ساطع راجي: على الشعبين العربي والكردي رفض كل ممارسات مشروع العثمنة

أكد الكاتب والناقد ساطع راجي، أن على كلا الشعبين العربي والكردي إعلان رفض واضح لكل الممارسات التي تمهد لمشروع العثمنة، وأن يكون الرفض أولوية عليا على كافة المستويات وفي مقدمتها الثقافية.

تربط بين العرب والكرد علاقات تاريخية، طرأ عليها بعض الركود، نتيجة سياسات الأنظمة الحاكمة، التي فككت النسيج الاجتماعي، وعلى وجه الخصوص النظام التركي لإحداث شرخ بين الشعبين العربي والكردي.

وهناك دعوات متكررة من النخبة المثقفة والسياسية لضرورة توطيد العلاقات العربية- الكردية لمواجهة المخاطر المحدقة بالشعبين وعلى رأسها خطر العثمنة الجديدة.

يرى الكاتب والناقد العراقي ساطع راجي، أن الانقسام القومي والعرقي هو حالة طارئة على المنطقة وهو نتيجة سياسات استعمارية حاولت التأسيس لمفهوم القومية بالمعنى العنصري لا الثقافي، هذا التقسيم الحاد أدى إلى ظهور أنظمة ترفض التعددية بكل أشكالها، وحتى منها التعددية الطبيعية، أي وجود أمم متعددة عليها أن تتعاون وتتفاهم لتحقيق مصالحها المشتركة.

وأكد ساطع راجي لوكالتنا، أن الانقسام القومي والعرقي أثر كثيراً على العلاقات بين مختلف القوميات في المنطقة (العرب، الكرد، الفرس، الأمازيغ، الترك....) وحدثت شروخ حقيقية للأسف بسبب الأنظمة، وقال: "مع ذلك فإن التحديات في النهاية دفعت المجتمعات لترميم ما هدمته السياسة، فالأصل الإنساني هو التعاون، في العراق وسوريا نجد أن التفاعل بين الشعبين العربي والكردي يسير مجتمعياً بشكل جيد، ويعزز هذا التفاعل تاريخ طويل من العلاقات الإنسانية والاجتماعية التي ترسخت على أسس المساواة والتعاون في مختلف أجزاء المنطقة".

السلطة العثمانية حاولت تنفيذ عملية صهر كبرى لتذويب مجتمعات المنطقة

وتطرق إلى وضع العلاقات العربية الكردية في تاريخ العراق، وقال: "في التاريخ العراقي القريب تحديداً مثلاً، تجد أن القيادات اليسارية والشيوعية كانت لفترات طويلة من الكرد رغم أن الجسد الحزبي يتكون من العرب غالباً، هذه الحساسية مجتمعياً لم تكن مطروحة رغم أن السلطة (التي يقودها عرب)، والأحزاب الكردية كانت تخوض حروباً قاسية، وطوال القرن العشرين كانت الشخصيات الكردية تشغل مواقع مركزية في السلطة سياسياً وعسكرياً وإدارياً، ولم تكن هناك أي حساسية مجتمعية تجاه ذلك، وهذا ما يكشف الانفصال بين السلطة القمعية والمجتمع، لأن السلطة كانت دائماً جزءاً من منظومة دولية لديها أجندتها الخاصة لتقسيم المنطقة وفق ما تشتهيه مصالحها".

وتطرق راجي إلى الركود في العلاقات العربية الكردية في الآونة المنصرمة، نتيجة سياسات الأنظمة الحاكمة، التي فككت النسيج الاجتماعي، وعلى وجه الخصوص النظام التركي، وقال: "أما عن الدور السياسي التركي، فعلينا استذكار عدة قرون كانت فيها السلطة العثمانية التركية تحاول خلالها تنفيذ عملية صهر كبرى لتذويب مجتمعات المنطقة في كيانها، لعل فكرة أن القبائل التركية الحاكمة تحديداً هي طارئة على المنطقة بقيت راسخة في ذهن السلطة لقرون، كانت سلطة استعمارية ظهرت بالتزامن مع الاستعمار الغربي الإسباني والبرتغالي والهولندي ثم الانكلوسكسوني والفرنسي، وفي كل الحالات كان الاستعمار يحاول التخلص من الشعوب الأصلية تماماً، الاستعمار هنا مجرد سلطة أقلوية لا تمثل مجتمعاً أو شعباً بل تقمع الجميع، الشعب الذي خرجت منه والشعب الذاهبة إليه، لكن هذه الممارسات تكون ممكنة في مجتمعات صغيرة وهشة وبدائية كما حدث في الأمريكيتين، أما المجتمعات الراسخة والحضارية فذلك صعب جداً وتنتج عن هذا الوضع إحراجات كبيرة للسلطة الاستعمارية التي تريد فرض نفسها كقوة محافظة على الاستقرار والسلام عبر إثارة النزعات العنصرية والطائفية والمناطقية والعشائرية، ويمكن القول إن ما فعلته الدولة التركية العثمانية في العراق ما زال سبباً في الأزمات".

الإعلام اليوم هو الفيلق الأول في الجيش العثماني

وأكد الكاتب والناقد ساطع راجي، أن على كلا الشعبين العربي والكردي إعلان رفض واضح لكل الممارسات التي تمهد لمشروع العثمنة، وأن يكون الرفض أولوية عليا على كافة المستويات وفي مقدمتها الثقافية، وقال: "يمكننا اليوم أن نلاحظ بسهولة العدد الكبير من المحللين السياسيين الترك الذين يطلون على الشاشات العربية مسلحين بلغة عربية فصيحة للدفاع عن مشروع العثمنة، وبسهولة يمكن اكتشاف الميل السياسي لهؤلاء".

وأوضح ساطع راجي أن الإعلام اليوم هو الفيلق الأول في الجيش العثماني، وقال: "للأسف ليس هناك في المقابل مستوى أداء ملائم، فكل فئة أو حزب في المنطقة يحدث نفسه وجمهوره عبر وسائل الإعلام، وتستغل السلطة التركية الظروف الصعبة للمجتمعات للتسلل إليها عبر مختلف أدوات الاحتلال الثقافي، كما أنها نجحت في استقطاب رؤوس الأموال والخبرات العراقية والسورية وصارت هناك أحياء ومدن كاملة للفارين من هذين البلدين، سياسة اللجوء الواسع هذه في بعض جوانبها، ستمكن تركيا خلال بضعة سنوات من إعادة إرسال جيل عراقي وسوري بقناعات عثمانية.

ويرى راجي أن المبادرات التي أطلقت من أجل توحيد الصف العربي- الكردي لا أثر ولا قيمة لها ما لم تكن مدعومة بأسس مادية، موضحاً: "لأنها بدون أدوات ولا أسس مادية، والنوايا الطيبة لا تكفي، بالأخص مع منهج تركي مدعوم مالياً وسياسياً وإعلامياً وعسكرياً، وهذه النخب نفسها تعاني من التضييق والحاجة المادية والمطاردة، المبادرات الحقيقية هي تلك التي تتجه إلى الحياة مباشرة، هناك مشاريع اقتصادية تركية في كل مدن المنطقة، الأثاث والثياب والأطعمة والمسلسلات تركية بالإضافة للأحزاب والجيوش، فأي مبادرة يطلقها مثقفون يمكن أن تصمد؟!"

ساطع راجي

ساطع راجي كاتب وناقد عراقي حاصل على شهادة بكلوريوس في علم الاجتماع/كلية الآداب/ جامعة بغداد1995، يكتب القصة والنقد والدراسة الفكرية والمقال السياسي.

(ك)

ANHA


إقرأ أيضاً