تركيا.. مطامع خبيثة منذ القدم تتجدد بآليات متعددة -1

يومًا بعد يوم تزداد القناعة لدى شعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن التدخلات التركية تشكل تهديدًا للأمن القومي لدول المنطقة وخصوصًا العرب، لما تحمله من مشاريع احتلالية تسعى إلى إعادة المنطقة مئات السنوات إلى الوراء.

تركيا عاثت في أرض العراق فسادًا

ويرى المختصون والكتّاب العرب أن تركيا ومن خلال تدخلاتها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي، وهو الأمر الذي وصفه أمين جامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط بـ "حالة تكالب تركي – إيراني" غير مسبوقة.

وقال أحمد أبو الغيظ في 14 آب/ أغسطس 2020، وذلك خلال تعليق له على التدخلات التركية – الإيرانية في الدول العربية أن "حالة التكالب التركي - الإيراني غير المسبوقة على المنطقة العربية سوف تخلّف أوضاعًا كارثية، وتمثل خطورة شديدة على الأمن القومي العربي.

وأشار إلى أن الأوضاع الحالية التي تشهدها المنطقة العربية باتت "تتطلب الانتباه حتى لا نصحو على وضع تتآكل فيه مقدرات الأمة لصالح قوى إقليمية تريد الهيمنة والسيطرة على مقدرات العرب".

وفي هذا الملف المؤلف من 6 أجزاء سنتعرض أبرز التدخلات التركية في الدول العربية، وفي البداية سننطلق من العراق.

'هجمات عسكرية لفرض الهيمنة'

إن الاحتلال التركي للأراضي العراقية يعود إلى عشرات السنين، وخصوصًا في عهد نظام البعث بقيادة صدام حسين عندما وقّع البَلدان عام 1984 اتفاقية تسمح لتركيا بالتغلغل في أراضيها بحجة محاربة حزب العمال الكردستاني.

وبعد الغزو العراقي للكويت وما رافقه من تحالف بقيادة أميركا ضد نظام صدام حسين، في حرب الخليج الثانية أو ما تعرف بـ عملية عاصفة الصحراء التي امتدت من 17 كانون الثاني/ يناير وحتى الـ 28 من شباط/ فبراير 1991، وضعف النظام العراقي بعد ذلك، ازداد التدخل التركي في العراق.

وفي هذا السياق، شنّت تركيا العديد من الهجمات داخل الأراضي العراقية، ففي عام 1991 أطلقت هجومًا تحت اسم "العصا"، وفي عام 1992 شنّت تركيا هجومًا على جبال كردستان شارك فيها 15 ألف جندي، واستخدمت فيها الدبابات والمدافع الثقيلة والطيران الحربي، إلا أنها لم تنجح، فانسحبت بعد 20 يومًا من إطلاق الهجوم.

وخلال أعوام 1993، 1994، 1995 شنت تركيا عدة هجمات بمشاركة عشرات الآلاف من الجنود، وشارك في الأخيرة بـ 30 ألف جندي بالتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، ودام الهجوم 45 يومًا بهدف السيطرة على منطقة حفتانين، إلا أنها لم تنجح وانسحبت بعد شهر ونصف من الهجوم.

وحتى عام 2000، وصل عدد الهجمات العدوانية التي أطلقها الاحتلال التركي على الأراضي العراقية وجبل كردستان إلى 25 هجومًا، جميعها كانت في عهد صدام حسين.

'فشل الرهان على الإخوان المسلمين'

بعد سقوط نظام صدام حسين وحزب البعث عام 2003، حاولت تركيا استخدام أداتها الجاهزة "الإخوان المسلمين" متمثلًا بـ "الحزب الإسلامي العراقي" الذي تأسس في الستينات، وكان يترأسه إياد السامرائي، لاختراق ساحات كان وما زال زعيم حزب العدالة والتنمية التركي رجب طيب أردوغان يحلم بضمها إلى "امبراطوريته" العثمانية الجديدة.

وفشلت تركيا في تحريك ملف العراق من خلال الإخوان المسلمين، بسبب الهيمنة القوية للأحزاب الشيعية المدعومة من إيران واحتكارها لمؤسسات الدولة، وأهمها رئاسة الوزراء، إذ ساعد النظام الذي نشأ بعد الغزو الأميركي عام 2003 على تقييد تجربة الإخوان الحاكمة في الأدوار التكميلية والثانوية في ما يسمى بالديمقراطية على أساس الحصص الحزبية والعرقية والطائفية.

ومن أجل أن يُحافظوا على حصتهم في السلطة، وكذلك المنافع المادية والامتيازات الأخرى، دخل الحزب الإسلامي العراقي "الإخوان المسلمون" في العراق في تحالفات مع الأحزاب الشيعية، وهو ما خدم في نهاية المطاف مصالح إيران في البلاد، بما في ذلك من خلال مساعدة طهران على تعزيز ملفاتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

'التركمان ورقة تركيا الجديدة'

بعد فشل ورقة الإخوان المسلمين، وجهت تركيا اهتمامها بشكل متزايد نحو تركمان العراق وقيادتهم السياسية لاتخاذهم ذريعة للتدخّل في الشؤون الداخلية العراقية، لاسيما قضية محافظة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها والتي لم تتردّد تركيا في القول إنّ للتركمان حقوقًا فيها، وإنّها لن تتركهم لوحدهم في السعي لنيل تلك الحقوق.

أطماع تركيا في تقسيم العراق والسيطرة على ثرواته اتضحت بعد تصريحات لمسؤولين حزبيين وحكوميين أتراك من بينهم زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، الذي سبق له القول إن الأقلية التركمانية العراقية التي تربطها صلات عرقية بتركيا لن تترك لوحدها في كركوك، مشيرًا إلى وجود الآلاف من المتطوعين القوميين "المستعدين وينتظرون الانضمام إلى القتال من أجل الوجود في المدن التي يقطنها التركمان خاصة كركوك".

وحديثًا، أثار رفع رئيس الجبهة التركمانية العراقية النائب أرشد الصالحي وعدد من الأمنيين شارة "الذئاب الرمادية" خلال جولة تفقدية لمقرات أمنية في كركوك، غضب باقي المكونات في المدينة لا سيما العرب والكرد الذين وصفوا هذه الخطوة بالاستفزازية، والانفصالية.

فيما لم يخفِ الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، في آب/ أغسطس 2017 نوايا تركيا في تطبيق مشروعها العثماني بالمنطقة، حيث قال للوسائل الاعلامية إن كركوك فيها الكرد وفيها العرب أيضًا، "إلا أن الهوية الأساسية لكركوك هي مدينة تركمانية".

'عشرات القواعد العسكرية والاستخباراتية'

الهجمات العدوانية التي نفذتها تركيا في الأراضي العراقية وباشور كردستان، تؤكد أن تركيا تسعى إلى فرض هيمنتها على الجغرافية العراقية، إذ أنشأ الاحتلال التركي عشرات القواعد العسكرية في المناطق التي احتلتها بالتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني.

ففي إقليم كردستان توجد أكثر من 20 قاعدة عسكرية تابعة للاحتلال التركي، وأكبر القواعد هي قاعدة بامرني شمال مدينة دهوك، وهي قاعدة عسكرية لوجستية وفيها مطار.

وركّز الاحتلال التركي على بناء قواعد على أطراف مدينة زاخو ومناطق حفتانين، منها قواعد باطوفة وكاني ماسي وسنكي وقاعدة مجمع بيكوفا وقاعدة وادي زاخو، وقاعدة سيري العسكرية في شيلادزي وقواعد كويكي وقمريي برواري وكوخي سبي ودريي دواتيا وجيل سرزيري، بالإضافة إلى قواعد استخباراتية تابعة لـ MIT التركي.

أما في ناحية زلكان بسهل نينوى، فتوجد قاعدة بعشيقة وتوجد فيها المخابرات والقوات التركية، وهم عبارة عن قوة مدرعة تصلها الإمدادات العسكرية والغذائية عن طريق الطائرات التي تهبط داخل القاعدة التي تحتوي على مدرجٍ عسكري، واحتلت تركيا هذه القاعدة بمبرر الحرب ضد داعش، ولكنها في الحقيقة لم تطلق رصاصة واحدة عليه، وإلى الآن هذه القوات موجودة في بعشيقة ويقدر تعدادها بحوالي 1000 جندي تركي مدججين بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة.

وفي هذا السياق، يقول مؤسس ورئيس جمعية تونس الحرة وعضو التحالف الدولي لمسؤولية الحماية، حازم القصوري، إن القوات التركية بتمركزها على الخطوط الشمالية يمثل انتهاكًا لسيادة العراق على أراضيه.

'تدخّل قديم يتجدد بأشكال متعددة'

ومن جانبه، يقول المدير التنفيذي للمركز العربي للبحوث والدراسات في القاهرة، هاني سليمان، إن التدخل التركي في الشؤون العربية هو ظاهرة جديدة قديمة يتطور بأشكال جديدة، إذ أنها قائمة على إرث الدولة العثمانية أو التدخل والتحكم في الدول العربية وثرواتها.

وأضاف: "الآن هناك نظام يحاول استدعاء هذا الإرث وهذا التاريخ ومحاولة تجديد الجذور، وذلك واضح من خلال خطابات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أو الرسائل السياسية لبعض المسؤولين الرسميين مثل رئيس الأركان أو غيره أو رسائل أردوغان التي لا تخلو منها الهجمات على الدول العربية المجاورة له أو لباقي دول الشرق الأوسط وإفريقيا".

ولفت سليمان إلى خطورة التدخلات التركية في الدول العربية، ورأى أنها ليست تدخلات سياسية واقتصادية فقط، إنما هي "تدخل يحمل ايديولوجية معينة، لأن هناك مشروع تركي قائم على التوسع في التاريخ والعودة إلى الجذور وإحياء الدولة العثمانية، وهذا كان موجودًا من خلال آخر التصريحات التركية، وعمليًّا من خلال الوجود التركي في أكثر من بؤرة في الدول العربية وإفريقيا، علاوة على المناورات العسكرية شرق المتوسط، وبالتالي أصبحت تركيا دولة خالقة ومصدرة للأزمات بشكل أساسي".

'تطبيق الميثاق الملّي'

وتدفع التحركات المستمرة للدولة التركية في المنطقة والعراق خصوصًا، إلى التأكد من أن هذه الدولة تسعى بكل ما تملك من أدوات ووسائل، إلى إعادة المنطقة إلى العهد العثماني من خلال تطبيق ما يسمى بـ "الميثاق الملّي" عبر "العثمانيين الجدد".

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2016، وبعد رفض الحكومة العراقيّة مشاركة تركيا في عملية تحرير مدينة الموصل شمال العراق من داعش، رد الرئيس التركيّ، رجب طيب أردوغان، على القرار العراقي بالقول: "عليهم قراءة الميثاق الملّي ليفهموا معنى الموصل بالنسبة لنا ... الموصل كانت لنا".

كما قال أردوغان أيضًا: "إذ نعيش الأحداث في سوريا والعراق، فإن الجيل الجديد يجب أن يعرف جيّدًا شيئًا؛ عجبًا ما هو الميثاق الملّي، يجب أن نعرف هذا جيدًا. إذا درسنا الميثاق الملّي وإذا فهمنا الميثاق الملّي، فإننا نفهم جيّدًا مسؤوليتنا في سوريا والعراق، وإذا كنّا نقول علينا مسؤولية في الموصل، فمن أجل ذلك علينا أن نكون على الطاولة وفي الميدان، ولهذا هناك سبب، وللأسف لم نستطع أن نحمي ميثاقنا الملّي على حدودنا الغربية أو الجنوبية، هم أرادوا أن يحبسونا داخل قشرة، وهذا المفهوم نحن نرفضه، هم يريدون منذ عام 1923 أن يحبسونا في هذا المفهوم من أجل أن يجعلونا ننسى ماضينا السلجوقي والعثماني".

وفي مناسبة أخرى قال: "لم نستطع أن نحمي ميثاقنا الملّي، إذا تأملنا جيدًا في التطورات في سوريا والعراق هناك شيء أريد أن أقوله، نحن يتحتم علينا أن نكون من جديد أصحاب الميثاق الملّي".

وتضم خريطة الميثاق الملّي تركيا الحالية كلّ شمال سوريا من الإسكندرون وإدلب وحلب وصولًا إلى نهر الفرات ودير الزور ثم إلى العراق والموصل وكردستان.

'أمراض الامبراطورية العثمانية في العراق’

وفي هذا السياق، تحدث اللواء محمد عاصم شنشل، الخبير العسكري والمحلل السياسي العراقي قائلًا: "إن أطماع تركيا تأتي من النعرة المريضة التي تلازمهم حتى هذا اليوم ألا وهي الإمبراطورية العثمانية".

وأوضح شنشل أن "أطماع تركيا في العراق والموصل تحديدًا في مركز محافظة نينوى ذات الغالبية السكانية من العراقيين العرب الأقحاح، ليست وليدة اللحظة، بل ممتدة منذ مئات السنين حتى اللحظة الذهبية والحاسمة لها بعد عام 2003 أي بعد احتلال العراق من قبل أمريكا وحلفائها وإيران وبعد الاتفاق المبرمج بين إيران وأمريكا على تسليم العراق بكل ملفاته لإيران، عدا ملف إقليم كردستان وبعد الفراغ السياسي الذي يعاني منه العراق حتى هذه اللحظة".

'أطماع خبيثة في العراق'

وبيّن اللواء والخبير العسكري، عاصم شنشل أن "تركيا لعبت دورها الأطماعي الخبيث، حيث بدأت بالتحرك العسكري واختراق الحدود العراقية وتمركز قواتها من خلال عمل قاعدة (ريلكان) في بلدة بعشيقه شمال شرق الموصل بقوة تعدادها ثلاث أفواج بكامل معداتها وعتادها كما وتسهيل مهماتها الاستخباراتية من خلال التعاون الكبير مع الحشد الموجود في مدينة الموصل والكثير من مناطق محافظة نينوى".

وأضاف: "ثروات العراق تُنهب وتُسرق بشكل منظم من قبل إيران التي سيطرت على كل زمام الأمور عسكريًّا وسياسيًّا وفنيًّا، مما جعل الأتراك يحذون حذوهم وبقوة تهديدهم لباقي الأطراف أعلاه، بأن لا يخرقوا الاتفاق ما بينهم كي تستمر تركيا في مواصلة مشروعها الأطماعي التوسعي في العراق تحت مرأى ومسمع ما تسمى بالجهات الحكومية العراقية، العسكرية والأمنية والسياسية. ولذلك تركيا عاثت في أرض العراق فسادًا وكل هذا بسبب النزاعات الطائفية والفراغ السياسي الكبير في العراق وجهل كل من يسمي نفسه سياسي".

'تركيا ستقتلع كل العراقيين في حال لم يكن هناك تحرك سريع'

وحذر اللواء محمد عاصم شنشل، الخبير العسكري والمحلل السياسي العراقي من أنه "إن لم يكن هنالك تحرك سريع لحسم كل هذه الملفات، ستتجه تركيا بإدارتها الأردوغانية الفاسدة اللعينة إلى اجتثاث واقتلاع كل العراقيين العرب في محافظة نينوى وطمس الهوية العربية من أجل إحياء رغباتهم الملطخة بدماء الأبرياء في العراق وسوريا وليبيا والموصل تحديدًا".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً