يتم تعميق الأزمة السورية

شكري كديك

لقد دمرت الحرب الأهلية، سوريا، وهي لا تستطيع إنقاذ نفسها بسبب المآسي الكبيرة، مثل الدمار والمجازر والنزوح. لقد كانت سوريا آخر حصون الدولة القومية في الشرق الأوسط وتدمرت.

بدأ الربيع العربي بانتحار شاب، وانتشر في دول عربية عديدة. وفي النهاية هبّ هذا الريح كإعصار على سوريا. واندلعت الحرب في سوريا ولم تتوقف. غيّر ظهور القوى المعارضة للنظام التوازنات، واشتدّت الحرب الأهلية السورية التي أصبحت بالنسبة لمجموعات المرتزقة حرباً لإحراز مركز لهم مع داعش، وفي ظل هذه الفوضى سعى الكرد إلى إيجاد سبيلٍ من خلال سياساتهم الدفاعية والحلول.

في الوقت الذي كان فيه إرهاب داعش في أوج نشاطه لم تكن هناك أي قوةٍ لخوض الكفاح ضدها سوى الكرد، وأصبحت مقاومة كوباني بداية مرحلة جديدة بالنسبة لداعش وشكّل انتصار الرقّة هزيمة كبيرة لداعش.

في جميع المفاوضات الدبلوماسية والعلاقات السياسية الدولية الجارية لحل القضية السورية، سعت الدولة التركية إلى إيجاد ملاذ آمن للمرتزقة، وفي النهاية جعلت من إدلب قاعدة للتنظيمات الإرهابية. كما قامت بالتدخل في سوريا ثم بدأت عملياتها الاحتلالية، واحتلت عفرين وكري سبي وسري كانيه وجرابلس والباب وإعزاز.

غيّرت الدولة التركية ديمغرافية (التركيبة السكانية) المناطق المحتلة، وفرضت عملتها فيها، وقامت بإنشاء مؤسسات التعليم والمؤسسات المدنية، وعيّنت فيها الإداريين. وهي ترتكب في هذه المناطق جرائم حرب يومياً. كل هذه المزاعم تجري بهدف الحل وبموافقة القوى الدولية.

هزم الكرد داعش ونظّموا أنفسهم مع العرب وخرجوا إلى الساحات، وأسّسوا إدارة ذاتية. وهذا ما خلق نموذجا جديدا لمستقبل سوريا. وعلى الرغم من أن هذا النموذج كان أكثر الحلول قبولاً بالنسبة للشعوب، إلا أنه تم تجاهله. وعلى الرغم من الزيارات الدبلوماسية الرسمية للعواصم الأوروبية، فإن البيت الأبيض والكرملين لا يرغبان في أن تحقق الإدارة الذاتية اعترافاً سياسياً. 

صعّدت القوى الدولية في سوريا التوترات السياسية والعسكرية التي تخص القضية السورية، ولأنها لا تسعى حقاً للحل، فإن الأزمة تتعمق كلما مضى الوقت.

ظهر في البداية أنهم غير صادقين في الكفاح ضد داعش. لو كان تم فعلاً مكافحة داعش لما كانت إدلب في هذا الوضع الآن. ولا تمركز داعش وفصائل المرتزقة المماثلة لها في الجغرافية الكردية إلى جانب الهجمات الاحتلالية للدولة التركية، ولا تعرضت روج آفا للقصف وعمليات الاغتيال يومياً، ولا أُجبر آلاف الأشخاص المهجرون من ديارهم على العيش في مخيمات النزوح، ولما استطاعوا إبادة طبيعة وتاريخ وثقافة عفرين، ولما استطاعوا اختطاف الأشخاص والاعتداء عليهم وتعذيبهم وارتكاب الكثير من الجرائم الأخرى. إنهم يريدون إعادة إحياء داعش ليقوم بالانتقام من الكرد.

لا وجود لأي سياسات دائمة للحل على أجندة الولايات المتحدة الأميركية وقوات التحالف وروسيا ونظام الأسد وتركيا وجميع القوى المتعلقة بالشأن السوري. والسبل التي تُطرح باسم الحل تفتح الطريق أمام ارتكاب المجازر بحق الكرد وتهدف إلى القضاء على منجزاتهم.

الذين يجتمعون في جنيف وأستانا وسوتشي لا يرون للنظام الإداري الظاهر في روج آفا أي وجود. ووجود القوى الخارجية وخاصة الدولة التركية في المنطقة يعمّق عملية انعدام الحل أكثر.    

مصير القضية السورية ليس واضحاً بعد، ومطالب الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا تتباين أكثر فأكثر مع مرور الوقت. لذا يبدو أن تركيزهم على سوريا لن يكون على رأس الوضع القائم. يقدم الوضع القائم حالياً ظرفاً مناسباً يسمح لكلتا القوتين بالبقاء في سوريا مدة طويلة. ولهذا لا وجود بعد لأي حلّ دائم على أجندتهم. تم تعميق الأزمة السورية.

وأصبحت ذريعة مكافحة داعش أكذوبة الآن، فبدلاً من القضاء على داعش نهائياً رأوا أنّ وجود داعش بشكل ضعيف ومتقلص يفيدهم. لو تم خوض كفاح فعلي وحقيقي ضد داعش، لما فُتح الطريق أمام احتلال الدولة التركية ولما استطاعت عرقلة الكفاح ضد داعش. إن وجود الدولة التركية في سوريا يعزز داعش ويقويه أكثر. لذلك نراها تقوم يومياً بقصف القرى واختطاف الناس وفتح الأماكن للمرتزقة.   

يجب ألّا ينسى الإنسان أن عدم الحل هو حل أيضاً، ويمكن أن تظهر سيناريوهات أشدّ سوءاً. والإدارة الذاتية في روج آفا بشكل خاص، مضطرة للتنظيم مع مكوناتها أكثر وإعداد الاستراتيجيات التي تمثلها على منصات الحل الدولية. كما يجب أن تقوم بالتأكيد بتعزيز الآليات المستندة إلى أساس الحماية الجوهرية أمام التهديدات الاحتلالية والسياسات الاستفزازية والابتزازية الخارجية.

 مثلما لم يتحسن العراق بعد التدخل الخارجي فيه، فإنه من الممكن أن تصبح القضية السورية أسوأ. لهذا يجب تنظيم مكونات الشعب وفقاً لحالة الحرب. حيث إنّ الاستعداد على الصعيدين الفكري والمادي هو واجب مطلوب. هذه حقيقة لا يمكن الهروب منها.