قانون قيصر .. ترجمة فعلية لقيود تضع حداً لطموحات موسكو وطهران ودمشق

باحث في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية - جامعة مؤتة - الأردن

     تتسارع وتيرة الاجراءات التفاعلية في إطار الاستراتيجية الأمريكية تجاه سوريا إلى إحداث تصدعات حقيقية في طبيعة التحالفات القائمة بين أغلب دول الإقليم وخرقها, لتأتي لعبة المحاور التي اعتمدتها الولايات المتحدة في إجبار دول العالم على الخوض بها, لتنعكس بشكل كبير على التطورات الإقليمية والدولية والتحولات الاستراتيجية السياسية وتداعياتها على طبيعة التحالفات القائمة أساساً بين دول المنطقة، إضافة إلى جُملة من المتغيرات التي طرأت على المستويين السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي فرض ثوابت على بعض دول الإقليم تجاه طريقة التعاطي مع المستجدات الطارئة التي عصفت في المنطقة، حيث يبدو للمتابع في المشهد السياسي أن سوريا هي محور الصراع الإقليمي – الدولي القادم، فيما بين واشنطن وحلفائها في المنطقة، وبين إيران وروسيا والصين من جهة أخرى، خاصة وأن هناك بيئة خصبة لنمو تجاذبات إقليمية ودولية على امتداد الجغرافيا السياسية السورية، وحالة من عدم الاستقرار السياسي، التي لا تزال مشهداً ثابتاً في يوميات الأزمة السورية.

    إن قانون قيصر الذي اعتمدته الولايات المتحدة بشأن الوضع في سوريا يعبر عن أحد ملامح السياسة الأمريكية في سوريا، ولو أن التخبط لا يزال يحيط بالمقاربة التي تعتمدها واشنطن في تعاملها مع الملف السوري مقارنة بما يجري على أرض الواقع، حيث تبدو موسكو الممسكة الوحيدة بخيوط اللعبة, بينما لا تزال الإدارة الأمريكية تراوغ في توظيف سياسات الهيمنة والضغط على كافة الأطراف, بإصدار قانون تبرره ضمن مسوغات العمل الإنساني وحماية المدنيين السوريين من خلال فرض عقوبات وقيود اقتصادية مشددة على السلطة السياسية في دمشق، لتشمل كل من يدعم الحكومة السورية مالياً أو عينياً أو تكنولوجياً، إلا أن الغموض الذي أحاط بهذا القانون ارتبط بمراوغة وإرباك غير واضح في استراتيجية الولايات المتحدة في سوريا, حيث تبدو مزاجية مرتبكة مقارنة باستراتيجيات دول مثل روسيا وتركيا وإيران في سوريا وحيال أطراف الصراع فيها, خاصة وأن مضامين ما جاء بهذا القانون تهدف إلى تحميل القيادة السورية وحلفائها مسؤولية جرائم تم تسويقها في ميادين الصراع القائم.

        إلا أن المشهد بكافة تحولاته الاستراتيجية يؤكد بأن قانون قيصر ظاهره سوري الأهداف لكن مضمونه يستهدف كل دول العالم، أي تلك المنخرطة حالياً، ولاسيما اقتصادياً، في شؤون سوريا، أو تلك التي تفكر لاحقاً بالانخراط في أي عمليات مالية أو اقتصادية في سوريا, فهو ترجمة فعلية لقيود تضع حداً لطموحات موسكو وطهران ودمشق في إقناع العالم، ولاسيما دول الاتحاد الأوروبي، في الانضمام إلى دعوات تمويل إعادة الإعمار في هذا البلد, اضافة إلى أنه يضع الإدارة الأمريكية في موقف المحاصر لمسارات التسوية السياسية التي ترسمها روسيا بكافة مساراتها العسكرية والسياسية بدءاً من إنشاء اللجنة الدستورية, لذلك تسعى الإدارة الأمريكية بهذا الجانب إلى فرض قانون قيصر بأسرع وقت ممكن لأنه يؤسس لعملية شلل كاملة تصيب الاقتصاد السوري عن طريق فصله بشكل صارم عن أي مؤسسة نقدية دولية، ولاسيما صندوق النقد والبنك الدوليين، ومنع تنفيذ أي مبادرات خاصة ومشروعة في البلاد.

       غير أن هذا القانون يرسل إشارة سياسية مصدرها واشنطن لها مفاعيل دولية عامة من شأنها منع سوريا من تطبيع علاقاتها مع دول العالم، بما في ذلك منعها من استعادة عضويتها داخل جامعة الدول العربية, وتجميد جهود التطبيع التي ظهرت لرأب الصدع في العلاقات الخليجية السورية كما وإعادة سوريا إلى النظام العربي الإقليمي, ويعود هذا الجمود إلى عدم إعطاء دمشق أي إشارات تفيد عن عزمها التخلص من النفوذ الإيراني على نحو يبعد العرب عن خيار التطبيع, كما أنه جاء ليضع حداً لما كانت دمشق وموسكو تلوحان به من فرض للأمر الواقع بسبب الانتصارات العسكرية التي حققتها قوات الجيش السوري وحلفائه, بغطاء جوي من قبل سلاح الجو الروسي، إلى جانب أن أهم الرسائل التي يحملها هذا القانون للمجتمع الدولي وبالتحديد حول موقف الاتحاد الأوروبي الذي ما فتئ يكرر الدعوة إلى تنفيذ عملية سياسية عادلة تشارك فيها المعارضة كشرط لأي انخراط أوروبي في تمويل إعادة إعمار سوريا وإعادة اللاجئين. ويفرض قانون قيصر من خلال رسائله السياسية أن تعود روسيا إلى الالتزام بالشروط والمعايير الدولية المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة كما في مرجعيات العملية السياسية في جنيف.

     لذلك أجد في قراءات هذا القانون جانباً من الهذيان والتخبط الأمريكي في سياساته الخارجية فهو يشكل جانباً انفعالياً وليس مدروساً في التعامل مع الحالة السورية، يمثل سلوكاً منافياً للشرعية الدولية، ويجعل منها واحدة من أكثر مظاهر الإرهاب الاقتصادي تجلياً على الساحة الدولية، هذه الهيمنة التي يتم استغلالها لأجندات التطويع السياسي كوجه آخر مكمل للعدوان العسكري, كما أنه لا يشكل حتى الآن أي ضغط لوقف الخطط العسكرية والعمليات الميدانية للحليف التركي ومشاريع أردوغان التوسعية في شمال شرق سوريا, فهو قانون دون المستوى الذي يمكن أن يعالج الأزمة السورية بجانبها الإنساني والسياسي والاقتصادي, وهو سيناريو لخنق الاقتصاد السوري لتطويع الشعب السوري وحكومته واضطهادهم بمزيد من المعاناة، واستثمرت الإدارة الأمريكية لأجل تمريره ذرائع ومسوغات ضعيفة  لفرض عقوبات مشددة وقاسية للحفاظ على حالة عدم الاستقرار وعزل لدولة السورية التي ترفض حكومتها وشعبها السير في الركب الأمريكي، وترفض التخلي عن حقها في أرضها المحتلة في الجولان السوري المحتل.

     جوهر الصراع الحالي في المنطقة  يرتكز على مصطلحات "التنافس الاستراتيجي" و "الردع متعدد الأطراف"، وهذا الصراع يُنذر بنتائج كارثية، خاصة وأن الاستراتيجية الأميركية تعترف بأن سوريا باتت منطقة نفوذ لروسيا والصين وإيران, لكنْ هناك شعور غربي، أميركي – أوروبي، بضرورة حصر هذا النفوذ والحد من استمرار هذا التحالف، ومنع نشوء حلف قوي روسي – تركي، يتعارض مع وجود أنقرة في حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى سعي روسيا إلى نفوذ في العراق وعلاقاتها الاقتصادية الوطيدة مع الخليج العربي ومصر, حيث يأتي قانون سيزر كترجمة للموقف السياسي الأميركي من الملف السوري، وتعتبر بمثابة أوراق غربية على موسكو وطهران، لإعادة النظر في سلوكهما في سوريا، لأنها ستزيد من أزمة النظام السوري المالية في الحصول على السيولة, مع التمديد لقرار إدخال المساعدات الإنسانية إلى مناطق خلايا وميلشيات المعارضة في سوريا عبر تركيا والأردن، دون موافقة الحكومة السورية، وفي حالة التقيد بالشروط الأميركية لرفع العقوبات، التي مدتها خمسة أعوام قابلة للتجديد, فهي بلا شك تعتبر تعجيزية بالنظر إلى بنية وطبيعة السلطة السياسية السورية؛ حيث تتمثل هذه الشروط في التوقف عن استخدام المجال الجوي، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين في سجون الحكومة السورية، وتمكين المراقبين الدوليين من إجراء جولات في السجون، وكذلك رفع الحصار عن المناطق السورية، وتوقف الجيش السوري وحلفائه عن استهداف المنشآت الطبية والسكنية والأسواق، والسماح بعودة المدنيين إلى منازلهم، إضافة إلى تقديم مرتكبي جرائم الحرب من أسرى التنظيمات المسلحة والميليشيات المرتزقة إلى العدالة الدولية, مما يؤشر إلى أن الاستراتيجية الأميركية في سوريا لا تهدف إلى تطبيق العدالة بحق مرتكبي جرائم الحرب في سوريا، وهو ما تظهره بنود قانون سيزر، الذي استغرق صدوره ثلاث سنوات, فهو بلا شك ورقة ضغط أميركية، تريد حلاً سياسياً في سوريا، لا دور لإيران فيه، وأن تتم العملية السياسية وفق مقررات جنيف، وقد وافقت الأمم المتحدة على تحويل مسار العملية السياسية صوب تشكيل لجنة دستورية، وفق ما تريده روسيا وتركيا، لكن قانون سيزر في هذا الوقت ينسف مسار اللجنة الدستورية، مع رفض سوري لمخرجات اللجنة التي لا تنسجم مع محددات الوطنية السورية، خاصة تلك المتضمنة مشاركة خلايا المعارضة في إدارة البلاد والحكم، كما ويعطي القانون  الرئيس الأميركي مهلة طويلة نسبياً، هي 180 يوماً لإقرار العقوبات، وبالتالي ظهور نتائجه، لتضع واشنطن الكرة في ملعب موسكو، التي عليها التنسيق مع الولايات المتحدة لتسوية نهائية في سوريا، تحقق المصالح الأميركية والإسرائيلية.

    التحركات الأمريكية مُقلقة في الشكل والمضمون. التوصل إلى قواعد إقليمية ودولية ودمجها بشكل انتقائي على اعتبارات المصالح، وقد أدركت واشنطن أن قدرتها باتت من الصعوبة بمكان تحقيقها أو تطبيق نظرياتها في التوسع وفرض النفوذ، وما يُعزز هذا الأمر، بأن الغرب أدرك أيضاً وبعد قرون من الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية، بأن البحث عن معادلات جديدة بات ضرورياً في ظل التخبط الأمريكي، ودعوات عدم الاستقرار والعبث بالخطوط العريضة لكافة المسارات الإقليمية والدولية, لكن غالبية الدول تطمح إلى نظام دولي أكثر عدلاً، ويُبنى على قاعدة الاحترام الحقيقي للعلاقات الدولية، من هنا تسعى روسيا لصوغ معادلات إقليمية ودولية تحقق الاستقرار الاستراتيجي، مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة واشنطن وأدواتها، على تعطيل مؤقت للحلول السياسية في سوريا، فضلاً عن استثمار سياسي لبعض الأوراق المُعطلة، كـ ورقة بقايا الفصائل الإرهابية.، فتساقط الأوراق الأمريكية والتركية في سوريا، أعطى هامشاً واسعاً للدولة السورية وحلفائها، لصوغ معادلات جديدة، والالتفاف على الاستراتيجية الأمريكية التركية حيال مشهد شمال شرق سوريا حتى بعد تنفيذ القانون الأمريكي، لأن المواجهة باتت وشيكة لتؤكد فشل سياسات محور واشنطن في سوريا، من هنا يبدو واضحاً، أنه على غالبية القوى الإقليمية والدولية إعادة حساباتها تُجاه سوريا، وهندسة معادلاتها الجديدة من منظور واقعي، فاليوم وما تم تحقيقه في تحرير الأرض من الهجمات الإرهابية والأطماع التركية، هو إحدى الهزائم الكبرى للمشروع الآخر، وانتصار كبير لهذه الجبهة المدافعة والمواجهة للإرهاب، وهي تطور كبير وبالغ الأهمية على المستوى السياسي والعسكري والمعنوي للشعب السوري.

     خاصة أن الجيش السوري وجه ضربات متعددة المضمون والأهداف للولايات المتحدة وحلفائها، فضلاً عن استعادة مناطق غاية في الأهمية والحيوية، ووضعت ما تبقى من بيادق قوى الشر والإرهاب في حدود جغرافية ضيقة، ما يعني وبالمنطق الاستراتيجي للدولة السورية، أن مشروع الحلم العثماني المدعوم أمريكياً في شمال سوريا قد تم تقليم أظافره، فضلاً عن هندسة واقع سياسي واقتصادي، عبر عودة الطرق الدولية وإعادة إحياء الاقتصاد السوري، لكن ورغم ذلك، تدرك الدولة السورية أن حجم التناقضات الدولية والإقليمية حيال الشأن السوري، تبقى في ماهيتها بوابة لتعقيدات وتحديات قد تطول أو تقصر، إن الحقائق السياسة والعسكرية التي فرضتها الدولة السورية على امتداد الجغرافية السورية كثيرة وعميقة، ولم يعد ممكناً السماح بإعادة تفعيل نظريات الاستثمار السياسي في سياق الحرب على سوريا، فالواضح وبشكل جليّ، أن القرار السوري المتعلّق باستكمال تحرير الجغرافية السورية من الإرهاب لا مناص منه، رغم كل مساعي واشنطن وحضورها في المشهد السوري وهامشها غير المحدود في معايير الصفقات وإصدار القوانين والعقوبات المشروطة ، فقد باتت الوقائع واضحة لسوريا وروسيا وإيران.

ليس بالضرورة أن تعبر المقالة عن رأي الوكالة