سرت والجفرة.. صراع على النفط والموانئ وإحياء لمشاريع قديمة

احتدم الصراع على كل من مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية، بين الأطراف المتدخلة في ليبيا، فلكل طرف هدف لعل أهم هذه الأهداف هو السيطرة على الثروات الباطنية في هذه البلاد وموانئها، وضمان موطئ قدم فيها، إحياء للنزعات التوسعية والمشاريع القديمة.

تشكل مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية الآن أهم المناطق التي يسعى الجميع للظفر بها في ليبيا، إذ أن للمدينة والقاعدة الجوية أهمية كبرى لدى الجميع، فحكومة الوفاق وبدعم تركي تسعى للسيطرة عليها بأي ثمن، في حين تصر قوات اللواء خليفة حفتر على عدم التفريط بهما، بدعم روسي ومصري وفرنسي.

التدخل الخارجي يعقد المشهد الليبي

تركيا التي تدخلت في ليبيا ووقّعت اتفاقية مع حكومة فايز السراج في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، اعترفت رسميًّا في 8 حزيران/ يونيو المنصرم بأن هدفها في سرت والجفرة هو السيطرة على حقول النفط، وأكد أردوغان أن روسيا "منزعجة"، وإنه سيناقش الأمر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وتصاعد التوتر بين روسيا وتركيا فيما يتعلق بتوزيع القوات في تلك المنطقة، إذ أجل وزيرا الخارجية والدفاع الروسيان في 14 حزيران/يونيو زيارة إلى تركيا في اللحظة الأخيرة، مع استمرار الاتصالات الثنائية، وانسحبت موسكو من المحادثات بعد أن رفضت تركيا اقتراحًا مصريًّا بوقف إطلاق للنار يتماشى مع خطة اللعبة الروسية.

وزاد حدة الخلاف بين الأطراف على سرت بالفعل في أوائل حزيران/يونيو، عندما زار وفد من حكومة الوفاق الوطني، بما في ذلك نائب رئيس المجلس الرئاسي أحمد معيتيق موسكو مؤكدًا أن "سرت خط أحمر لروسيا"، وبعد عودته إلى طرابلس، اتصل بقائد عمليات سرت - الجفرة، وحثه على وقف الهجوم بينما تعهد وزير الداخلية في حكومة الوفاق بالسيطرة عليها، كما أمر رئيس الوزراء فايز السراج بعد عودته من أنقرة، بمواصلة الهجوم.

وقال العميد عبد الهادي دراه، المتحدث باسم غرفة العمليات المشتركة بين سرت والجفرة بالجيش الوطني الليبي، في 15/ حزيران يونيو "سرت خط أحمر بالنسبة لنا".

فيما لم تبق مصر صامتة على ما يجري من تغييرات على الساحة، وسرعان ما أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن الجفرة وسرت خط أحمر، وأن مصر لن تسمح بسقوطهما في يد قوات الوفاق، وأنها قد تتدخل عسكريًّا لمنع ذلك، وحصلت مصر قبل عدة أيام على تفويض من البرلمان الليبي الذي طالب بتدخل مصر لحماية الأمن القومي لمصر وليبيا بوجه أطماع تركيا.

تركيا صاحبة القرار وحكومة الوفاق لا حول لها

وفي هذا السياق يقول المدير التنفيذي للمركز العربي للبحوث والدراسات في القاهرة، هاني سليمان أن الموضوع واضح جدًّا، ويؤكد أن صاحب القرار في الداخل الليبي ليست حكومة الوفاق، فلو تركت الأمور لموازين القوى الطبيعية لكان هنالك تفوق نوعي لقوات المشير حفتر، لكن التدخل القطري غير مباشر ودعم ميليشيات من الداخل السوري، وأيضًا التدخل السافر الواضح التركي في ليبيا عقد موازين القوى بشكل كبير، معتقدًا أن السراج ليس صاحب قرار وإنما تركيا تتحكم بالمشهد لصالح أهداف معينة.

سرت.. الأهمية الاستراتيجية

تعدّ سرت مدينة محورية في الصراع الليبي نظرًا لما تتمتع به من ميزات مهمة للغاية، وهو ما جعلها تكتسب أهمية استراتيجية في تحديد مسار المواجهات القادمة بين حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج والجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، حيث تقع سرت في منتصف الساحل الليبي بين طرابلس وبنغازي على بعد 600 كم من بنغازي و450 كم عن العاصمة طرابلس، وتعدّ سرت من أكثر المدن الليبية امتدادًا على الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط.

ويزيد من أهمية المدينة الاستراتيجية قربها من حقول النفط الواقعة جنوب شرقها، وكذلك موانئ النفط الرئيسة في ليبيا، إذ تعدّ المدينة البوابة الغربية لمنطقة "الهلال النفطي" في البلاد والطريق الذي يجب على أي طرف أن يسيطر عليه ليتمكن من الوصول إلى موانئ زويتينة وراس لانوف والسدرة والبريقة، حيث يوجد 11 خط نفط و3 قنوات غاز.

وقبل اندلاع الحرب في 2011 في ليبيا، كان 96 % من الدخل الليبي من النفط، حيث يبلغ احتياطي البلاد 48.3 مليار برميل من النفط و1.5 تريليون متر مكعب من الغاز.

وتضم المدينة أيضًا منشآت استراتيجية منها؛ مطار القرضابية الدولي الذي يبعد عن جنوب سرت 16 كيلومترًا، وميناء سرت التجاري، وفيها أيضًا قاعدة الجفرة الجوية أيضًا أكبر القواعد العسكرية الليبية التي تتصارع الأطراف المتدخلة عليها .

قاعدة الجفرة

وتعدّ قاعدة الجفرة نقطة استراتيجية مهمة، حيث يقول اللواء نصر سالم رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق في الجيش المصري أن منطقة سرت هي الباب الحقيقي للسيطرة على مناطق الهلال النفطي الغنية بالبترول.

وتعد قاعدة الجفرة الجوية من أهم المناطق التي أججت الصراع في ليبيا، حيث تقع تلك القاعدة شمالي سرت، ولا يفصلها عنه سوى طريق مفتوح لا يتجاوز 300 كيلومتر، وتعد من أكبر القواعد الجوية الليبية، وتتميز ببنيتها التحتية القوية التي تم تحديثها، لكي تستوعب أحدث الأسلحة، كما تشكل القاعدة غرفة عمليات رئيسة لقوات حفتر.

أما منطقة الجفرة فتعد هي الأخرى مهمة لأنها تقع وسط البلاد، وهي تبعد بنحو 650 كيلومترًا جنوب شرقي طرابلس، وهي محور ربط بين الشرق والغرب والجنوب، والسيطرة على قاعدة الجفرة تعني تقريبًا السيطرة على الوسط الليبي بالكامل، وتسيطر قوات حفتر على الجفرة منذ 2017، في حين سقطت سرت، التي تبعد عنها 300 كيلومتر إلى الشمال، في أيدي قواته في حزيران/يونيو 2019.

السيطرة على سرت والجفرة ليست سهلة

ويؤكد هاني سليمان أن تركيا تود من خلال السيطرة على سرت والجفرة دعم ميليشياتها في ليبيا وفتح جبهات واسعة وقال "باعتقادي أن الضربة التي لحقت بتركيا في قاعدة الوطية وقادتها كانت كبيرة جدًّا لذا عليها التفكير مرة أخرى بأن الأمور ستشتغل، وسيكون هناك عدم قبول للوجود التركي، ولربما تفتح جبهات كبيرة لن تكون تركيا قادرة على إداراتها أو حتى مستعدة لها".

وأشار سليمان بأن فكرة الدخول إلى سرت والجفرة هي عملية حسابية معقدة، وأضاف "هناك رفض للتصعيد والممارسات التركية في ليبيا من قبل فرنسا ودول مثل الإمارات والسعودية، لذا يجب على تركيا الدخول في مفاوضات سياسية برعاية دولية، ولكن لا أظن بأن تركيا تريد هذا الحل وإنما تحاول السيطرة على الموارد وتنشيط اقتصادها على حساب الليبيين".

صراع الأطراف على سرت والجفرة

مصر

تعدّ القاهرة أن سرت والجفرة خطٌّ أحمر لأنه  في حال سقوطهما في يد حكومة الوفاق ستسيطر على النفط الليبي مما يعطيها التفوق على قوات حفتر، وهذا سيساعدها في السيطرة على باقي المدن حتى تصل إلى الحدود المصرية.

ويرى أكاديميون مختصون في الشأن المصري أن من يحكم السيطرة على الموقعين سيكون هدفه التالي "ابتلاع" الشرق الليبي، ومن ثم تهديد الأمن والعمق المصري في حدوده الغربية والتي تمتد لقرابة 1200 كيلومتر، حيث تعد الجفرة أقرب المناطق في الجنوب الليبي لمصر، لذلك فإن وجود مرتزقة وجنود أتراك سيمثل تهديدًا حقيقيًّا لأمن مصر.

ويرى المدير التنفيذي للمركز العربي للبحوث والدراسات هاني سليمان أن تركيا تريد السيطرة على سرت والجفرة من أجل السيطرة على الهلال النفطي، مؤكدًا أن السيطرة على سرت والجفرة سيشكل تهديدًا كبيرًا ومباشرًا للأمن القومي المصري، باعتبارها قريبة من الحدود المصرية وتركيا هي عدوة لمصر، مشيرًا إلى المخاوف من إدخال تركيا للإرهابيين إلى الأراضي المصرية في حال سيطرتها على سرت والجفرة، وهذا ما لن تقبله مصر.

أما الكاتب والصحفي الليبي عبد الحكيم معتوق فلا يتصور بأن ينجر المصريون إلى معركة في الصحراء ويضيف قائلًا: "يمكن لمصر أن تقدم دعمًا لوجيستيًّا وطائرات، ولكن الدخول بشكل مباشر إلى أرض المعركة غير متصور، وبالتالي فإن معركة سرت ستكون صعبة للغاية على ما تبقى من الجيش في معركته الوطنية وقوى مساندة وقبائل".

تركيا

تركيا التي تدعم حكومة الوفاق بشكل مباشر عسكريًّا تسعى إلى وجود عسكري دائم في ليبيا، وتتطلع بعد قاعدة الوطية إلى قاعدة بحرية في مصراتة، وقاعدة القرضابية الجوية بالقرب من سرت.

وتطمع تركيا بشكل كبير في النفط الليبي، وتسخّر كل إمكاناتها للحصول عليه، سواء في البحر أو الحقول البرية، الأمر الذي دفعها إلى إرسال آلاف المرتزقة السوريين إلى تلك المناطق بالإضافة إلى جنود وخبراء عسكريين أتراك واستخدام الطائرات المُسيّرة في المعارك.

وكشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان النقاب عن السياسة التركية في تلك المنطقة وأشار إلى أن عملية السيطرة على مدينة سرت ومحيطها بسبب وجود آبار الغاز والنفط فيها.

روسيا وفرنسا

أما بالنسبة لروسيا، فهي تسعى إلى السيطرة على سرت للحصول على موطئ قدم في جنوب البحر المتوسط، بعد الحصول على قواعد في طرطوس واللاذقية بسوريا، حيث تتهم روسيا بنشر قوات خاصة في ليبيا ومقاتلين من شركة فاغنر الروسية وأيضًا تقديم طائرات حربية لقوات حفتر إلى جانب الأسلحة الثقيلة والدعم اللوجستي والمعنوي.

فيما ترى فرنسا في سرت نفس الأهمية التي تنظر إليها روسيا، فهي الأخرى تريد الميناء والقاعدة العسكرية.

صمت أمريكي..

وتصاعد التوتر بين كل من فرنسا وتركيا، حيث اتهمت فرنسا تركيا بازدياد "عدوانيتها" في ليبيا، متهمة إياها بانتهاك حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وطلبت عقد اجتماع للناتو بشأن هذه القضية، وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إن موقف تركيا "يشكل خطرًا علينا وخطرًا استراتيجيًّا غير مقبول، لأنها تبعد 200 كيلومتر (124 ميلًا) عن الساحل الإيطالي".

وتحاول فرنسا الحصول على دعم أمريكي مباشر لكبح جماح تركيا في ليبيا، ولكن واشنطن تسعى إلى إعاقة روسيا لذلك لا توقف أنقرة، ولكن من الممكن أن تغير واشنطن موقفها في حال عقدت أنقرة اتفاقًا مع موسكو في ليبيا.

آخر معاقل المشروع الوطني

ويؤكد الكاتب الصحفي الليبي عبد الحكيم معتوق، أن سرت والجفرة هما آخر ما تبقى من معقل المشروع الوطني، وسقوطهما يعني سقوط ليبيا بالكامل نهائيًّا في مستنقع الاحتلال التركي، وقال "يبدو أن هناك تفاهمات وتنسيقًا تركيًّا روسيًّا على تسليم سرت والجفرة وهذا نعده خيانة وكارثة كبرى".

المقاومة هي السبيل ...

وأوضح معتوق في تصريحه لوكالتنا على أنه لم يبقَ أمام الليبيين سوى خيار واحد وهو المقاومة، وعدم التسليم أو الاعتماد على أي طرف خارجي في معركة سرت، لافتًا إلى أن الاستسلام يعني السقوط، والاعتماد على أطراف أخرى تقف بجانبهم بما فيها الجانب المصري، لن يفيد.

وبيّن معتوق أن الحرب أصبحت معركة تكسير عظام، وعلى الليبيين أن يقاوموا لتبقى سرت والجفرة "حاضنتان للمشروع الوطني، وإلا ستسقط ليبيا بأكملها في براثن مشروع الخلافة الذي أهم ركيزة فيه التنظيم العالمي للإخوان المسلمين".

أما المدير التنفيذي للمركز العربي للبحوث والدراسات في القاهرة، هاني سليمان يقول إن الطائرات مجهولة الهوية أو بعض العمليات التي ستكون من عناصر غير معلومة، ستحاول الوقوف والتصدي لأطماع أردوغان، ومحاولة إيقاف تمدد الوفاق والسراج في الداخل الليبي لأنه غير مقبول.

وقال في الختام "حتى ولو دخلت القوات التركية إلى سرت والجفرة فإنها لن تكون في مأمن، بل ستكون مرحلة جديدة من الأزمة والصراع بشكل كبير ولن يكون ذلك لصالح الدولة الليبية والشعب الليبي، ومصر حكيمة بشكل كافٍ وقوية ويمكنها التصدي للأطماع التركية".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً