زكريّا عثمان: الفنّ هو هوية الشّعوب وإحدى أدوات مواجهة الاحتلال

يسعى الفنّان المبدع إلى إحياء التّراث والفنّ الأصيل الذي يعتبر هوية الشعوب، فالفنّان هو الأكثر قدرة على تفسير الأحداث والحقائق ورؤية الحلول للمشاكل، ويلعب دوراً طليعيّاً في الثورات.

سعى المهجّر العفريني زكريا عثمان من خلال موهبته في فنّ النّحت إلى إحياء التّراث الكرديّ الذي يحاول الاحتلال طمسه بشتّى السياسات التي يتّبعها بهدف محو الثّقافة والأصالة الكردية العريقة.

المهجّر زكريا عثمان ذو الخمسين عاماً من أهالي قرية كرزيله التابعة لناحية شيراوا، تتألّف عائلته من 3 أشخاص، ويقيم حاليّاً في ناحية تل رفعت بمقاطعة الشهباء.

 تعلّق زكريا عثمان بفنّ النّحت على الحجر منذ أن كان في التاسعة من عمره، وبدأت مسيرته الفنّية في السبعينيات في مدينة الطبقة السورية، ومارسها بإتقان من خلال دوراته التي كان يتلقّاها في مركز "دار الصداقة السوفيتية العربية " آنذاك.

وبدأ بأوّل عمل فنّي له برسم صورة للفنّانة الكرديّة "شيرين" على جدران غرفته وهي مرتدية زيّها الفلكلوري، وواظب عليه، وحاول تطوير أعماله الفنّية لينتهي بالنّحت على الحجر.

وفي سنه الثّمانينات انتقل زكريا عثمان مع عائلته إلى مدينة حلب السورية، وزاول مهنته بصنع المجسّمات الصغيرة وقطع الأنتيكة القديمة، ومنها قام بصنع نموذج مصغّر من الخشب يمثّل سفينة الرحّال الشهير "ماجلان" الذي دار بها حول الأرض حوالي 1500 م.

ويقول زكريا عثمان: "لقد قرأت كثيراً عن الرحّال الشهير "ماجلان" وكيف دار حول الأرض بسفينته الشراعية، وقد أُعجبت به وبعمله، ولذلك راودتني فكرة تخليد هذا الرجل لما قدّمه من خدمات للبشرية، فبدأت عملي بصنع سفينته التي تخيّلتها ورأيتها في صورة على مجلّة، فقد كان طول السفينة مع السارية الأمامية يبلغ 106 سم، وارتفاعها بدون سوارٍ 34سم، وارتفاع السفينة مع القاعدة  93 سم، وعرض السفينة الكلّي 5, 23سم، والسارية الأمامية دون السفينة طولها 19سم، فنجحت في هذا العمل، وكانت كأوّل عمل لي في مجالي الفنّي".

ومارس عمله على صنع المجسّمات الصغيرة كتمثال يجسّد إبراهيم الخليل وكبشه، ومنحوتة لرأس امرأة أسطورية.

ومرّ زكريّا في ظروف اقتصاديّة صعبة جعلته ينقطع عن مهنته لمدّة 20 عاماً بعدها.

وبعد الأزمة السّوريّة اضطرّ زكريا أن يهاجر إلى مقاطعة عفرين، لكن لم يدم طويلاً هناك لأنّ الاحتلال التركي شنّ هجومه على المقاطعة في 20 كانون الثاني في عام 2018.

وبعد نزوح زكريا عثمان، إلى مقاطعة الشّهباء، حاول إحياء فنّه مرّة أخرى بصنع المجسّمات التي تعبّر عن الثقافة الكردية والتراث الكردي العرقيّ الذي يحاول الاحتلال التركي طمسه.

وعليه قام بصنع مجسّم يجسّد الجريمة التي ارتكبها جيش الاحتلال التّركيّ بحقّ الأطفال، والتي راح ضحيّتها 10 شهداء بينهم 8 أطفال في الـ12 كانون الأول 2019.

وهو الآن يعمل على مجسّم يجسّد فكر المرأة الحرّة، وهو مجسّم لامرأة تحمل كتاباً بيدها اليسرى الّذي يدّل على الفكر الحرّ، وبيدها اليمنى تحمل حمامة، والتي هي رمز للسلام، حيث يبلغ طوله متراً ونصف تقريباً.

وعن الأدوات التي يستخدمها في عمله يقول زكريا: "بسبب الإمكانيات المادّية الضئيلة لدي استخدم ثلاث أدوات فقط في علمي، وهي أزميل ومشرط وورق القزاز (عيار 100) لصنع المجسّمات، أمّا عن المواد التي استخدمها فهي خليط الجبصين الأسود، ثم أضع عليه جبصين أبيض، وأضيف مادّة المقصي (بي بي لون) ضمن الماء ليتصلّب المجسّم".

وتابع زكريا بالقول: "بالنّسبة للموادّ تتوفّر في مقاطعة الشهباء إلّا أنّها غالية، وهناك حجر الرخام هو أفضل للنحت، ولكنّه باهظ الثمن أيضاً، لذا بدأتُ بالمرحلة الأولى من النحت على الخشب، وفي سنة التسعينيات عملت على مجسّم لرأس امرأة، وقمت بإهدائه لمعرض تمّ فتحه في حي الشيخ المقصود بمدينة حلب".

هدفه معنويّ وليس ربحيّاً

وعن أهدافه في العمل، يقول: "إنّني أقوم بصنع التّماثيل والنّحت ليس لبيعها أو بغرض الاستفادة منها، بل إحياء للتّراث، فالفنّ لا يباع، وكنت أقوم بإهداء جميع منحوتاتي والمجسّمات التي أصنعها لأصدقائي والمعارف كذكرى تذكارية منّي".

وختم زكريا حديثه عن دور الفنّانين في الثورة، فقال: "إنّ الفنّانين هم الأكثر قدرة على تفسير الأحداث والحقائق ورؤية الحلول للمشاكل، ويلعبون دوراً طليعيّاً في جميع الثورات، فالسوفيتية كانت ثورة ثقافية وثورة اجتماعية وعلمية، ونحن نريد أن تكون ثورتنا أكثر شمولية للإنسان، ونكون قادرين على تطوير ثورتنا، ولأنّ الفنّ هو هوية الشعوب فالاحتلال يبدأ بخطوته الأولى دائماً لمحو هوية الشّعب من الثّقافة واللّباس واللّسان وخاصّة نحن الكرد، وأتمنى من كل فنّان موهوب أن يردّ على الاحتلال بألف وسيلة من خلال الفنّ لمنعه من طمس هويتنا"

ANHA


إقرأ أيضاً