تركيا ترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتهجّر أكثر من 300 ألف مدني

تؤكد الأرقام والوثائق التي وثقتها المنظمات المحلية والدولية ارتكاب تركيا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خلال وبعد هجماتها على سريه كانيه وكري سبي/تل أبيض، بينها استخدام الأسلحة المحرمة دوليًّا وعمليات الإعدام الميداني، إضافة إلى جرائم التهجير المتعمد والتغيير الديموغرافي.

تعددت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الاحتلال التركي ومرتزقته منذ الهجوم على سري كانيه وكري سبي/تل أبيض في 9 تشرين الأول/أكتوبر عام 2019 وحتى يومنا الحاضر، وفي الجزء الثاني من ملفنا، سيتم التطرق إلى هذه الجرائم والمأساة التي سببها الاحتلال للمدنيين.

جرائم يحاسب عليها القانون الدولي

منذ أن شنت تركيا عدوانها على سريه كانيه وكري سبي، وعفرين وثقت منظمات حقوق الإنسان والنشطاء، مئات الانتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي من قتل وخطف على الهوية ومصادرة الملكيات العامة والخاصة، وغيرها من الأعمال التي توصف تحت بند "جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية".

وعلى الرغم من حديث المنظمات الدولية عن هذه الجرائم وكان آخرها تقرير لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة الخاصة بسوريا، والتي أشارت بشكل غير مباشر إلى مسؤولية دولة الاحتلال التركي عن كافة الجرائم التي ترتكب من قبل مجموعاتها المرتزقة، إلا أنه لم يكن هناك تحرك فعلي على أرض الواقع.

وفيما يلي توثيق للجرائم التي ارتكبتها تركيا ومرتزقتها، بحسب ما وثقتها المنظمات الحقوقية التي ترصد أوضاع المنطقة:

مقتل 2130 شخصًا وإصابة ما يزيد عن 5 آلاف شخص، فيما وصل عدد المعتقلين إلى 6660 شخصًا منذ بداية الهجمات التركية، أُفرج عن قرابة 4000 منهم، فيما لا يزال مصير البقية مجهولًا.

وتضمنت الاعتقالات تعرض 94 شخصًا للتعذيب، ومطالبة ذوي 89 آخرين بالفدية.

وبلغ عدد المدارس المدمرة بفعل القصف التركي، وقصف مجموعاتها المرتزقة 21 مدرسة، وتعطلت 810 مدرسة، فيما حُرم 86 ألف طالب/طالبة من التعليم، ناهيك، عن تحويل الاحتلال التركي 95 مدرسة ومركز تعليمي وخدمي إلى مقرات عسكرية منذ احتلال سريه كانيه وكري سبي.

وبلغ عدد المشافي، والنقاط الطبية المدمرة، التي تعرضت للقصف 23 نقطة طبية، وفقد 8 من الكوادر الطبية حياتهم بينهم 3 أعدموا ميدانيًّا من قبل مرتزقة الجيش الوطني، كما أُصيب 7 آخرون.

وتسبب الهجوم التركي في إصابة 198 شخصًا بإعاقات جسدية، منهم 43 مدنيًّا، كما أُصيب 54 آخرون بإعاقات جسدية في التفجيرات التي حدثت في منطقتي كري سبي/تل أبيض وسريه كانيه عقب الهجوم التركي.

كما أصيب 96 شخصًا بإعاقات نتيجة الألغام غير المتفجرة، ومن تلك الحالات 35 طفلًا، و32 امرأة.

جرائم وثقها المرتزقة بأنفسهم ظلت دون محاسبة

ارتكب الاحتلال التركي ومرتزقته خلال هجماتهم على مدينتي سريه كانيه وكري سبي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين بينهم أطفال ونساء.

وخلال تقرير لـ "هيومن رايتس ووتش"، قالت: إن مرتزقة الجيش الوطني السوري، "نفذت إعدامات خارج القانون بحق المدنيين، وتعمدت قصف مناطق المدنيين عشوائيًّا، ونفذت ما لا يقل عن سبع عمليات قتل خارج القانون، واحتلت منازل ومتاجر المدنيين الخاصة بصورة غير قانونية ونهبت أملاكهم".

وأظهرت مقاطع فيديو وصور في 11 تشرين الأول 2019، بعضها نُشرت بواسطة المجموعات المرتزقة التابعة للاحتلال التركي، على وسائل التواصل الاجتماعي إطلاق النار على شخص كان مستلقيًا دون حراك ولم يبدُ أنه يشكل أي تهديدًا، ويقفون فوق جثة شخص آخر بطريقة مهينة.

ولعل أكثر المجازر دموية خلال هجمات الاحتلال التركي على مدينة سريه كانيه، كانت المجزرة التي ارتكبها المرتزقة بحق الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف في 12 تشرين الأول 2019 على الطريق الدولي M4 بين تل تمر وعين عيسى، ووثق مرتزقة أحرار الشرقية جريمتهم بحق هفرين خلف عبر مقطع فيديو نشروه بأنفسهم.

وكذلك قصف طائرات الاحتلال التركي لموكب المدنيين يوم 13 تشرين الأول 2019 داخل مدينة سريه كانيه بشكل مباشر، ما أدى إلى استشهاد 13 مدنيًا بينهم صحفيون ومن بينهم مراسل وكالتنا سعد احمد، وإصابة أكثر من 70 آخرين.

ووفقًا لـ "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، أُعدمت مجموعات تركيا المرتزقة 9 مدنيين، كما استهدفت العمل الإنساني المتمثل بالكادر الطبي للهلال الأحمر الكردي الذي كان يسارع إلى إنقاذ الجرحى والضحايا المدنيين.

واستخدمت تركيا في الهجمات بقايا مرتزقة داعش وجبهة النصرة وغيرها من مرتزقة الجيش الوطني، الذين نشروا مع بداية الهجوم مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي أحد المرتزقة وهو يهتف بالعربية: "جئنا لقطع رؤوس الكفار والمرتدين".

استخدام أسلحة محرمة دوليًّا

كما وثق الهلال الأحمر الكردي استخدام تركيا للأسلحة الكيماوية، وقد أصيب بها الطفل محمد حميد الذي تم إسعافه إلى باشور ومن ثم إلى فرنسا لاحقًا، ورُفعت تقارير توثيقية عدة إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية ولكن لم يتم العمل بتلك الملفات حتى الآن ويتم إنكار ما جرى.

واستخدمت تركيا الفوسفور الأبيض أثناء الهجوم على مدينة سريه كانيه وعين عيسى، في الفترة ما بين 10-13 تشرين الأول، رغم وجود المدنيين، حيث عاين الطبيب عباس منصوران المتخصص في علم الأوبئة والجراثيم والمناعة، ومدير البحوث في معهد PEAS السويدي للأبحاث العلمية، ثلاثين مصابًا بحروق مختلفة- معظمهم مدنيون وبينهم الطفل محمد حميد- في مشفى الحسكة، وأكد في تقرير له استخدام تركيا للأسلحة الكيماوية المحرمة دوليًّا في قصفها للمدنيين.

استهداف متعمد للمشافي والنقاط والطواقم الطبية

وتعمد الاحتلال التركي خلال هجماته، استهداف المشافي والنقاط الطبية والكوادر الصحية ومنع إسعاف الجرحى، حيث خطف مرتزقة تركيا ثلاث أعضاء للهلال الأحمر الكردي في 12 تشرين الأول، في ريف سريه كانيه، وأعدموا ميدانيًّا (ميديا خليل عيسى، محمد بوزان سيدي) فيما مصير الأخير مجهول إلى اليوم، وظهرت صور لجثتيهما على الطرق.

كما اختطف مرتزقة السلطان مراد، الطبيبة "مقبولة سونكر" من طاقم الهلال الأحمر في قرية بير نوح بسريه كانيه.

وحتى بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار بين أمريكا وتركيا وروسيا وتركيا، إلا أن الأخيرة استمرت بهجماتها على المنطقة واستهداف النقاط الطبية، حيث تم استهداف نقطة طبية لمنظمة Free Burma Rangers الأمريكية، بتاريخ 3 تشرين الثاني في قرية كسرى بريف مدينة تل تمر، فأصيب المسعف البورمي زاو سانج /37/ عامًا، وفقد حياته نتيجة الجراح التي أصابته، كما أُصيب عامل آخر ضمن الفريق الطبي الطوعي للمنظمة.

وتؤكد الإدارية في الهلال الأحمر الكردي، جيهان عامر، أن الطاقم الطبي واجه الخطر في كل لحظة أثناء عملية إنقاذ الجرحى أو انتشال الضحايا من تحت الانقاض، وقالت: "إن معظم الجرحى الذين أسعفناهم وعالجناهم كانت إصاباتهم خطيرة جدًّا جراء استهدافهم بالأسلحة الثقيلة والطيران، أغلب الذين تم استهدافهم في الهجمات على سريه كانيه كانوا من المدنيين، وخاصة الأطفال والنساء".

وتتابع جيهان: "من أصعب المواقف التي مررنا بها، كان قدوم جرحى إلى مشفى روج في سريه كانيه دون أن تتوفر الأدوية لعلاجهم جراء إغلاق الطرق واستهداف تركيا للقافلات المدنية التي تعبر إلى المدينة، الأدوية لم تكن تصل إلى داخل المدينة، وحاول الهلال الأحمر إخراج الجرحى من المدينة وإرسالهم إلى المشافي الأخرى خارج المدينة، لكن الاحتلال التركي استهدفهم، لذا تم إعادة الجرحى إلى مشفى روج ولكن بعضهم فقد حياته في الطريق وكان بينهم 3 أشقاء".

مواصلة ارتكاب جرائم حرب رغم الاتفاقات

جرائم جيش الاحتلال التركي بحق المدنيين لم تنته بعد احتلالها لسريه كانيه وكري سبي، بل بعد إعلان وقف إطلاق النار وبدء تسيير الدوريات الروسية التركية في المنطقة، تابعت تركيا إرهابها بحق الأهالي الرافضين لتسيير هذه الدوريات، واستشهد الشاب سرخبون علي بعدما دهسته مدرعة تركية، في قرية سرمساخ بريف كركي لكي – منطقة ديريك، في 8 تشرين الثاني الماضي.

وتم استهداف سيارة إسعاف تابعة للمنظمة الألمانية  CADUS e.V، في 9 تشرين الثاني، من قبل جيش الاحتلال التركي، حيث أُصيب مسعف بجروح خطيرة وتضررت السيارة التي كانت في طريقها لإجلاء الجرحى.

في حين أُصيب 8 مدنيين بينهم صحفيون، بجروح مختلفة، إثر إطلاق الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع من جيش الاحتلال على محتجين على مرور دورية روسية - تركية في قرية كوربينكار وتل حاجب شرق مدينة كوباني، في 12 تشرين الثاني 2019.

القوانين الدولية

تعتبر عمليات القتل غير القانوني وأي حرمان تعسفي من الحياة، بما فيها استهداف المدنيين، من المحظورات في نصوص القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

ويحظر القانون الإنساني الدولي بشكل صارم القتل العمد للمقاتلين الجرحى، أو المستسلمين، أو الأسرى (الأشخاص المُعتبرون عاجزين عن القتال) والاختفاء القسري، ويعتبر كلًّا من هذه الأفعال جريمة حرب.

كما ينص القانون الدولي أيضًا على وجوب السماح للمدنيين النازحين قسرًا أثناء النزاع بالعودة إلى ديارهم بأسرع ما يمكن دون شروط، إذا كانت لدى القوات مخاوف أمنية، فعليها إجراء تقييمات فردية للسكان، وفرض قيود مؤقتة ومحدودة إذا كانت مبررة، وعدم فرض حظر شامل أو لأجل غير مسمى لمنعهم من العودة.

ويُحظر على المحتلين نقل فئات من السكان من منازلهم لأسباب غير أمنية واستبدالهم بسكان من مناطق أخرى.

ولكن هل التزمت تركيا ومرتزقتها بنصوص هذه القوانين الدولية؟! وفي هذا السياق قال تقرير لمنظمة العفو الدولية بتاريخ 18 تشرين الأول 2019: "إن القوات العسكرية التركية، وتحالف الجماعات المسلحة السورية المدعومة من تركيا، قد أبدت ازدراءً مشينًا لحياة المدنيين؛ حيث ارتكبت انتهاكات جسيمة وجرائم حرب، بما في ذلك القتل العمد، والهجمات غير القانونية التي قتلت وجرحت مدنيين؛ وذلك خلال الهجوم على شمال شرق سوريا".

وأكدت على وجود أدلة دامغة على جرائم الحرب وغيرها من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الاحتلال التركي والمجموعات المرتزقة التابعة لها.

في حين اعترف جيمس جيفري المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سوريا والذي تبين لاحقًا دوره في تسهيل الهجمات التركية، في 23 تشرين الأول 2019: "إن قوات أمريكية رأت أدلة على ارتكاب القوات التركية (جرائم حرب) في سوريا أثناء هجومها على الكرد هناك".

تهجير 300 ألف مدني وتوطين وتغيير ديموغرافي

تسّببت هجمات وجرائم الاحتلال التركي في سريه كانيه وكري سبي، بتهجير أكثر من 300 ألف مدنيًّا من سكان المنطقة، وتوطين أسر المرتزقة بدلًا منهم، وممارسة التغيير الديمغرافي بعد عملية التهجير.

وبحسب إحصائيات الإدارة الذاتية، فإن ما يقارب الـ 100 ألف مدني هُجّروا من مقاطعة كري سبي وريفها، ويقطن منهم 3530 مُهجّر داخل مخيم مهجري كري سبي الذي أنشئ في الـ 22 من شهر تشرين الثاني 2019 في بلدة تل السمن شمال مدينة الرقة من قبل مجلس مقاطعة كري سبي لايواء المُهجّرين، فيما يتوزع بقية المهجرين في مدينة الرقة والطبقة ومنبج.

فيما توزع مهجّرو مدينة سريه كانيه في المخيمات ومناطق عدة، إذ احتضنت مدينة الحسكة أكبر عدد منهم والذي يقدر بنحو 150 ألف نازح، كما أُنشئ مخيم للمهجرين من سريه كانيه في بلدة توينة غرب مدينة حسكة يحتضن 12 ألف نازح.

وتحولت أكثر من 80 مدرسة في الحسكة إلى مراكز إيواء، مما تسبب بضغط على المدارس الأخرى من ناحية التعليم، لذا تم تقسيم الدوام المدرسي إلى 3 فترات متوزعة بين كافة المراحل الدراسية، وفي 16 آب/أغسطس المنصرم ومع قرب بدء العام الدراسي الجديد، اضطرت الإدارة الذاتية إلى افتتاح مخيم آخر باسم "مخيم سريه كانيه" في حي الطلائع بمدينة الحسكة، لنقل المُهجّرين إليه على مراحل.

فيما نزح 11 ألف إلى مدينة الدرباسية، و11 ألف إلى مدينة تل تمر، وقسم توزع في مدينة قامشلو، و150 أسرة اتجهت إلى مخيم نوروز في مدينة ديرك، كما لجأ 14 ألف إلى باشور كردستان، إلا أن قسمًا كبيرًا من هؤلاء عاد إلى شمال وشرق سوريا مؤخرًا.

وفي هذا السياق، أكد مدير مكتب شؤون النازحين واللاجئين في شمال وشرق سوريا شيخموس أحمد، أن المنظمات الإنسانية والإغاثية والأمم المتحدة لم تقم بواجبها تجاه مهجري كري سبي وسريه كانيه خلال نزوحهم، ونظرًا لضعف إمكانات الإدارة الذاتية فإنها تأخرت بإنشاء مخيمات للمهجرين.

ويقول أحمد: إن الاحتلال التركي هجّر المدنيين من قراهم، ووطن أسر المرتزقة في منازلهم، وذلك ما يزيد من مأساة المهجرين، فيما يغير من البنية الإجتماعية في المدن المحتلة.

ويؤكد أحمد، على احتياج المهجرين للمساعدات والدعم من النواحي كافة، وخاصة الطبية، لافتًا إلى عدم حصولهم على مساعدات من أي جهة خارجية.

ويبقى وضع المهجرين معلقًا وسط تخاذل الدول في إعادتهم إلى منازلهم ضمن وصاية أممية، في حين يستمر الاحتلال التركي بالتغيير الديمغرافي في المناطق المحتلة سعيًا منه إلى ضم المدن السورية إلى حدودها كما فعل سابقًا في لواء اسكندرون.

ويعمد الاحتلال التركي إلى جلب المرتزقة وأسرهم، وسكان مناطق أخرى من سوريا، ويوطنهم في منازل المهجرين قسرًا، ويستولي على العقارات والملكيات الخاصة للسكان الأصليين.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً