سياسات: روسيا وإيران تمزقان خريطة الوطن السوري ونسيجه الاجتماعي عسكريًّا واقتصاديًّا

ما بين سياسات روسيا العسكرية والاقتصادية لفرض وجودها في الشرق الأوسط من البوابة السورية، وإيران التي تسعى إلى تثبيت أقدامها في هذا البلد، تتعرض الخريطة والنسيج السوري للتمزق، وتفقد البلاد مصادر اقتصادها.

مع قرب الأزمة السورية من إنهاء عامها العاشر، ما زالت البلاد تعاني تحت وطأة التدخلات الخارجية سواء من حلفاء دمشق –روسيا وإيران- أو تركيا التي تدعم المجموعات المرتزقة والإرهابية وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) وداعش وغيرها من المرتبطين بالدولة التركية.

واستطاعت روسيا عبر ما يسمى "اتفاقات آستانا" التي بدأت مطلع عام 2017 بمشاركة تركية إيرانية، من التحكم بخيوط اللعبة في مناطق سيطرة حكومة دمشق ومرتزقة تركيا على حد سواء، فأعادت سيطرة حكومة دمشق إلى مساحات شاسعة على حساب مرتزقة تركيا، وحشرت الأخيرة في زاوية بشمال غرب سوريا في محافظة إدلب وأجزاء من حلب واللاذقية.

وفي هذا السياق، يرى خبير عسكري في مناطق سيطرة حكومة دمشق (لم يتم ذكر اسمه لأسباب أمنية)، أن روسيا عقدت اتفاقات مختلفة منذ تدخلها في الأزمة السورية أواخر أيلول/ سبتمبر عام 2015، وذلك من أجل فرض سيطرتها في سوريا.

وأولى هذه الاتفاقات جاءت عندما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون” في الـ 20 من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2015 أن الولايات المتحدة وروسيا وقعتا مذكرة تفاهم تهدف إلى تجنب حوادث تصادم روسي أميركي في الأجواء السورية.

وبموجب هذا الاتفاق تم تحديد نهر الفرات كحد فاصل بين نشاط طائرات الطرفين، فروسيا نشطت في الجزء الغربي للنهر والولايات المتحدة ودول التحالف الدولي المناهض لداعش في شرقه.

ولاحقًا استخدمت روسيا اتفاقات آستانا من أجل دفع تركيا لمهاجمة مناطق الإدارة الذاتية، وذلك بهدف إجبار الأخيرة على إعادة سيطرة حكومة دمشق إلى تلك المناطق أو الوقوف في وجه الهجمات التركية، وكذلك الاستفادة منها في إعادة سيطرة حكومة دمشق إلى مناطق لم تكن تستطيع السيطرة عليها إلا بعد أن سحبت تركيا مرتزقتها منها، مثل الغوطة الشرقية وأجزاء من أرياف حلب وحماة وإدلب.

وهذه السياسة الروسية فتحت الطريق أمام احتلال تركيا لمساحة تقدر بـ 10 % من إجمالي المساحة السورية، والبدء بتغيير ديموغرافيتها وفرض اللغة والعملة والعلم التركي فيها تمهيدًا لسلخها كما فعلت بلواء اسكندرون مطلع القرن العشرين.

وبحسب الخبير العسكري السوري، فإن العلاقة الاستراتيجية بين موسكو وأنقرة شكلت إزعاجًا كبيرًا لطهران، فمن المعروف حالة العداء التاريخي بين تركيا وإيران بسبب الخلافات المذهبية بينهما، إضافة إلى رفض إيران مسعى تركيا إلى ضم المزيد من الأراضي السورية إليها بعد لواء اسكندورن وسعيها إلى إعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية البائدة.

وبعد الاجتماع الذي عُقد الـ 25 من حزيران عام 2019 بين كل من مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، مائير بن شبات، ومستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون ونظيره الروسي نيكولاي باتروشيف، بدأت روسيا باتباع سياسة جديدة فيما يخص طهران.

وتجلت هذه السياسة بوضوح عبر محاولات روسيا إبعاد إيران عن الجنوب السوري، عن طريق تشكيل مجموعات مسلحة تابعة لها تحت مسمى الفيلق الخامس وتضييق الخناق على التحركات الإيرانية هناك.

ومع الدخول في عام 2021 بحسب الخبير العسكري السوري، بدأت روسيا بالتضييق على طهران في مناطق انتشارها شرق سوريا أيضًا، وذلك من خلال السعي إلى كسب أبناء العشائر في دير الزور والبوكمال، وذلك في محاولة منها لسحب البساط من تحت أقدام الإيرانيين.

ومؤخرًا تحدثت تقارير عن قيام روسيا بتجنيد أبناء العشائر العربية عبر شركات أمنية خاصة، وبمرتبات شهرية تبلغ 300 دولار، مستغلة سوء الأوضاع الاقتصادية للمواطنين.

ولفت الخبير العسكري السوري إلى أن المحاولات الروسية هذه جاءت "بعدما قامت إيران بحفر أنفاق على الحدود السورية العراقية في مدينة البوكمال، وإدخال الأسلحة والذخيرة إلى الألوية المناصرة لها وعلى اختلاف مسمياتها، وكذلك نقل الطائرات المُسيّرة إلى قاعدة «الإمام علي» التي أنشأها فيلق القدس ليكون مركزًا له للحفاظ على التوازنات الاستراتيجية لضمان سيطرته في المنطقة".

وأكد الخبير أن هذه القاعدة تبعد عن قاعدة التنف الأميركية 320 كم، وتضم 15 نقطة عسكرية، بينها 10 نقاط تحوي عددًا من مخازن السلاح، وساحاتٍ لتدريب المقاتلين.

ولفت الخبير العسكري أن القمة الثلاثية بين روسيا وأميركا وإسرائيل، ركزت على مصالح البلدان الثلاث وبشكل خاص إبعاد إيران عن المنطقة الجنوبية والشرقية من سوريا، وأوكلت المهمة للروس في ذلك.

وأشار الخبير إلى التصريحات الروسية التي سبقت هذه القمة، وقال إنه بعد سيطرة قوات حكومة دمشق على الجنوب السوري منتصف عام 2018، حدثت اتفاقية سرية بين روسيا وإسرائيل، وأكدتها تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عندما قال لوسائل الإعلام الإسرائيلية: " إن القوات السورية الحكومية هي فقط من لديها حق البقاء في الجنوب، ويجب خروج أي قوات أجنبية أخرى"، مشددًا على ضرورة التزام طهران بذلك الاتفاق.

ولضمان تحقيق ذلك، ساعدت روسيا بحسب الخبير العسكري، إسرائيل في شن الغارات على المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا، إذ سبق لروسيا أن فتحت في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2015 "خطًّا مباشرًا" مع الجيش الإسرائيلي، وذلك للتنسيق لمنع أي احتكاك محتمل بين الجيشين الروسي والإسرائيلي.

وفي ختام حديثه، أكد الخبير العسكري السوري أن حرب السيطرة على الأرض السورية بين روسيا وإيران، أدى إلى تمزيق الوطن السوري وضرب نسيجه الاجتماعي عبر تشكيل جماعات موالية لروسيا وأخرى لإيران فضلًا عن الدور التركي الخبيث -وتواطؤ روسيا معها- والذي لعب على وتر الطائفية والمذهبية لتفريق السوريين واستخدامهم لاحقًا كمرتزقة في حروبها بمناطق مختلفة من العالم.

'حرب اقتصادية'

ولم يتوقف التناطح الروسي الإيراني في سوريا، حول السيطرة العسكرية على الأرض، بل امتد إلى الاقتصاد السوري، عبر محاولة كل طرف جني مكاسب لقاء تدخله لحماية حكومة دمشق العاجزة كليًّا عن إيقاف سياسات الطرفين في البلاد.

ويستمر الجانبان وخصوصًا الروسي، بالإعلان عن مشاريع اقتصادية ضخمة للاستثمار في سوريا والادعاء بأنها تأتي من أجل تخفيف الأزمة الاقتصادية في البلاد، ولكنها تبقى مجرد حبر على ورق.

وسبق لروسيا أن أكدت وعلى لسان نائب رئيس الوزراء يوري بوريسوف، في أيلول/ سبتمبر عام 2020 عن اتفاقية جديدة مع حكومة دمشق، تشمل أكثر من أربعين مشروعًا جديدًا في مجال إعادة إعمار قطاع الطاقة وعدد من محطات الطاقة الكهرومائية واستخراج النفط من البحر.

وفي هذا السياق يرى خبير اقتصادي وأستاذ في جامعة دمشق (لم يتم ذكر اسمه لأسباب أمنية)، أن حجم الاستثمار في أي بقعة في العالم مرتبط بشكل وثيق بالاستقرار الأمني والسياسي، وهذا ما يصعب تحقيقه في الوقت الراهن بسوريا نتيجة استمرار أزمتها وعدم وجود حل يلوح في الأفق.

ولفت أن العقوبات المفروضة على حكومة دمشق والتي تحول دون إعادة الإعمار من جهة، وانخفاض سعر صرف الليرة السورية أمام القطع الأجنبي من جهة أخرى، ومفرزات الحرب التي ولّدت محتكرين وأثرياء وأمراء الحرب من جهة ثالثة يخلق سوقًا غير مشجع على الاستثمار أبدًا.

ولذلك يرى الخبير الاقتصادي السوري أن روسيا وإيران ليستا جادتين في تنفيذ الاستثمارات التي تعلنها، وقال ساخرًا: "روسيا وإيران كالذي زوّج ابنته ولكنه يريدها أن تبقى في داره".

وأشار الخبير إلى أن الاستثمار الأجنبي في سوريا كان جيدًا في مرحلة ما قبل الأزمة، وذلك وفق دراسة رسمية من هيئة الاستثمار السورية، فعلى سبيل المثال استثمرت ألمانيا في سوريا 5 مشاريع وبكلفة وصلت إلى 316 مليار ليرة سورية، وتلتها بالكتلة المالية للاستثمار روسيا والصين والسعودية.

أما في الوقت الراهن فيقول الخبير: "لا توجد سوى استثمارات خجولة غير منفذة من طرف حليفي حكومة دمشق الإيراني والروسي".

ولكن الأستاذ في جامعة دمشق أشار إلى أن روسيا وعبر بعض الاستثمارات حققت أرباحًا جيدة بالمقارنة مع إيران، وذلك من خلال ميناء طرطوس التجاري، واستثمار حقول الفوسفات في البادية السورية، وعقد تشغيل لشركة أسمدة حمص، وعقد استكشاف نفط وغاز في مياه سوريا الإقليمية بحوض المتوسط، وبالمقابل لا يوجد أي استثمار إيراني فعلي على الأرض رغم التضخيم الإعلامي له.

ويرى الخبير الاقتصادي أن منهجية الاستثمار بالنسبة للطرفين ـ روسيا وإيران- مختلفة، فإيران تقوم بشراء عقارات في العاصمة دمشق، وبالتحديد في المدينة القديمة، وأيضًا في مناطق منظمة وحديثة كالماروتا سيتي التي ماتزال قيد الإنشاء وما حولها من مناطق كمنطقة كفرسوسة، وذلك نقلًا مباشرًا عن لسان أهلها الذين باعوا العديد من عقاراتهم لإيرانيين أو لبنانيين من حزب الله، وقال إن إيران تسعى إلى التغلغل في المجتمع السوري وتثبيت ركائز لها في صلبه.

أما بالنسبة للروس فالأمر مختلف، فهم دائمًا يسعون إلى المشاريع الناجحة ويستثمرون فيها، بحسب وصف الخبير، لا سيما المدفن الأثري المكتشف قبالة شواطئ طرطوس الذي نقبت عنه روسيا وكشفت عن محتوياته دون التنسيق حتى مع حكومة دمشق.

وأكد الخبير الاقتصادي أن الأوضاع الراهنة لدى حليفي دمشق لا تسمح لهما بزيادة النفقات الخارجية، وبالأخص بعد الضغوطات والعقوبات التي تعرضتا لها على يد الولايات المتحدة، وتأثير جائحة كورونا على الوضع الاقتصادي في العالم أجمع، وزيادة الاحتقان الشعبي داخل البلدين من الإنفاق الخارجي أمام تجويع الشعب في الداخل وخصوصًا بالنسبة لإيران.

وأمام حكومة عاجزة في دمشق ارتهنت بشكل كلّي للداعمتين موسكو وطهران، باتت مصادر الدخل في البلاد في أيدي الأخيرين، ولا يستفيد منها الشعب السوري في ظل العقوبات الأميركية المفروضة وتدهور سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية وبلوغها مستويات قياسية، إذ وصل سعر الصرف إلى أكثر من 3 آلاف ليرة للدولار الواحد بعدما كانت بحدود 47 ليرة مطلع عام 2011.

وفي ختام حديثه نبه الخبير الاقتصادي والاستاذ في جامعة دمشق من مخاطر التدخلات الخارجية في سوريا وتأثيراتها على مستقبل البلاد وتنوعها، وقال إن التنافس لا يقتصر على الجانب العسكري والاقتصادي فقط، بل وصل إلى قطاع التعليم عبر اللغتين الروسية والفارسية وتعليمها للأجيال الجديدة، علاوة على فرض تركيا للغتها في المناطق التي تحتلها وافتتاحها لكليات تابعة لها بشكل كلي في تلك المناطق.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً