رسائل تهدئة متتالية.. هل تخلت تركيا عن مشروعها في المنطقة؟

انشغلت الوسائل الإعلامية خلال الأسابيع الماضية، بمتابعة رسائل التهدئة من قبل قادة تركيا بشأن ملفات عديدة في المنطقة وخصوصًا العلاقة مع مصر، وذلك بعد سنوات من الخصام والمسعى التركي للتوسع والهيمنة، فماذا تغير، وهل تخلت تركيا عن مشروعها في المنطقة؟

قبل أشهر، بدأت نبرة المسؤولين الأتراك بالتغيّر، فمن الحديث بالصوت العالي عن حقوق الدولة التركية واستحضار إرث أجدادهم العثمانيون، بات حديثهم عن التعاون والصداقة مع دول المنطقة وخصوصًا مصر.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أبدى المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين رغبة بلاده في إعادة العلاقات مع مصر.

هذه التصريحات الإيجابية تكررت أيضًا، على لسان وزير الخارجية التركي، مولود تشاويش أوغلو بأن "تركيا ومصر قد تتفاوضان على ترسيم الحدود في شرق البحر المتوسط إن سنحت الظروف".

مصر بدورها لم تبدِ حماستها تجاه الرسائل التركية، حيث أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري في 14 مارس/ آذار 2021 أن "الأقوال وحدها لا تكفي" لاستعادة كامل العلاقات بين البلدين.

ونقلت صحيفة "أخبار اليوم" الرسمية عن شكري قوله: "لو وجدنا أن هناك تغيّرًا في السياسة والمنهج والأهداف التركية لتتوافق مع السياسات المصرية ومع ما يعيد العلاقات الطبيعية لمصلحة المنطقة، من الممكن أن تكون هذه أرضية لاستعادة الأوضاع الطبيعية".

وأشار شكري إلى أن المواقف السياسية التي وصفها بـ "السلبية من الساسة الأتراك لا تعكس العلاقة بين الشعبين".

هذه التصريحات ترافقت، مع المعلومات عن بدء خروج المرتزقة السوريين من ليبيا والذين نقلتهم تركيا إلى هناك للمشاركة في الحرب إلى جانب حكومة الوفاق ضد الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

وكانت الأزمة بين أنقرة والقاهرة قد انفجرت عام 2013 بعد فشل جماعة الاخوان المسلمين في حكم مصر بدعم تركي، حيث قام الجيش المصري بعزل محمد مرسي -من كبار قادة الإخوان-، الأمر الذي أغضب تركيا.

واحتدمت الأمور مع الخلافات المتصاعدة بين تركيا وعدة دول من بينها مصر على تقاسم الثروات النفطية والغازية في شرق المتوسط، ما نتج عنه جمود شامل للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وتواجهت مصر وتركيا في جبهات وملفات عديدة، خصوصًا حول ليبيا، حيث دعمت تركيا حكومة الوفاق بالأسلحة والمرتزقة والتدخل المباشر، فيما دعمت مصر والإمارات الجيش الوطني الليبي، وكادت أن تحدث مواجهة مباشرة بعد أن أعلنت مصر أن سرت والجفرة خط أحمر.

وفي مواجهة التحركات التركية بليبيا والقارة الأفريقية والدول العربية ومحاولتها التوسع وحديث القادة الأتراك بشكل علني عن الإرث العثماني، تحركت مصر باتجاه التحالف مع اليونان وقبرص وفرنسا، بالإضافة إلى تشكيل تحالف "الشام الجديد" والذي يضم مصر والعراق والأردن.

التحركات التركية في المنطقة، أثارت حفيظة الكل وتعرضت أنقرة لضغوط أوروبية وتهديدها بفرض عقوبات اقتصادية، ما يشير إلى أن هذا التغيّر هو محاولة تركية لفك العزلة الدولية المفروضة عليها.

'عزلة واسعة'

الباحث في الشأن التركي الدكتور محمد نور الدين تحدث حول ذلك قائلًا: "في الفترة الأخيرة عانت تركيا من عزلة واسعة في شرق المتوسط والشرق الأوسط باستثناء قطر التي لم يكن لها علاقات جيدة مع أي فريق".

وأضاف: "حتى في ليبيا فإن التحولات التي جرت هناك، من تشكيل مجلس رئاسي جديد وحكومة موحدة وما إلى هنالك، أضعف الوجود التركي إلى حد ما هناك وبالتالي لجوء مصر إلى إحالة التنقيب عن النفط في أحد بلوكات المجاورة للمنطقة التركية في البحر المتوسط شجع الأتراك على اعتبار أن ما جرى هو احترام للحدود التي رسمتها تركيا لنفسها وبالتالي اعتراف بهذه المنطقة وهذا شجع الأتراك على أن يوجهوا رسائل إلى مصر من أجل ترسيم الحدود البحرية فيما بينهم فإذا ما رسمت هذه الحدود ستكون مدخلًا لإقامة علاقات بين الطرفين".

وحول الأهداف التركية من ذلك قال محمد نور الدين: "هناك شروط بين الجانبين، لكن في النهاية سيكون ذلك مطلبًا تركيًّا للخروج من عزلتها من جهة ولإقامة علاقات جيدة مع الاتحاد الأوروبي والتمهيد لإقامة علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة جو بايدن الذي لم يحمل ودًّا عاليًا لرجب طيب أردوغان، إذًا هناك أسباب تركية واضحة في المرونة في العلاقة مع مصر وربما بعد ذلك مع السعودية".

وحول ارتباط هذه الخطوات التركية بالحديث عن تغيّرات في الفريق الحاكم لتركيا قال نور الدين: "لا ترتبط كثيرًا بتغيير فريق الحكم بتركيا فمهما تغيّر الأشخاص هناك في هذا الموقع أو ذاك، سيبقى أردوغان هو الحاكم بأمره فهو الذي يرسم السياسات وهو الذي في حال فشلها يضع اللوم على الأشخاص ويغيرهم".

وأوضح أن "هذا ما حصل مع حاكم المصرف المركزي الذي أقيل بعد أربعة أشهر فقط من تعينه والآن حتى هناك أخبار غير مؤكدة تقول إن صهره قد يكون في الطريق إلى العودة كوزير للطاقة أو كمساعد وزير الجمهورية للعلاقات أو للشؤون الاقتصادية، وبالتالي التغيير في فريق الحاكم لتركيا ليس مرتبطًا بأي ملف إقليمي لا بشرق المتوسط ولا في منطقة الشرق الأوسط".

'تراجع من حيث المبدأ وبحث عن مكاسب'

وعن الأسباب التي دفعت تركيا إلى هذه الخطوة أكد الباحث في الشأن التركي أنه "لا شك أن مثل هذا التحول يعد تراجعًا من جانب حزب العدالة والتنمية، ذلك أنه استخدم خلال السنتين الماضيتين وقبلها القوة الخشنة في التعامل مع منافسيه وخصومه سواء في شرق المتوسط تجاه قبرص اليونانية أو اليونان أو تجاه خصومه في ليبيا أو في منطقة الخليج عبر التنسيق والتعاون مع قطر، وبالتالي مثل هذه السياسة التي وجد حزب العدالة والتنمية أنه لا يمكن الاستمرار بها إلى ما لا نهاية يمكن التراجع عنها عبر إقامة علاقات جيدة مع مصر ثم مع دول الخليج".

وأوضح أنه في مثل هذه العلاقات هناك تراجع من حيث المبدأ بالنسبة لتركيا لكن في الوقت نفسه هناك مكاسب تركية "يعني هو يعبّر عن تراجع وفشل ولكن في الوقت نفسه يضمن لتركيا مكاسب من خلال فك العزلة عنها ودخول رؤوس الأموال العربية إلى تركيا وهذا يؤدي إلى إنعاش الاقتصاد بشكل أو بأخر".

'العثمانية مستمرة'

وحول إذا ما تخلت تركيا عن أحلامها في المنطقة قال الدكتور محمد نور الدين: "لا شك أن هناك مشروع تركي جدي لإقامة عثمانية واسعة في المنطقة سواء بالهيمنة المباشرة أو غير المباشرة ولا سيما في شرق المتوسط وفي شمال سوريا وفي شمال العراق وهو مشروع جدي الأتراك ماضون به".

وتابع: "لكن قد يتعرض المشروع إلى بعض التراجعات والتنازلات أو إلى بعض المرونة وهذا يدخل ضمن سياق المناورات التركية لإدامة أمد المشروع أطول فترة ممكنة، فإذا انتهى بالنجاح تكون تركيا حققت أهدافها الاستراتيجية وإذا لم يحقق النجاح تعود تركيا إلى منطقة الأناضول أي إلى الحدود الدولية المعترف بها الآن، وفي النهاية ليس هناك من خسارة في حال عادت إلى حدودها الأصلية".

واختتم نور الدين حديثه بالقول: "الربح سيكون في حال بقيت خارج حدودها وهي حتى الآن تمارس سياسة الربح وليس سياسة الخسارة بانتظار ما ستنبّئ عنه التطورات في الأيام والأشهر والسنوات المقبلة".

'مصر غير مستعجلة'

وبدوره تحدث الباحث في العلاقات الدولية والأمن الإقليمي، الدكتور خالد علي عبد الخالق قائلًا: "هناك محددات أساسية لا بد من الإشارة إليها في الحديث عن عودة الاتصالات بين أنقرة والقاهرة، أهمها أن تركيا هي من سعت إلى التقارب والحوار مع مصر وليس العكس".

وأضاف: "الاتصالات الجارية حاليًّا بين القاهرة وأنقرة هي على مستوى أقل من المستويات العليا وهذا يعني أن القاهرة بحكم أنها لم تطلب هذا التقارب يعني أنها غير مستعجلة لعودة العلاقات، وترى ضرورة التريث بشأن ذلك وأن تكون هناك أسس ثابتة من أجل عودة العلاقات".

الباحث المصري أشار إلى الأسلوب الذي تتبعه مصر في هذا الملف قائلًا: "من أهم الشروط هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بمعنى أن القاهرة ترى ضرورة أن تكون تلك المرحلة الأولى من جولات عملية الحوار والتقارب هي وضع الأسس من أجل الحديث بعد ذلك عن إجراءات الثقة والضمانات من جانب أنقرة".

وحول الضغوط المصرية التي دفعت تركيا إلى هذه الخطوة أشار عبد الخالق إلى: "أن نجاح السياسة المصرية في تعاملها مع الأسلوب التركي وأردوغان هو الذي شكل ضغطًا على تركيا، بحيث إن تركيا وجدت نفسها في حالة عزلة دولية وإقليمية وإن كافة التجمعات الدولية والإقليمية توجه انتقادات لسياستها في المنطقة".

وأضاف: "نجاح مصر بتأسيس منظمة غاز شرق المتوسط ودخول ميثاق تأسيسه حيز النفاذ شكل ضربة قوية لمساعي تركيا بأن تكون مركزًا إقليميًّا للطاقة، وأصبحت القاهرة هي المركز الإقليمي للطاقة والغاز الطبيعي، الأمر الآخر أن ترسيم الحدود في منطقة شرق المتوسط بين الدول المكونة لمنطقة حوض شرق المتوسط اليونان، وقبرص، ومصر، وإسرائيل، كل هذه العمليات جعل تركيا تخرج من معادلة الدول المنتجة للغاز".

وأوضح أن تركيا لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بالبحار والمحيطات، كما أنها لجأت إلى أسلوب البلطجة في منطقة حوض شرق البحر المتوسط، وهذا قوبل بالرفض سواء من قبل الاتحاد الأوروبي أو من الأمم المتحدة وكافة الدول العربية.

وربط الباحث المصري هذه الخطوة بالفشل في ليبيا قائلًا: "الأمر الذي شكل تحديًا للسياسة الخارجية التركية هو وقفة مصر القوية إزاء الأحداث الجارية في ليبيا، وإعلان السيسي الخط الأحمر في ليبيا الذي شكل محددًا رئيسًا لسياستها في ليبيا بل كان دافعًا أساسيًّا لنجاح المسار السياسي في ليبيا لذلك كان هناك صوت داخل إدارة ـ أردوغان ينادي بضرورة عودة العلاقات مع القاهرة وأن استمرار عملية العداء مع مصر في تلك المرحلة سوف لن يكون في مصلحة تركيا وسوف يؤدي إلى خسارة تركيا المزيد من أهميتها ومصالحها في المنطقة ويعرضها للمزيد من عمليات الانتقادات الدولية والإقليمية.

'التراجع التركي ليس جديدًا'

وحول حقيقة التراجع التركي أوضح الباحث المصري أن "المتابع لسياسات أردوغان يجد أنها دائمًا تعتمد على الصدام ثم اتباع أسلوب المهادنة أو احتواء هذا الصدام خاصة بعد أن يتضح أنه غير قادر على المواجهة".

وأوضح أنه "لاحظنا ذلك خلال الأزمة مع روسيا إبان إسقاط الطائرة الروسية في أكتوبر من العام 2015 وكيف اتبع أردوغان سياسة الصوت العالي والحديث عن أن تركيا دولة لها سيادة ولها مصالحها العليا، ثم ما لبث أن تراجع وطلب التصالح مع روسيا وذهب لها خانعًا خاصة بعد أن ضغطت روسيا وكثفت الحصار عليه وشكلت تحديًا حقيقيًّا لتركيا وأردوغان في المنطقة".

وأضاف: "الموقف نفسه يتكرر مع مصر، فبعد أن كان حديث أردوغان عن مصر ورئيسها بصورة عدائية وفيها الكثير من التهجم الآن نجد أن أسلوب الرئيس التركي تغير 180 درجة، وأصبح يتحدث بقدر من الانضباط والاحترام وأنه يرغب في عودة للعلاقات".

'الإخوان.. عنصر خاسر'

وحول علاقة تركيا بالإخوان قال الباحث المصري: "تركيا استخدمت جماعة الاخوان المسلمين من أجل تحقيق سياستها في المنطقة والهيمنة على المنطقة العربية، ووجدت في الجماعة الضالة المنشودة من أجل إدخال تركيا في سياسات الدول العربية أو الهيمنة عليها، لكن عندما تم ضرب مشروع الاخوان في مصر وبعض الدول العربية الأخرى وجدت نفسها في حالة من الرهان على العنصر الخاسر وقامت بإعادة تقييم حساباتها وخاصة بعد أن أصبحت تركيا بلا صديق في المنطقة".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً