صراع النفوذ بين روسيا والغرب قد يفجر الاشتباكات في محيط موسكو الجيوسياسي

في تطور دراماتيكي خلال الأيام القليلة الماضية، اندلعت اشتباكات حدودية بشكلٍ متزامن، بين أرمينيا وأذربيجان، وطاجيكستان وقرغيزستان، وتزامن ذلك مع تصاعد التوتر بين روسيا من جهة والغرب من جهة أخرى في أوكرانيا.

دفعت الاشتباكات الحدودية بين أرمينيا وأذربيجان وطاجيكستان وقرغيزستان إلى طرح تساؤلات حول توقيتها، وما إذا كانت هناك دوافع من وراءها، سواء من الكرملين، في محاولة لتشتيت الانتباه عما يحدث في أوكرانيا، أو من الولايات المتحدة والغرب، لنشر الفوضى حول روسيا، وزيادة الضغط عليها، بالتزامن مع تورطها في المستنقع الأوكراني، بحسب ما يرى مراقبون.

واعتدت أذربيجان على أرمينيا الأسبوع الماضي، كما اندلعت اشتباكات على الحدود ما بين قرغيزستان وطاجيكستان، حيث تبادل البلدان الأسبوع الماضي، الاتهامات باستخدام الأسلحة الثقيلة مثل الدبابات وقذائف المورتر في تصعيد للصراع الحدودي بين البلدين الذين كانوا من ضمن جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.

وتشير التقارير إلى أن هذه الاشتباكات ليست جديدة وتتكرر بشكل شبه منتظم، منذ استقلال الدولتين إثر انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، لكن توقيتها هذه المرة ربما يحمل دلالات تجعلها أبعد من مجرد مناوشات حدودية معتادة، وأنها قد تندرج في سياق تصاعد الصراع الدولي بين روسيا من جهة والغرب من جهة أخرى، حيث تعتبر موسكو البلدان الأربعة ضمن المجال الجيوسياسي الخاص بها، مثلها مثل باقي دول القوقاز وآسيا الوسطى، حيث لروسيا قواعد عسكرية في تلك البلدان وتربطهما علاقات وثيقة مع موسكو.

ويرى المراقبون بأنه على الرغم من أن الشكل الظاهري للاشتباكات يدور حول النزاعات الحدودية، والتي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، إلا أن توقيتها الحالي وخاصة بعد احتدام الصراع بين روسيا والغرب في أوكرانيا، يشير إلى أن هناك صراع خفي على الهيمنة على هذه الدول بغية تحقيق مكتسبات ليضغط بها كل طرف على الآخر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تحاول الدول المتصارعة فيما بينها على النفوذ في القوقاز وآسيا الوسطى، أن تبدو وكأنها رجل إطفاء، بغية زيادة ترسيخ وجودها في تلك الدول.

بحث عن تنازلات

رئيس تحرير صحيفة، كاليفورنيا كوريير، الأرمينية، هاروت ساسونيان، في حديث خاص لوكالتنا فسّر الاعتداءات التي قامت بها أذربيجان ضد أرمينيا بأن "أذربيجان تنظر إلى أرمينيا على أنها دولة ضعيفة ذات قيادة ضعيفة، لذا فهي تضغط على أرمينيا لتقديم المزيد من التنازلات والاستيلاء على المزيد من الأراضي وفرض شروطها".

أما الباحث في العلاقات الدولية طارق وهبي فتحدث لوكالتنا عن جذور المشكلة في تلك الدول والاشتباكات المتكررة فيما بينها وقال: "بعد سقوط حائط برلين لم يتسنى أبداً للدول التي كانت في فلك الاتحاد السوفيتي أن تتحاور فيما بينها للاستقرار وحل مشاكل الحدود وكذلك القوميات التي تسكن في هذه الجغرافيا".

واعتبر وهبي أن "الدافع لهذه الدول كان أن تثبت انفصالها العضوي عن الاتحاد السوفياتي والبحث عن إطار جديد مع روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي، إلى أن أتى بوتين وشخصيته التي لم تقتنع بالانفجار السوفييتي والذي لا يزال يبحث عن صلابة المواقف القديمة التي شكلت قوة الاتحاد السوفياتي".

ويرى الباحث المختص في العلاقات الدولية من باريس أن "الاشتباكات الحالية والمتكررة مبنية على ثلاثة أمور، أولاً، الصراع المبني على القوميات، وثانياً، الصراع على مدى الاقتراب من دول القرار روسيا، أو الولايات المتحدة الأميركية أو الاتحاد الأوروبي، وثالثاً، الصراع على الثروات الطبيعية التي قد تتقاسمها هذه الدول".

أما بخصوص ما حصل ويحصل بين أذربيجان وأرمينيا، فيرى وهبي أن "ما يحصل بين أرمينيا وأذربيجان هو أساساً خلاف مشترك قومياً وجغرافياً وتعقّد أكثر بعد التدخل التركي وكذلك عدم دفاع روسيا عن أرمينيا، لذلك الرئيس بوتين يتحمل مسؤولية كبيرة في عدم التدخل السريع".

وأضاف "يعتبر التدخل التركي مسموحاً من أميركا التي لا تنفك تتهم تركيا بمجازر الأرمن. ولذلك هذا النزاع سيظل قنبلة حامية".

تشتيت روسيا

أما بخصوص النزاع ما بين قرغيزستان وطاجكستان، يقول وهبي إن هذه النزاع "أولاً داخلي جرّاء اختلاف قادة هذه الدول حول الحدود والمقاربة من السياسة الروسية وما تسعى إليه موسكو لضم صوت هذه الدول في حربها الحالية على أوكرانيا، ولكن لا يخفى على أحد أن الدبلوماسية الأميركية تسعى وبقوة لتشتيت التقارب مع روسيا وطرح اتفاقيات تعاون قد تغدق على هذه الدول بنتاج اقتصادي يساعدها لتصل إلى مستوى الدول النامية".

ويوضح الباحث "الولايات المتحدة منذ سقوط حائط برلين تسعى بشتى الطرق بتقاربها مع الدول السابقة في الاتحاد السوفياتي عبر تفعيل الديمقراطية والابتعاد عن التسلط في الحكم، للأسف هناك تيارات في داخل هذه الدول التي لا ترغب بالعودة إلى الماضي ولكنها تخشى أيضاً الانفتاح مع أميركا لأن لا ثقة لديها بتفعيل الاستفادة المشتركة وخصوصاً أن أميركا بصدد البحث فقط عن إضعاف روسيا في محيطها الجغرافي".

واعتبر الباحث المختص في العلاقات الدولية طارق وهبي أن "ما حصل في كازخستان الدولة الأكبر في المحيط الروسي يدفع بالقول إن روسيا باتت مخترقة من محيطها لعدم حضورها الدولي وإخفاقها في أوكرانيا هو أكبر دليل".

(ي ح)

ANHA