمة عن توافق سياسي دولي حول المسألة السورية فإن اللجنة الدستورية لن تكون أكثر من طبخة بحص دولية، وإذا توافقت الدول الفاعلة والمتدخلة على حل ما يُؤمّن مصالحها على حساب المصالح الوطنية فإن اللجنة الدستورية لن تكون أكثر من طبخة حجارة، وفي الحالتين ليس أمام السوريين سوى مراجعة عيادة الأسنان لترميم أسنانهم طالما لم يقتنعوا بضرورة وأهمية الحوار الحقيقي فيما بينهم لإنتاج توافقات وطنية مُلزمة.

وإذا ظنت دول أستانا أن إعلان تشكيل اللجنة الدستورية هو تتويج لنصر موهوم لا يوجد سوى في عقلها السياسي المأزوم فإن هذا مشكلتها، وتعبير فاضح عن فشلها في اجتراح الحلول السياسية للمسألة السورية لأن اللعبة لم تنته، ويخشى أن ترحل خلافات السوريين وداعميهم الدوليين إلى لجنة دستورية تأخر تشكيلها أكثر من سنة ونصف وستتأخر إنجازاتها سنوات. وعدا عن ذلك فإن مفهوم الانتصار في الحالة السورية هو مفهوم سياسي وليس عسكري لأن أي انتصار عسكري إذا لم يترجم إلى خطوات سياسية إنقاذية ملموسة فإن القضية السورية تبقى مفتوحة إلى أجلٍ غير مسمى وربما تتضاعف أعباؤها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية.

*هذه اللجنة لا تضم ممثلي الشعب القاطن في ٣٠ % من مساحة سوريا (شمال وشرق البلاد)، هل يمكن اعتبار هذه اللجنة ممثلة للسوريين؟ أولم ينتهك غوتيرس قرارات الأمم المتحدة بضرورة إشراك جميع ممثلي سوريا في اللجنة؟

بكل تأكيد إن الطريقة التي أقرت بموجبها اللجنة الدستورية وكذلك تشكيلتها تدعو للريبة والحذر عند أوساط واسعة في المجتمع السوري الذي يطمح لإنهاء الحرب وسلوك طريق التغيير الديمقراطي السلمي الذي لا يلغي ولا يقصي أحد، وبناء دولة الحق والعدل والقانون فمن حيث الإقرار فهي أقرت في مؤتمر لم يتمثل فيه الشعب السوري كله ولا خياراته كلها، ومن حيث تشكيلة اللجنة فإن تثليثها يُعبر عن رغبة الدول الراعية إلزام السوريين باعتماد نظام محاصصة طائفية شبيه بلبنان، أو نظام محاصصة جيوسياسية شبيه بالعراق، وأظهرت طبيعة التشكيلة وتقسيماتها إبعاد خيارات وطنية مهمة، وتقاسمها من قبل النظام وحلفائه روسيا وإيران والمعارضة الإسلامية وحليفتها تركيا، مما يؤشر إلى الاتجاه العام لفلسفة الدستور السوري القادم الذي ستعتمده هذه اللجنة المبنية على قاعدة تقاسم السلطة بين الأطراف الداخلية المتصارعة عليها.

توجد تقاليد عالمية في مجال الدسترة ، فالدستور كعقد اجتماعي لا يفرض من الخارج أو من قوة احتلال، إنما هو فعل وطني ـ سيادي بامتياز يجب أن تتمثل فيه كافة مكونات وخيارات الشعب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإثنية والأهلية والمدنية والثقافية والفكرية والفنية والتقنية.

 من خلال جمعية تأسيسية ـ تمثيلية واسعة، وفي حالات الحرب الأهلية أو الداخلية يُفضل أن تكون الجمعية أحد منتجات حوار وطني مستقل ومسؤول، وأن يتميز أعضاؤها بالكفاءة والنزاهة والمسؤولية والاستقلالية والتخصصية والمصداقية الوطنية، وبالتالي فإن التشكيلة المعروضة في بورصة اليوم تفتقد لكل هذه المعايير أو معظمها وبخاصة معيار الاستقلالية والتمثيلية.

إذن، هذه اللجنة تفتقد للشرعية القانونية وللشرعية الأخلاقية وللشرعية السياسية لأنها لم تتشكل وفق القواعد القانونية ولا وفق الطرق والمعايير الدولية المتعارف عليها، ولم تعبر قط عن إرادة شعبية أو وطنية لأنها لم تأتِ باستفتاء ديمقراطي ولا بحوار وطني، وبالتالي يخشى أن تقود نتائجها، وطنياً، إلى ما لا تحمد عقباه.

*سعت تركيا لمنع تمثيل الكرد في هذه اللجنة واستجابت روسيا وإيران والنظام لها. هل هذا الدستور الذي سيتم إعداده سيكون ديمقراطياً يحقق تطلعات الشعوب السورية ويضمن الحقوق الكردية ؟

لقد أصرت تركيا على تسمية تشكيلة المعارضة لتمنع مشاركة الكرد ككتلة سياسية في قائمة المعارضة، كما عملت مع شركائها الروس والإيرانيين لتقاسم قائمة الأمم المتحدة بحيث تُحدث توازناً في اللجنة الدستورية مع النظام وحليفيه روسيا وإيران، ولقد نجحت إلى حد ما في مسعاها مقابل القبول بالمحاصصة السياسية التي ستقررها مسودة الدستور التي أعدتها المجموعة الدولية (أستانا - باريس).

وإذا صح ما أُشيع عن تشكيلة اللجنة الدستورية فإنه يمكن القول أن الاستبداد بجميع حواضنه قد حضر في اللجنة وغابت الديمقراطية، وغياب الديمقراطية يفسره، أولاً رفض الدول المتدخلة والفاعلة لمبدأ الانتقال إلى دولة ديمقراطية علمانية في سورية لأن الخيار الديمقراطي العلماني هو الوحيد الذي يُنقذ البلاد ويضعها على سكة التطور والتقدم مما يُضر بمصالح هذه الدول، والثاني وهو تشرذم القوى الديمقراطية والعلمانية وغياب مشروعها السياسي أو ضعفه أمام المشاريع الاستبدادية، وعدم وجود قوى دولية تساند الخيار الديمقراطي العلماني في وجه الدول التي تساند بقاء أو إعادة إنتاج الاستبداد.

إن إقصاء أي مُكون من المكونات الرئيسة للشعب السوري، المكون الكردي أو غيره، عن العملية الدستورية يعني نسف كامل للعملية من داخلها مع عودة الجميع إلى المربع الأول، إن أية عملية دستورية حقيقية تبدأ، أول ما تبدأ، بالاعتراف المتبادل بالحقوق، وتفهم هواجس الجميع من قبل الجميع.

*مع اختلاف وجهة النظر بين النظام ومن يسمون المعارضة في اللجنة، هل يمكن أن تحقق اللجنة تقدماً في مجال حل الأزمة؟

يعتقد البعض بأن المشكلة في سورية ليست مشكلة دستور، كنص، إنما في تطبيقاته العملية، ولكن هذا الاعتقاد يجانب الصواب، وفي الوقت ذاته يدعو إلى العدمية تجاه ما يرسم للسوريين في الخارج من مبادئ تُنظم حياتهم القادمة، والانكفاء أو التقاعس عن مواجهة ما يُرسم.

وكلنا يتذكر دستور أو قانون بريمر في العراق الذي رسم خارطة العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية المثيرة للجدل ربما لعقود من الزمن. وثمة اتجاه آخر لا يقل عدمية عن من يدعو إلى الرضوخ والاستسلام لمشيئات الخارج الذي وحده قادر على حسم المسألة السورية في ظل عجز السوريين عن أخذ زمام المبادرة، ويسوق في هذا الصدد مبررات إعداد وإخراج دستور للبلاد من خارج الأطر الوطنية وفي عواصم الدول المتدخلة والفاعلة.

برأيي، غدت دول احتلال تفرض خياراتها على السوريين، طبعاً من بين أسباب تأخر تشكيل اللجنة الدستورية اختلاف وجهات النظر بين النظام والمعارضة المشاركة في اللجنة حول آليات عمل اللجنة ورئاستها وآلية اتخاذ قراراتها، وإعداد دستور جديد أم تعديلات دستورية وآلية اعتمادها.

وطالما تم الإعلان رسمياً عن تشكيل اللجنة فإن معظم هذه الخلافات ربما تُبدد، ولكن من غير المستبعد أن تكون مجرد مناورة من أحد الطرفين أو كلاهما طالما عمل اللجنة غير مضمون النتائج ويراد منه كسب الوقت لا أكثر ولا أقل، وربما تعرض الطرفان لضغوطات من حلفائهما لتذليل العقبات أمام قبول العملية الدستورية، خاصة بعد أن هددت الولايات المتحدة الأمريكية الدول الراعية لمسار أستانا ـ سوتشي بإعلان فشل هذا المسار ما لم تتشكل اللجنة الدستورية، وفي هذه الحالة من المتوقع أن تكون الدول العظمى قد توافقت على الحد الأدنى لإطلاق عملية سياسية تخالف جنيف ١ وتوافق القرار ٢٢٥٤ وعندئذِ من غير المستبعد أن تصبح اللجنة الدستورية منصة انطلاق هذه العملية. 

*كيف يمكن وصف الدور الروسي في سوريا بشكل عام وفي تشكيل اللجنة بشكل خاص وإقصاء الكرد منها خصوصاً أنها فتحت المجال الجوي أمام تركيا لاحتلال عفرين ؟

مما لا شك فيه أن التدخل الروسي في المسألة السورية قد غيّر جميع المعادلات الميدانية والسياسية، وغيّر التحالفات، وبنى نماذج للمصالح الدولية التي تتقاطع في مكان وتتناقض في أماكن أخرى، وصار الوجود الروسي في سورية مع تمتين علاقات روسيا بدول المنطقة وخاصة إسرائيل قاعدة انطلاق لها للعب دور دولي جديد كانت قد فقدته لعقدين من الزمن بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي.

وبعد أن ضمنت روسيا نفوذها في جنوب ووسط سورية أولت اهتماماً شديداً بالشمال السوري، ونجحت في لعب دور الأخطبوط الذي يمد أذرعه للجميع، فقد أعطت تركيا غربي الفرات وإدلب ما لم تتمكن من أخذه من الولايات المتحدة الأمريكية حليفتها في الناتو، وغضت النظر عما تقوم به تركيا من أعمال تتريك وتجميع المعارضة الإسلامية المسلحة في المنطقة وإجراء تغييرات ديمغرافية فيها، وتنسق مع إيران في الريف الحلبي، ومع أمريكا شرقي الفرات، ونجحت في لعب دور المايسترو في تشكيل اللجنة الدستورية وفي توزيع مكاسب الوقت وأرباح أستانا على شركائها وحلفائها.

إن تشدد تركيا في أستانا على عدم مشاركة مجلس سورية الديمقراطية (مسد) الراعي السياسي للإدارة الذاتية وإبعاده عن اللجنة الدستورية، هو أولاً من وجهة نظري جاء لمصلحته لأن مشاركته في لجنة دستورية ليس فيها مطابقة لأية مواصفات وطنية أو شرعية، وسوف يزيد من عزلته وطنياً. وثانياً، ربما من ضمن خياراته كان مسد يرغب في المشاركة من قبيل ترويج مشروعه في الإدارة الذاتية لربما يعتمد كنموذج دستوري لعموم سوريا.

لكن قراءة المشهد السوري منذ إعلان ترامب سحب قواته من سوريا تُشير بأن إدارة ترامب ألزمت روسيا بالموضوع السوري بالكامل، وفق خارطة الطريق التي أشرت إليها آنفاً، وبالتالي يصبح من الطبيعي، ضمن هذا السياق، إبعاد الإدارة الذاتية عن تشكيلة اللجنة الدستورية، ولكن في الوقت ذاته تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية فرض - من ضمن خيارات دول أستانا في العملية الدستورية - خيارات حليفها (مسد) من خارج اللجنة الدستورية.

إلا أنه من مصلحة مجلس سورية الديمقراطية وكل القوى السياسية الديمقراطية في منطقة الإدارة الذاتية تفعيل الخيار الديمقراطي العلماني الوطني في مواجهة خيار المحاصصة، الذي ربما سيُرسّخ أركانه السياسية والدينية الدستور المفروض دولياً على السوريين، وذلك من خلال دعوة طيف واسع من القوى والتيارات والشخصيات العلمانية إلى الحوار السوري ـ السوري، الذي دائما يتبناه ويدعو إليه، من أجل وضع خارطة طريق لمواجهة أية خيارات خارجية لا تحل المسألة السورية إنما قد تزيدها تعقيداً.

إن الحوار الوطني على قاعدة المساواة وتكافؤ الفرص هو الوسيلة الوحيدة التي يمكنها إنتاج حلول وطنية يجسدها دستور دائم يعده السوريون وفق القواعد القانونية الراسخة والمعايير الدولية المتعارف عليها، وإن أي رهان على لجنة دستورية مسلوبة الإرادة لحل المسألة السورية من دون توافق وطني جامع لن يكون سوى طبخة هواء لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

ANHA