تصاعد التوتر بين تل أبيب وطهران يهدد الاتفاق النووي الإيراني

يشهد ملف الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة الأميركية تشاؤم كبير بعد نوع من الإيجابية والتفاؤل بإحياء هذا الاتفاق وذلك بالتزامن مع تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، فهل تمكنت تل أبيب من إجهاض مساعي إحياء هذا الاتفاق؟  وما هو الرد الإيراني على ذلك؟

ضمن صراع النفوذ والهيمنة والسيطرة على الشرق الأوسط، طالما أعربت إسرائيل عن معارضتها الشديدة للاتفاق النووي الدولي مع إيران، فقبل التوقيع على الاتفاق الأصلي عام 2015 فترة حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما، عارض رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو بشدة الاتفاق وبشكل علني، ويشير المراقبون إلى أن إسرائيل نجحت إلى حد كبير في خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع طهران (من جانب واحد) عام 2018، والتي أرجعها الخبراء إلى الضغط الإسرائيلي على إدارة ترامب.

واستمرت محاولات تل أبيب في السياق ذاته بعد أن كانت أهم أهداف إدارة بايدن هو إحياء هذا الاتفاق، حيث لم تتوقف زيارات كبار مسؤولي الجيش والاستخبارات الإسرائيلية لواشنطن، خلال الأيام والأسابيع الماضية، لحث نظرائهم في الولايات المتحدة على عرقلة أي عودة محتملة لإحياء الاتفاق النووي مع إيران.

إسرائيل.. تحركات دبلوماسية وضغط عسكري

ويشير الخبراء إلى أن الزيارات المكوكية الإسرائيلية لواشنطن زادت من وتيرتها مؤخراً، والتي أرجعها البعض إلى اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة والتي ستجري في شهر تشرين الثاني، بغية إرجاء أي توقيع إلى ما بعد الانتخابات والتي قد ينجح فيها "الجمهوريون" الرافضون لإحياء الاتفاق النووي مع إيران، هذا من جهة الضغط السياسي.

أما في سياق الضغط الإسرائيلي العسكري، تعهدت إسرائيل بعدم إيقاف أعمالها السرية والاستخباراتية التي تستهدف البنية التحتية والبشرية للبرنامج النووي الإيراني، وكذلك استهداف المواقع والأسلحة الإيرانية المرسلة إلى حزب الله في لبنان عبر سوريا، ونفذت عدداً من الهجمات ضد إيران ووكلائها بسبب مخاوفها من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

ويشير الخبراء إلى أن زيادة وتيرة الضربات الإسرائيلية ضد الأهداف الإيرانية مؤخراً في سوريا، يأتي ضمن سياق زيادة الضغط العسكري من قبل تل أبيب على طهران كي لا تزيد الأخيرة من نفوذها عبر إرسال المزيد من الأسلحة إلى وكلائها في المناطق المحيطة بإسرائيل.

وارتفع منسوب التفاؤل حول إمكانية نجاح المفاوضات الأميركية – الإيرانية غير المباشرة حول الملف النووي الإيراني وقرب التوصل إلى اتفاق، انطلاقاً من التصريحات الأوربية المتوترة في هذا السياق، إذ رآها البعض بأنها نتيجة حاجة أوروبية إلى الغاز والنفط الإيراني مع اقتراب فصل الشتاء البارد، وقطع روسيا لإمدادات الغاز عن القارة العجوز.

كما أشارت التقارير والمصادر إلى أن إيران والولايات المتحدة نجحتا في تجاوز أصعب العقبات في المفاوضات بشأن إحياء اتفاق 2015 في الأيام الأخيرة، إلا أن الصحف الإسرائيلية وحدها كانت تغرد خارج سرب الصحف العالمية إذ قالت في سياق تقاريرها أن إحياء الاتفاق النووي لم ولن يحصل في الأمد القريب.

الكاتبة والباحثة المتخصصة في الشؤون الدولية، هند الضاوي وفي حديث خاص لوكالتنا عن مدى قرب أو بعد إحياء الاتفاق النووي مع إيران، قالت: "مبدئياً إن فكرة إعادة الاتفاق النووي لم تستوفي الشروط سواء كان ما تطالب به إيران أو ما تقبل به أميركا، دائماً هناك أزمة في التوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، وتحديداً الطرفان الرئيسيان (الولايات المتحدة وإيران)".

وأضافت "كان هناك محاولات أوروبية مؤخراً، للعودة إلى اتفاق جزئي يتعلق بقدرة إيران النووية مقابل الإفراج عن الطاقة (النفط والغاز) الإيراني، وذلك نتيجة الأزمة التي نتجت عن الحرب الروسية - الأوكرانية، لتحقيق توازن نسبي في سوق الطاقة العالمية، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل، لأن أميركا كانت تريد رفع العقوبات فقط المفروضة على إيران بموجب المخالفات النووية، وليست العقوبات كاملةً، لأن معظم العقوبات التي تم فرضها على إيران في عهد دونالد ترامب، وحتى في عهد جو بايدن مرتبط بتحركات إيران في منطقة الشرق الأوسط، وسلوكياتها مع دول الجوار أو حتى في سوريا، وبالتالي ليست العقوبات كلها متعلقة بالمشروع النووي الإيراني".

وعن الدور الإسرائيلي في الضغط على الإدارة الأميركية الحالية والسابقة لعدم التوقيع على الاتفاق النووي قالت: "على أي حال من الأحوال إسرائيل كان لها دور كبير منذ عهد نتنياهو، حينما قامت بعملية استخباراتية سرية، استطاعت من خلالها سرقة الأرشيف النووي الإيراني من قلب طهران، وقدمته للولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب، وأطلعت عليه دول الاتحاد الأوروبي، ما أكد أن إيران كان لديها مشروع نووي سري لا يلتزم بالمعايير التي تم الاتفاق عليها في خطة العمل المشتركة في عهد أوباما".

وأوضحت هند الضاوي "انسحب دونالد ترامب من هذا الاتفاق وكان هناك محاولة من الديمقراطيين في عهد جو بايدن، لتحييد إيران عن المعركة الكبرى، بين الولايات المتحدة من جانب، والصين وروسيا من جانب آخر، وهذا التحييد من قبل الديمقراطيين، مرتبط بأن الحزب الديمقراطي كبريطانيا لديه علاقات وثيقة مع الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، ولكن على حال من الأحوال لعبت إسرائيل دوراً وتحديداً يائير لابيد، لأن الأخير لديه علاقات قوية مع الحزب الديمقراطي بعكس نتنياهو(المغضوب عليه من أوباما وبايدن)، وقدمت ما يؤكد أن إيران مستمرة في مساعيها الخاصة بامتلاك القنبلة النووية، وضغطت على الولايات المتحدة بملف حقوق الإنسان الخاص بإيران وبالتالي فالولايات المتحدة ترددت في توقيع الاتفاق".

وأشارت هند الضاوي إلى أن "النقطة الأهم، وما ساعد إسرائيل على تحقيق مسعاها الأخير، في عدم العودة إلى الاتفاق النووي، أن إيران لم ترغب في الاتفاق، فهي ذهبت إلى فيينا ولكنها حقيقة لم تكن ترغب في العودة إلى هذا الاتفاق، لأنها تعتمد على الصراع القائم حالياً ما بين الولايات المتحدة وروسيا، وما سينتج عنه قنوات اقتصادية وسياسية ربما تكون بديلة عن المتعارف عليه، وبالتالي تستطيع إيران الانفلات/ التفلت من العقوبات الأميركية، بالإضافة إلى امتلاكها للقنبلة الذرية، وإذا لم تصل إلى حد امتلاك القنبلة الذرية بشكلها الكامل، فهي وصلت إلى تلك التكنولوجيا اللازمة لذلك، وهذه هي المعادلة الإيرانية، امتلاك السلاح النووي والتفلت من العقوبات الأميركية".

رهان إيراني على الوقت

ويشير المعلقون المتابعون للشأن الإيراني والسياسة الإيرانية حيال الملفات الخارجية وخاصة النووية أن إيران كانت تراوغ وتسير على مبدأ سياسة حافة الهاوية في مفاوضاتها النووية مع الغرب والقوى الدولية، كما أن لواشنطن أيضاً استراتيجيتها الخاصة حيال السلوك الإيراني النووي التفاوضي.

وفي هذا السياق تقول الكاتبة والباحثة المتخصصة في الشؤون الدولية هند الضاوي أن "فكرة استمرارها في الحفاظ على فيينا، هو فقط لاستمرار الخيار السياسي، وبالتالي تغلق الباب على أميركا في البحث عن الخيارات العسكرية لمواجهة إيران، وواشنطن تعلم ذلك، ولكنها راهنت على الوقت، لأنها تعلم أنه بعد مقتل سليماني، سيزداد الشقاق في الداخل الإيراني، مع اقتراب موعد رحيل خامنئي، وهو ما أظهر الصراع الإيراني على من سيخلف خامنئي، بالإضافة إلى أن إيران فقدت شعبيتها في الحواضن العربية حيث ظهر ذلك في نتائج الانتخابات العراقية واللبنانية، وبالتالي أن أميركا لديها استراتيجية للتعامل على المدى البعيد مع إيران، معتمدة على أن ايران ستسقط من الداخل ومن حواضنها التي أنفقت عليها المليارات من الدولارات".

(ي ح)

ANHA


إقرأ أيضاً