برهان رؤوف: الشعب العراقي أجبر الحكومة على اتخاذ موقف ضد تركيا

مقابلة مع برهان رؤوف

أوضح السياسي برهان رؤوف أن الخلافات بين القوى العراقية فتحت الطريق أمام القوى الإقليمية والخارجية لاستباحة الأراضي العراقية، وفي مقدمتها الدولة التركية التي تنتهك الأراضي العراقية بشكل يومي، وأكد أن ردة فعل العراقيين، خاصة في بغداد والبصرة، أجبرت الحكومة على اتخاذ إجراءات ضد تركيا.

يشهد العراق أزمة حقيقية منذ 10 أشهر، فعلى الرغم من إجراء انتخابات برلمانية، إلا أن القوى المتصارعة في العراق لم تستطع تشكيل الحكومة بعد، ولا حتى تحديد رئيس جديد للبلاد. وما زاد الوضع العراقي تأزماً هو انسحاب أكبر كتلة (الصدرية) من البرلمان.

ويؤكد السياسي برهان رؤوف أن من عجائب العملية السياسية العراقية، تقديم قوى كاملة (التيار الصدري) الفائزة بأعلى النسب من الكراسي في مجلس النواب العراقي استقالاتها، وقد أدى بدلاؤها اليمين الدستوري من الإطار التنسيقي وأصبحوا بالتالي هم الأكثرية.

وأوضح برهان رؤوف، خلال حوار مع وكالتنا حول الوضع العراقي، أن الوضع السياسي العراقي المتأزم فتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية وخاصة تركيا، وقال: "الشعب العراقي لن يقبل الظلم والذل التركي بحق أرضه وسمائه وشعبه، وأجبر الحكومة على تقديم شكوى لمجلس الأمن".

وفيما يلي نص الحوار:

* منذ أكثر من عشرة أشهر، والعراق يشهد أزمة تشكيل الحكومة، نتيجة الصراعات السياسية بين القوى. وما زاد المشهد العراقي تعقيداً انسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان، برأيكم ما السبب الكامن خلف كل ذلك؟

حقيقة؛ إن السبب الرئيس لهذه المشاكل والأزمات والانسداد السياسي هو الخلافات السياسية العميقة بين مكونات الشعب العراقي، وداخل المكون نفسه. في السابق كانت هناك خلافات بين المكونات، أما الآن فقد توسعت الخلافات لتكون بين أبناء المكون الواحد، كما هو حال المكون الشيعي الآن، حيث اتسعت الخلافات بين الإطار التنسيقي وتيار الصدر، وداخل البيت الكردي هناك خلافات على رئاسة الجمهورية.

تعميق هذه الخلافات أدى إلى تأخر في تشكيل الحكومة، وانتهاء جميع المهل والمدد الدستورية. يعاني العراق الآن من فراغ دستوري وقانوني، وتحولت الأرضي العراقية إلى أراضٍ مستباحة للتدخلات الإقليمية والخارجية.

* برأيكم على ماذا تتصارع الأحزاب الحاكمة والقوى المتنفذة في العملية السياسية الجارية في العراق؟ هل لهذا الصراع أي علاقة بالسعي الوطني المخلص لمعالجة المعاناة المتفاقمة للغالبية العظمى من العراقيين أم هو مواصلة وتنامي وازدياد النفوذ والسلطة وتقاسم المناصب والمغانم والامتيازات؟

الخلاف على المغانم وامتيازات السلطة، وعلى فرز الإدارات والأجندات، ومحاولات تقارب وجهات النظر من بعض القوى الأخرى بعد عشرة أشهر من الانتخابات باءت بالفشل، وحالَ تفضيل المصالح الحزبية والفئوية الضيقة دون تشكيل الحكومة. وعدم مراعاة المصالح العليا للعراق والعراقيين، والمصلحة الوطنية للعراق غائبة في محادثات هذه الأحزاب والقوى السياسية، والتعنّت السياسي أدى إلى الانسداد السياسي الحاصل في البلد، وليس هناك أفق أمل لكسر هذا الانسداد والحاجز السياسي المعقد.

* عقب انسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان، بقيت الكتلة الأكبر في البرلمان (الإطار التنسيقي) الذي رشح مؤخراً محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، ما سبب اختيار السوداني؟

إن انسحاب الكتلة الصدرية من العملية السياسية والاستقالة الجماعية لأعضائها في مجلس النواب العراقي عمّق الخلافات والانسداد السياسي في البلد أكثر، ودعوتها لتشكيل حكومة أغلبية وطنية تعني تجاوز الإثنية والوطنية، ولكن لم تتمكن من إكمال النِصاب لثلثي البرلمان لانتخاب الرئيس الجمهورية، ولم تقبل التحالف مع الإطار التنسيقي، وهذا ما أدى إلى انسحابها من مجلس النواب العراقي.

ولكن حسب ما ادّعى (التيار الصدري) فإن انسحابه لا يعني انسحابه من العملية السياسية، وادّعى أيضاً أنه سيصبح من المعارضة الشعبية، وهذا خلاف للعرف السياسي والأحزاب السياسية في الأنظمة الديمقراطية، أي إن لم يستطع تشكيل الحكومة فسيصبح من المعارضة داخل البرلمان، وهذا تطور جديد، ومن عجائب العملية السياسية العراقية تقديم قوى كاملة (التيار الصدري) الفائزة بأعلى النسب من الكراسي في مجلس النواب العراقي استقالاتها، وقد أدى بدلاؤها اليمين الدستوري من الإطار التنسيقي، وأصبحوا بالتالي هم الأكثرية.

إن انتخاب محمد شياع السوداني داخل الإطار التنسيقي جاء نتيجة توافق جميع أجنحة الإطار التنسيقي على شخصية محمد شياع السوداني؛ كونه إنسان معتدل ومتقارب من جميع مكونات الإطار التنسيقي.

* بعد ترشيح السوداني، شهد العراق تظاهرات واقتحم المتظاهرون المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد، من قبل أنصار الكتلة الصدرية، برأيكم ما السبب خلف ذلك؟

إن التظاهرات التي شهدها العراق في الأيام الماضية من قبل التيار الصدري واقتحامه البرلمان، هي رسالة قوية للإطار التنسيقي والقوى السياسية الأخرى، مفادها أن التيار الصدري ما زال متمسكاً بوجهة نظره، ولن يقبل برئيس وزراء دون موافقته، ولن يعمّ الأمن والاستقرار السياسي دون موافقة ومشاركة الصدريين، على الرغم من استقالته من البرلمان.

إن الوضع في العراق يحتاج إلى تأنٍ ومزيد من الحوارات، وفي حال لم يستطع العراقيين الوصول إلى حل، فإنهم بحاجة إلى انتخابات مبكرة أخرى، وحل البرلمان الجديد، إذا استمر الصدريون بالمظاهرات في الشارع.

على القوى والأحزاب السياسية أن تدرك جيداً أن تشكيل حكومة جديدة في العراق من دون الصدريين أمر صعب؛ لأن التيار سيشكل عقبات كثيرة أمام أي حكومة لم يتفق عليها. 

* هناك مخطط كبير ضد العراق على يد الدولة التركية والحزب الديمقراطي الكردستاني، حيث إن الدولة التركية تسعى إلى توسيع رقعه احتلالها لجنوب كردستان عبر الديمقراطي الكردستاني، والاستفادة من الأزمة العراقية، ما هي آراؤكم حيال ذلك؟

الدولة التركية تنتهك الأراضي العراقية يومياً، وهذه الانتهاكات خرق لسيادة الدولة العراقية كدولة مستقلة وعضوة في الأمم المتحدة، ارتكبت تركيا مجزرة في 20 تموز، بحق المواطنين العراقيين الأبرياء في أحد مصايف مدينة دهوك، وردة الفعل العراقية، وخاصة أبناء بغداد والبصرة، أجبرت الحكومة العراقية على اتخاذ إجراءات واستدعاء السفير التركي.

والشجب والاستنكار الكبير وتقديم شكوى للأمم المتحدة هي بوادر جيدة، وهناك حاجة إلى المزيد من التنسيق بين الحكومة الفيدرالية وحكومة إقليم كردستان، على الرغم من أن الحفاظ على سيادة العراق هو من مهام وصلاحيات الحكومة الفيدرالية، ولكن في الفترة الماضية، كان هناك تساهل وتقصير أمام الاختراقات والاعتداءات التركية ضد السيادة العراقية وإقليم كردستان، ما شجع الأتراك على الاستمرار في قتل المواطنين العراقيين وارتكاب المجازر بحق أبناء الشعب العراقي.

وما تبيّن من ردود الفعل مؤخراً، يدل على أنه سيكون هناك رد قوي على الانتهاكات التركية، على الصعيد السياسي والدبلوماسي والدولي والعسكري إن تطلّب الأمر.

* في 20 تموز، قصفت تركيا قرية برخ في دار كاري في زاخو، وارتكبت مجزرة بحق السكان، ما أدى إلى فقدان 9 اشخاص لحياتهم وإصابة 23 آخرين، وطالب العراق مجلس الأمن الدولي بضرورة انسحاب القوات التركية المحتلة من الأراضي العراقية، إلا أن مجلس الأمن الدولي لم يحرك ساكناً بعد. برأيكم ما السبب، وما المطلوب الآن؟

بخصوص قصف قرية دار كاري في زاخو، فقد عقد مجلس الأمن جلسة في هذا الخصوص، بموجب شكوى قدمتها الحكومة العراقية ووزارة الخارجية لمجلس الأمن، تضمنت شجب واستنكار القصف والمجازر والإجرام التركي بحق السيادة العراقية ومواطنيها العزل.

في الماضي، لم يحرّك أحد دعوات ضد الحكومة التركية في مجلس الأمن. المظاهرات الشعبية في العراق على خلفية مجزرة زاخو البشعة كانت دليلاً واضحاً على أن الشعب العراقي لن يقبل الظلم والذل التركي بحق أرضه وسمائه وشعبه، وأجبرت الحكومة على تقديم شكوى إلى مجلس الأمن.

* في حال استمرار الوضع هكذا، أي أن هناك صراع بين القوى الشيعية نفسها، والقوى السنية نفسها والقوى الكردية نفسها، إلى إين سيتجه العراق؟

أتمنى أن يستطيع العراقيون بعربهم وكردهم وكافة مكوناتهم الأخرى، تشكيل حكومة رشيدة وطنية توافقية قادرة على تحمّل المسؤولية والدفاع عن سيادة العراق، ومراعاة المصالح العليا للشعب العراقي، دون المصالح الحزبية والفئوية الضيقة، وفي حال لم تتم مراعاة ذلك، فإن العراق يتجه إلى الاحتدام والاحتكاك بين هذه المكونات والمزيد من الانسداد السياسي، لأن بديل عدم التوافق وتشكيل الحكومة هو العنف والاقتتال.

(ل م)

ANHA