قانون قيصر: معاناة جديدة وطويلة الأمد

على مدى سنوات شغلت المسألة السورية الرأي العام العالمي والإقليمي. ومع بدء تطبيق قانون قيصر عادت المسألة لتشغل مرة أخرى الرأي العام.

الأحداث الجارية في سوريا مرتبطة بشكل وثيق مع سلسلة التطورات والأحداث الجارية في العالم. فالسياسات الكونية من جهة والسياسات الإقليمية من جهة أخرى تحولت في هذه البقعة الجغرافية إلى عقدة كأداء بات من الصعوبة حلها وتفكيكها، رغم تجربة مختلف السبل حتى الآن.

قانون قيصر هو توجه ولا يتعلق فقط بفرض الحصار الاقتصادي على سوريا. بدأ هذا التوجه أو هذه الخطة حيز التنفيذ بشكل رسمي ضد إيران. والآن يتم تطبيقه على سوريا. إلا أن الغاية الأساسية والعملية لهذه الحصار الاقتصادي والعقوبات هو حزب الله اللبناني. كما أن روسيا والصين تعتبران جزءاً من هذا الحصار. وبحسب التسريبات فمن المرجح أو المتوقع أن يشمل الحصار أيضاً كل من العراق وتركيا.

ومن جهة أخرى فإن القوى التي تدير هذه العقوبات ليست فقط الولايات المتحدة الأمريكية، بل أن دولاً مثل إسرائيل ودول الخليج ما عدا قطر، وكذلك مصر ودول الاتحاد الأوروبي شركاء أيضاً في هذا الحصار.

قانون قيصر استمرار للحصار المفروض على إيران

أهداف وغايات قانون قيصر طويلة المدى. والحصار الاقتصادي المتواصل ضد إيران يظهر لنا أمثلة مثيرة للاهتمام. فمن المعلوم أنّ العديد من الشركات العالمية الكبيرة قد بدأت بالعمل والاستثمار في إيران مثل شركات الأوروبية المتخصصة ببناء المحطات الكهربائية، وبناء مصافي النفط، ومصانع الطائرات والسيارات، ومصانع الآلات الصناعية الكبيرة. وبعد التوقيع على اتفاقية الحد من تخصيب اليوارنيوم في إيران. بدأت العديد من الشركات الكبرى بالعمل في إيران ابتداءً من الشركات الأوروبية وحتى الأمريكية والصينية واليابانية والعديد من الشركات العالمية الأخرى مثل شركة بونيغ وسيمنس وvw  وتويوتا وهيتاشي وسوني وأتش بي، وآسر وجنرال موتورس وغيرها. جميع هذه الشركات كانت تعمل في هذا البلد سواء بشكل مباشر أو عبر شركات ووكلاء أو شركات وسيطة. كما كان من المتوقع أن يصبح الاقتصاد الإيراني حراً، مما يسمح للشركات الخدمية والتجارية العالمية مثل ماكدونالدز وستاربوكس ونستلة وغيرها من الشركات للعمل في إيران. مما ساهم في فتح مجالات عمل كبيرة.

لكن كل هذه المسيرة المتعلقة بالاتفاق النووي توقّفت فجأة بسبب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفيما بعد دخل موضوع الحصار الاقتصادي حيز التنفيذ ويتم تشديده بالتدريج مع مرور الزمن. جميع الشركات التي كانت عاملة في إيران بدأت بالانسحاب، كما أن الشركات التي كانت تنوي الاستثمار في إيران تراجعت عن خططها.

ورغم أن هذه الإجراءات أثرّت بشكل كبير على الاقتصاد الإيراني إلّا أنها أثرت بنفس القدر أيضاً على الشركات العالمية وأضرت بها. فبالنسبة لتلك الشركات تعتبر إيران سوقاً يضم 80 مليون نسمة، بالإضافة إلى غناها بالثروات الطبيعية والبترول والزراعة والصناعة. كما أن الشركات التي تستطيع تعزيز نفوذها في إيران تستطيع توسيع استثماراتها لتمتد إلى باكستان وأفغانستان والعراق وقفقاسيا وصولاً إلى آسيا الوسطى.

من الواضح أن قرار عدم الاستثمار في هذا البلدة لا يتعلق فقط بالاتفاق النووي، بل أن الغاية الأساسية هي ضمان أمن إسرائيل. الهدف الأساسي هو أن إيران لا تنسجم مع الاقتصاد العالمي. ولا تجري أية تغييرات في بنتيها المؤسساتية وهيكليتها المالية والاقتصادية، والمؤسسات والأجهزة البيروقراطية والعسكرية والبنية التحتية والتربية والتعليم والعلاقات الاجتماعية، وفي النتيجة فإنها لا تسعى لأن تصبح جزءاً من المنظومة الرأسمالية الكونية في العالم. بمعنى أنه يعتبر موقفاً مناهضاً للنموذج الإيراني، وطالما بقي الوضع على حاله فسيستمر هذا النمط من التعامل مع إيران.

الحصار والحرب: مقابل نظام الأسد

ما يحدث الآن في إيران كان قد حدث في سوريا أيضاً، وبعد أن تولّى بشار الأسد الحكم في سوريا، حاولت دول أوروبية وبشكل خاص بريطانيا وفرنسا تدجين سوريا ودمجها مع النظام الاقتصادي العالمي، على أن يجري النظام بعد التغييرات والتعديلات بما يتناسب مع ذلك.

وأنجز الأسد بعض الخطوات في هذا المجال إلا أنها لم تكن كافية، حيث يقدم على توزيع وتبادل  السلطات الإدارية والسياسية والاقتصادية. وكان العائق الأكبر يتمثل في النظام المخابراتي والبيروقراطية المركزية. كما أحكم سيطرته المباشرة على جميع مصادر الاقتصاد، ووضعها في أيدي المجتمع المقرب أو المحيط به. وفي مثل هذه الظروف لا يمكن الحديث عن شروط اقتصادية متاحة ومفتوحة، وعن تعامل شفاف وواضح، ولا عن سوق حرة. هذا الأمر منع رجال الأعمال الأجانب من الاستثمار في سوريا، كما أن رجال الأعمال المحليين لم يتمكنوا من إنجاز الأعمال بشكل حر ومنتج. وبعد عدم الاستجابة لسلسلة تحذيرات، تم تطبيق الحصار الاقتصادي أو الحصار الجزئي، وعندما لم يسفر ذلك أيضاً عن نتيجة، بدأت المرحلة التي نعيشها الآن في سوريا، أي الحرب الأهلية الداخلية.

خيارات روسيا والصين في مواجهة الحصار محدودة

كما قلنا سابقاً فإنّ إيران وسوريا ولبنان التي يتمتع فيها حزب الله بنفوذ قوي هي المستهدفة بهذا الحصار في هذه المرحلة. هذا الحصار ليس فقط في المجال الاقتصادي بل يستهدف الناحية العسكرية واللوجستية والمواد الاستراتيجية. مثال على ذلك: هناك ممرات عسكرية ولوجستية وتقنية تنطلق من إيران ضمن الحدود العراقية وتدخل الأراضي السورية من البوكمال ومنها تتجه إلى لبنان والآن وبحجة الحصار سيكون من السهل منع العبور من هذه الممرات وتصبح هدفاً للهجمات البرية والجوية من قبل التحالف. لأنه إلى الآن كان يتم تمويه الكثير من المنتجات والأدوات اللوجستية والتقنية باسم منتجات مدنية واقتصادية ومساعدات ولكن من الآن وصاعداً لن يتم هذا التمويه، ربما لن ينفذ الأمر في البداية ولكنه يدخل ضمن إطار الحصار.

الصين وروسيا أيضاً مستهدفتان بهذا الحصار. ربما يكون الوقوف في وجهها من الناحية العسكرية ليس بالأمر السهل ولكن قوات التحالف وبحجة الحصار تفرض عقوبات على الشركات، فإذا كانت المعامل الأوربية قد توقّفت عن العمل في إيران على مضض ستكون المعامل الصينية والروسية وجهاً لوجه أمام الحصار. الاحتمال الأكبر أن الشركات العسكرية الموجودة الآن في سوريا والتي تقدّم الدعم في هذا الإطار للنظام ستكون الهدف، إن لم يكن اليوم فغداً، حينها لن تتمكن المؤسسات الاقتصادية الصينية والروسية من العمل لا في سوريا ولا في أي مكان آخر في العالم.

ربما تطالب روسيا والصين ودول أخرى بمساعدة سوريا بشكل رسمي إلا أن الإمكانيات الاقتصادية مهمة لهذا الأمر أيضاً، هذا أيضاً ليس بالأمر السهل. بكل الأحوال وضع إيران معروف، ولكن وضع روسيا أيضاً ليس جيداً لدرجة تسمح بمساعدة سوريا اقتصادياً. سعر البترول في انخفاض مستمر  بسبب هذا الانخفاض انخفضت عائدات الدولة الروسية. مرة أخرى في سوريا، ليبيا، أوكرانيا ومناطق أخرى من العالم تشكّل الخسائر العسكرية عبئاً ثقيلاً. واقتصاد روسيا الداخلي ليس جيداً بالمستوى المطلوب، نسبة البطالة والاستيراد مرتفعة، من الناحية الإدارية أيضاً يقوى نفوذ معارضي بوتين.

بدلاً من مساعدة سوريا روسيا تأمل أن تحقق مكاسب مادية في سوريا، روسيا تفكر بأنه بعد استقرار الوضع والبدء بمرحلة إعادة بناء سوريا سيكون لها النصيب الأكبر من المناقصات. ولكن يظهر بأنه مع استمرار الحصار فإن مخطط السلام والاستقرار وتأسيس الدولة لن يتم في وقت قريب وهذا سيتعب روسيا ومن ناحية أخرى سيزيد من الأعباء الاقتصادية والعسكرية ومن ناحية ثالثة ستضطر للخضوع لمشاريع أمريكا والتحالف. روسيا تعلم هذا الأمر جيداً لذلك لا تعادي القوى التي تفرض الحصار بشكل علني.

الشّعب السوري سيواجه معاناة شبيهة بالتي عاناها الشعب العراقي

مرحلة الحصار تعيد إلى الأذهان ما حصل في العراق. فكما تم فرض حصار عام 1991 على المناطق الخاضعة لسيطرة صدام حسين فإنّ الشيء نفسه يحصل هنا. مناطق الأكراد كانت خارج الحصار والآن مناطق شمال سوريا سواء المحتلة من قبل تركيا أو المستقلة ستكون خارج الحصار.

كما أن هناك مخاوف من أن يتضرّر الشعب من الجوع والغلاء، وأيضاً تدهور العملة السورية سيؤدي إلى نقص حركة شراء البضائع وعدم قدرة الشعب على تدبر أموره. للأسف هذا واقع وكل شخص سيواجهه.

الكل يأمل بأنه إذا تدهورت الأوضاع الاقتصادية للشعب فإنه سينتفض في وجه النظام. ولكن أحياناً يحصل العكس. الشعب يدرك أن السبب هم المحتلّون الذين لن يجلبوا معهم الخير لهم لذلك يجتمعون حول قيادتهم ويقوون وحدتهم. ولكن يجب أن تكون هناك حقاً قيادة تعمل لخدمة الشعب وتكون بين الشعب مباشرة ومعه وتضع كل إمكانياتها في خدمته. الكل يعلم جيداً بأنه لو كانت حكومة الأسد تملك فكراً كهذا لما جعلت البلاد تصل إلى هذا الوضع، كانت ستدخل في حوار مع الكرد والمعارضة وكافة القوميات والمكونات المختلفة قبل الحرب وتعيد صياغة نظام جديد للبلاد وفق مصالح شعبها.

بالإضافة لذلك فإن الدول المهيمنة ومن أجل ألا تسوء أحوال الشعب ولا يعاديها تتخذ تدابير أخرى فتقوم ببناء مؤسسات مدنية، منظمات دولية كمنظمات الأمم المتحدة ومنظمات إغاثية، تقدم الدعم الصحي وتوفر المستلزمات المعيشية وترسلها. إذا عارضت حكومة الأسد هذه المؤسسات فإنها تعادي شعبها الذي سينتفض في وجهها وإذا سمحت لها بالدخول بين الشعب ومساعدته في ذلك الوقت أيضاً لن يكون الشعب بحاجة للأسد وسيفقد نظامه شرعيته أي أنه في ورطة كبيرة في كل الأحوال.

كما ستكون هناك منافذ مفتوحة من أجل تأمين المستلزمات الحياتية الضرورية، فمهما يكن، بالإمكان عدم إغلاق طرق شمال وشرق سوريا بشكل نهائي، كما أن الطرق الموجودة في مناطق إدلب وإعزاز ستكون مفتوحة من أجل تأمين المستلزمات الضرورية. أما فيما يتعلق بتأمين المستلزمات التقنية والعسكرية فسيكون هناك تدخل مباشر، وسيكون من الصعب الحصول عليها. يضاف إلى ذلك أنّ هناك دائماً طرقاً سرية للتهريب في مناطق النزاعات والتوتر، والجميع على علم بمثل هذه التجارب.

الرضا التركي مثار جدل

من الواضح أن تركيا راضية جداً عن هذا الأمر. فبعد الاحتلال أقدمت على ربط النظام الإداري والتعليمي والأمني بتركيا، إلا أن المجتمع لم يكن حتى الآن إلى جانب تركيا. ولكن الشعب الآن مضطر لتداول العملة التركية. مما يضع جميع التعاملات التجارية والاقتصادية في يد الأتراك. فعلى الشعب أن يشتري كل شي من تركيا، وأن يبيع جميع محصوله وإنتاجه إلى الأتراك أيضاً. كما الشركات والمصانع التركية سوف تدخل تباعاً إلى هذه المناطق. الغاية هي أنها بعد أن حققت الاحتلال العسكري، فإن عليها أن تشرعن هذه الاحتلال عبر النفوذ الاقتصادي، وفيما بعد ربط هذه المناطق بتركيا من الناحية القانونية والسياسية. أما ما مدى احتمال تحقيق هذا الأمر، فهو قضية سياسية تتعلق بظروف القوى العالمية وحساباتها وتوازناتها.

وضع مناطق الإدارة الذاتية في ظل الحصار: فرصة نجاة أم غرق

حالياً تعيش مناطق شمال وشرق سوريا تحت ظل التأثيرات السلبية للحصار، ورغم كل التطمينات فيما يتعلق ببقاء مناطق الإدارة خارج تأثير مفعول قانون قيصر، ولكن لا يوجد حتى الآن إطار واضح لذلك. كما أن الشعب يستخدم العملة السورية. إضافة إلى المعاملات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية. العديد من الموظفين المحليين يقبضون رواتبهم الشهرية بالعملة السورية. كما أن هناك تبادلاً وتعاملاً تجاريّاً داخليّاً في الأسواق المحلية، والإدارة الذاتية جزء من سوريا ومن هذه الأسواق.

حتى الآن يعرف ماهية الخطوات الأوّلية لتنفيذ هذا القانون، فحتى الآن لم يصدر عن التحالف أي بيان، عدا ذلك الذي صدر قبل الحصار، ولم يكشف عن خارطة واضحة بالنسبة لمناطق شمال وشرق سوريا. كما الإدارة المحلية نفسها لم تعلن بشكل رسمي عن خارطة طريق للرأي العام المحلي. لذلك فمن المحتمل ظهور العديد من السيناريوهات والمقترحات.

ولكن ومهما يكن من أمر فإن الإدارة الذاتية مضطرة إلى بناء وتأمين ظروف الاقتصاد الذاتي، في الوقت الراهن هناك بعض الأعمال من جهة مصادر الطاقة والمحاصيل الزراعية، ولكن يجب أن يتم توسيع إطار القطاع الاقتصادي. من المهمّ الآن فصاعداً إيجاد سياسية تمويل وإنفاق. ورغم عدم وجود مصرف مركزي، ولكن يجب تأسيس بنك محلي. ليس من الضروري أن تحصر المنطقة تعاملاتها النقدية بعملة محددة. فإذا تم تأسيس مصرف محلي وإدارة موارد مالية، يمكن للإدارة استخدام العملات الأخرى مثل الدولار والدينار والليرة التركية والروبل الروسي إلى جانب الليرة التركية. كما يمكنها أيضاً الحصول على سندات وتحويلات وكفالات مالية مقابل قيمة المصانع والمؤسسات والمشاغل الموجودة، وطرح هذه السندات وتجاوز الأزمة المالية المحلية. إلا أن تحقيق ذلك يتطلب جهداً وعملاً دؤوباً جاداً ومسؤولاً.

إذا تم خطو بعض الخطوات الناجحة، فإن المنطقة سوف تتبوّأ طليعة التغيير في سوريا والشرق الأوسط. كما ستتمكن تدريجياً وبسهولة من تجاوز العوائق، وإيجاد الحلول الناجحة لها.

(ك)

ANHA