صحيفة: مصالح الصين وروسيا والغرب في إثيوبيا حالت دون الضغط عليها في ملف سد النهضة

عندما أعلنت إثيوبيا الاثنين الماضي عن استكمال المرحلة الثانية لملء خزان سد النهضة، أدركت مصر أن جهودها الدبلوماسية وتهديداتها باستخدام القوة العسكرية ضد إثيوبيا قد فشلت.

يقول تحليل لصحيفة الهآرتس الإسرائيلية: "حملت التغريدة الطويلة والمفصلة التي نشرتها السفارة الإسرائيلية في القاهرة في وقت سابق من هذا الأسبوع نبرة من القلق عندما قالت: نؤكد بتصميم لا يحتاج إلى تفسير، أن كل ما ينشر في وسائل الإعلام عن تورط إسرائيل في سد النهضة خاطئ ولا أساس له. … نتخذ موقفاً محايداً بالنسبة لكلا الجانبين من هذه القضية. تمتلك إسرائيل ما يكفي من المياه ونحن على استعداد دائم لوضع معرفتنا التكنولوجية في هذه الأمور تحت تصرف مصر".

القضية التي أثارت قلق السفارة ووزارة الخارجية الإسرائيلية هي التقارير التي تفيد بأن إسرائيل رفضت طلب مصر بالتدخل والضغط على إثيوبيا لتعليق ملء الخزان خلف سد النهضة، مما يسمح بالتوصل إلى اتفاق ملزم بين مصر والسودان فيما يتعلق بتوزيع المياه.

وكانت العشرات من الردود على التغريدة غير لائقة بل وحتى تهديدية، وقال أحدهم: "القاتل يحضر جنازة الضحية". وقال آخر: "حتى لو أقسمت على التوراة، فلن أصدقك".

وعندما أعلنت إثيوبيا يوم الاثنين الماضي عن استكمال المرحلة الثانية لملء خزان السد، أدركت مصر أن جهودها الدبلوماسية وتهديداتها باستخدام القوة العسكرية ضد إثيوبيا قد ذهبت هباء. الحقيقة هي أنه لم يكن عليها انتظار إعلان إثيوبيا لإدراك فشلها الدبلوماسي.

تحطمت آمالها في أن يُلزم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إثيوبيا بالامتناع عن ملء الخزان وفرض اتفاق ملزم بشأن توزيع جديد للمياه. وكان مجلس الأمن الذي اجتمع في 8 تموز بناء على طلب مصر والسودان، تهرب من اتخاذ قرار واكتفى بإعلان دعمه لجهود الوساطة التي يقوم بها الاتحاد الأفريقي الذي لم يجد حلاً حتى الآن.

وتقول إثيوبيا أن مجلس الأمن لا يمكن أن يتدخل في القضايا المتعلقة بالسد، وأنه لا يوجد قانون دولي يلزمها بالالتزام بالقرارات الدولية في هذا الشأن. ومع ذلك، فإن العقبة الرئيسية ليست القانون الدولي ولكن الاعتبارات الدبلوماسية والاقتصادية للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.

تستثمر الصين إلى أقصى حد في إثيوبيا بشكل عام وفي السد بشكل خاص. فهي لا تقوم فعلياً ببناء السد حتى لا تزعج مصر، لكنها منحت إثيوبيا قروضاً بمليارات الدولارات، لولاها لوجدت إثيوبيا صعوبة في استكمال بناء السد، الذي تقدر تكلفته بـ 5 مليارات دولار. في المقابل، حصلت الشركات الصينية على بعض العقود الكبيرة المرتبطة بالسد، مثل مد أنابيب المياه وبناء محطات توليد الكهرباء.

كما أن روسيا مستثمر كبير آخر في إثيوبيا، وحصلت شركة ""WEBUILD الإيطالية على عقد لبناء البنية التحتية الرئيسية للسد، كما فعلت الشركة الألمانية العملاقة "Voith Hydro"، والتي ستقوم بتركيب التوربينات في محطة الطاقة جنباً إلى جنب مع شركة جنرال إلكتريك الأميركية وشركة الستوم الفرنسية. بالإضافة إلى ذلك، استثمرت الدول العربية الغنية مثل قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، على الرغم من علاقاتها الوثيقة مع مصر، مبالغ ضخمة من الأموال في إثيوبيا. لقد بنت هذه المصالح الاقتصادية حصناً دبلوماسياً قوياً حول إثيوبيا، حيث ستواجه مصر معضلة مروعة.

يجب على مصر أن تقرر كيفية التصرف في مواجهة ما تعتبره تهديداً لأمنها القومي وحتى وجوده. وحذّر الرئيس عبد الفتاح السيسي، في آذار الماضي، من أن "مياه النيل خط أحمر، وأي تعدي على مياه مصر سيقابل برد من شأنه أن يعرض استقرار المنطقة بأكملها للخطر". وتشير التقديرات في مصر إلى أن النظام سيواصل الآن خوض صراعاته عبر القنوات الدبلوماسية وليس شن حرب، خاصة في ظل غياب الدعم الدولي أو العربي للعمل العسكري.

ووفقاً لتقديرات الاقتصاديين المصريين، فإن مصر التي تحصل على معظم مياهها من نهر النيل، قد تفقد 10 مليارات متر مكعب من المياه سنوياً من أصل 50 مليون متر مكعب تلقتها حتى عام 2019. وهذا يترجم إلى تخفيض ضروري في الأراضي الزراعية، التي توفر 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر و20 في المائة من صادراتها، وتوظف 30 في المائة من القوة العاملة في مصر.

تطالب مصر بأن يتم ملء خزان السد على مدى 12-21 سنة وأن يتم هذا الملء بالتنسيق مع سنوات الجفاف. تعترض إثيوبيا على هذا الطلب لأنها ترغب في تشغيل محطات الطاقة الجديدة في أقرب وقت ممكن لتوفير الكهرباء لـ 60 في المائة من سكانها غير المرتبطين بالشبكة بعد.

كما وقعت إثيوبيا بالفعل اتفاقيات لبيع المياه إلى تنزانيا وأوغندا ورواندا، وتعتزم توسيع نطاق بيعها للكهرباء إلى دول أفريقية أخرى. هذا يتعارض مع مصر، التي تحاول أيضاً اقتحام السوق الأفريقية للكهرباء. تحاول مصر توقيع اتفاقيات مماثلة مع الدول التي وقعت بالفعل اتفاقيات مع إثيوبيا.

مصر، التي تعتمد على نهر النيل في 97 في المائة من احتياجاتها المائية، أهملت على مدى عقود تنمية مواردها المائية وقدرتها على تحلية المياه. سيتعين عليها الآن العودة إلى تجنيد المستثمرين وبناء محطات تحلية المياه التي ستوفر المياه لمواطنيها البالغ عددهم 100 مليون نسمة، والذين من المتوقع أن يصل عددهم إلى 160 مليوناً بحلول عام 2050. فحتى لو لم تقم إثيوبيا ببناء السد، فإن مقدار المياه الذي تحصل عليه مصر، وفقاً للاتفاقيات السابقة التي حددت الحصص، لن تكفي بعد الآن.

(م ش)


إقرأ أيضاً