تمدد تركي في لبنان من بوابة المخيمات الفلسطينية

ما زال الحضور التركي في المخيمات الفلسطينية في لبنان لا يرقى إلى مستوى الحالة الشعبية، لكن يتضح لأيّ مراقب أنّ هناك محاولاتٍ حثيثة لمراكمة حضور مرئيّ من خلال أشخاص مؤثرين، خصوصاً خطباء المساجد.

إن تركيا هي إحدى الدول المتدخلة مباشرة إلى جانب قطر في الحالة السياسية الفلسطينية، وساهمت وأسست وخططت لتنفيذ الانقسام الفلسطيني الداخلي، وقد وفرت مظلة سياسية واقتصادية لاستمرار وديمومة هذا الانقسام، خدمة لمصالحها.

والآن تحاول تركيا التغلغل في لبنان من بوابة المخيمات الفلسطينية مستغلة تطبيع عدد من الدول العربية مؤخراً العلاقات مع إسرائيل، ويؤكد المتابعون أنّ الأتراك، حتى الآن، لم يؤسّسوا حالة شعبية داخل المخيمات، لكن هناك نوع من التعبئة التي تمهّد لها "حركة حماس" التي إذا أرادت ذلك فسيكون، لأنّها قادرة على ذلك.

تأسيس وجود نخبوي!

في مخيّم عين الحلوة في صيدا جنوب لبنان، أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، تسلّل الأتراك إلى خطباء مساجد محسوبين على "حركة حماس"، وعبر تقديم مساعدات إنسانية واجتماعية وصحية لأهالي المخيّم بواسطة جمعيات أهلية غير حكومية، وعبر المؤسسة التركية للتنمية الدولية "تيكا" التي تقدّر ميزانيتها في لبنان نحو 15 مليون دولار سنوياً، بحسب إحصائيين، تصرف "تيكا" هذه الميزانية على ترميم المساجد والطرقات والمستشفيات، وللمخيم الصيداوي جزء كبير من هذه الموازنة التي عادة ما تُصرف عبر أشخاص مؤثرين وبمعيتهم، وليس بشكل مباشر من المصدر التركي.

صحفي فلسطيني متخصّص في شؤون اللاجئين، طلب عدم نشر اسمه، قال: "إنّ تركيا تحاول تأسيس وجود نخبوي، أو تيار تحدٍّ بمواجهة تيارات عربية أخرى موجودة في لبنان"، وكشف أن 12 خطيباً في عين الحلوة تموّل حركتهم "تيكا" وتوزّع مساعداتٍ عبر مساجدهم، التي يصدح فيها اسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطب الجمعة، والأكثر استعمالاً هو تأييد تصريحات أردوغان فيما يخص القضية الفلسطينية، والإضاءة على مواقفه، ومنها مؤخّراً تحويله آيا صوفيا إلى مسجد والإشادة بالخطوة على أنّها "فتح عظيم"، وذلك بخلاف المساجد الأخرى التي تهاجم أردوغان أو لا تأتي على ذكره، وكذلك يستثمر هؤلاء في حادثة سفينة مرمرة التركية التي حاولت فكّ الحصار عن غزة قبل 7 سنوات وراح ضحيتها 9 أتراك.

"الحماسة" تجاه تركيا

تأثير يعترف به شيخ من خطباء أهمّ المساجد عين الحلوة، وهو إذ يرفض نشره اسمه، يؤكد أنّ في عين الحلوة "17 مسجداً، 10 منها رئيسة يتسع أصغرها لـ 500 مصلٍّ، و7 فرعية أصغر سعةً، يتقاسمها عشرات الخطباء، محسوبين على فصائل مختلفة، منها "فتح" و"حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وقوى إسلامية أخرى، من بينها "عصبة أنصار الله" و"الحركة الإسلامية المجاهدة".

ويشير الشيخ إلى أنّ "الحماسة تجاه تركيا موجودة بين الحمساويين الذين يملكون مسجداً رئيساً في عين الحلوة هو مسجد خالد بن الوليد، ويتداور عليه أكثر من خطيب، بالإضافة إلى تداور عدد من خطباء "حماس" على 3 مساجد فرعية أخرى"، ويداوم هؤلاء المشايخ ورؤساء الجمعيات على زيارة السفارة التركية في لبنان والسفر إلى تركيا.

"حماس" تؤكد..!

"حركة حماس" في لبنان، لا تنكر توزيع مساعدات تركية في المخيمات الفلسطينية، وتدّعي أن "الحكومة التركية ممثّلة بالرئيس التركي أردوغان تدعم القضية والشعب الفلسطيني".

وتشير الحركة إلى أن اللقاء الأخير الحاصل في اسطنبول بين حماس وفتح وبيان الشكر لتركيا، ليس إلا دليلاً على مناصرة تركيا للشعب الفلسطيني.

وتتحدث الحركة عن حادثة سفينة مرمرة، وتقول بأن تركيا هي الدولة الوحيدة التي يستطيعون الحصول على فيزا منها والذهاب إليها دون قيود.

وتقول الحركة إنّ المساعدات التركية للشعب الفلسطيني، هي دعم معنوي ومادي من خلال مؤسسات "الهلال الأحمر التركي" وبعض الجمعيات الموجودة في تركيا، وهي إما عينية، غذائية، وصحية، أو معدات طبية، من بينها سيارات إسعاف.

واستطاعت حماس قبل 5 سنوات بناء علاقة قوّية مع تركيا وتأمين الدعم منها كما هو الحال في الداخل الفلسطيني، ولكن حماس ترفض اتهامها بالعمل على تكبير حجم الحضور التركي في المخيمات، لأنها تدعي بأنها كما كل الفصائل لا تريد دخول أيّ دولة في الجانب الأمني داخل المخيم، تفادياً للمشاكل وحرصاً على وحدة الصف الفلسطيني.

'عدم جرّ المخيمات لأيّ محور'

محاولات الدخول إلى المخيمات "ليست جديدة بل موجودة من قبل ومن أطراف مختلفة، سواء إقليمية أو دولية لزجّ المخيمات في الواقع اللبناني"، ولكن يقول اللواء منير المقدح، نائب قائد الأمن الوطني في لبنان: "لكن استطعنا في ظلّ هذه الظروف الصعبة أن نبقي المخيمات بعيدة عن هذا الصراع، وموقفنا ألّا نتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، وألّا تكون المخيمات ورقة في يد أيّ محور هنا أو هناك... وهذا قرار فلسطيني، ونحن حريصون على تطبيقه بالكامل".

ويشدد المقدح على أنّ "فتح" لم تسمح لأيّ مجموعة "بأن تستدرج المخيمات إلى أيّ محور أو متاهات داخل لبنان، وعنواننا العودة والحفاظ على أمن المخيمات وأمن الجوار".

وعن استقبال المساعدات، يؤكد المقدح أنّ نسبة البطالة في المخيمات أكثر من 90% في ظلّ واقع اقتصادي وصحي صعب في لبنان ككلّ، ولذلك "كلّ من يقدّم معونة أو مساعدات للشعب الفلسطيني نقول له شكراً، شرط ألّا تكون مغمّسة بالدم أو بسياسة المحاور، وعلاقتنا إيجابية سواء مع إخواننا في حماس أو مع أيّ فصيل آخر، لكن قرارنا عدم جرّ المخيمات لأيّ محور، وهناك تنسيق دائم مع الجيش اللبناني من أجل المحافظة على رصّ الصفوف ورصد أيّ تحرّكات مشبوهة".

'موطئ قدم تركية في المخيمات'

عضو المجلسين الوطني والمركزي الفلسطيني هيثم زعيتر، يؤكد بدوره وجود "محاولات عديدة ليكون لتركيا موطئ قدم في الساحة الفلسطينية، لأنّ القضية الفلسطينية ورقة يسعى الكثيرون إلى الاستئثار بها لتمرير المشاريع، لكنّه أمر يدركه الفلسطينيون جيداً".

وعن تأثير خطباء المساجد في هذا التأييد، يقول زعيتر: "خطباء المساجد يتوزّعون على مختلف الفصائل الفلسطينية، وخطبة الجمعة الأسبوعية تعتبر نقطة ارتكاز رئيسة تُذكر فيها المواضيع الحساسة التي تُعنى بالقضية الفلسطينية، ولذلك، نرى الشعارات التي يطرحها الرئيس التركي أردوغان تحرّك هواجس البعض ويتأثر بها البعض لفترة محدّدة، والبعض قد يرفع صوراً، ويقدِم على حرق صور آخرين ردّاً على مواقف معيّنة".

ويرى زعيتر أنّ محاولة الدخول التركي إلى المخيمات صعبة جداً، ولا يعتقد أن تكون المخيمات ستكون حضناً ملائماً للوجود التركي، نظراً لاعتبارات عدّة، أبرزها تباعده الفكري مع العديد من القوى الفلسطينية، وتأثير أطراف عربية أخرى أكثر فعالية منه.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً