PDK: خط الخيانة في كردستان3 – ديار غريب

التحالف مع الدولة التركية والخيانة في باكور كردستان

تعرض الشعب الكردي للعديد من المجازر في عهد العثمانيين، كما قام الكرد بالكثير من الانتفاضات ضد العثمانيين. وقد كانت الخيانة هي السبب الرئيس في فشل هذه الانتفاضات وتعرض الكرد للمجازر بعدها. لا سيما أنّ الجمهورية التركية قد أعلنت نفسها بعد تأسيسها على أساس القضاء على الكرد كميراثٍ عثماني. وخلال الأعوام الأولى للجمهورية على وجه الخصوص اندلعت العديد من الانتفاضات الكردية على امتداد باكور كردستان ضد هذه السياسة خاصة، إلّا أنّ الجمهورية لم تتعامل مع الكرد جميعاً ككتلة واحدة، إذ كانت تهاجمهم كل على حدة. فعندما تهاجم عشيرة تأخذ عشيرة ثانية إلى جانبها، وبذلك تسكتهم. وتمثّلت سياسة رئيسية أخرى من التي تخلق انقساماً داخل الانتفاضة بإيجاد من يخونون المنتفضين ويخدمون الجمهورية التركية. وبهذا الشكل استمرت بارتكاب المجازر في جميع أنحاء باكور كردستان حتّى عام 1938 إذ ألزمتها الصمت لفترة طويلة.

بعد سنوات طويلة من الصمت، شهد عام 1965 تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني - تركيا (PDK- T). هذا وكان أول تأسيس للحزب الديمقراطي الكردستاني في روجهلات، ليتم تأسيسه بعد ذلك في باشور وبعدها في باكور. لكن يجدر علينا هنا الانتباه إلى أنّ هذه الأحزاب جميعاً لا تشكّل تنظيماً واحداً ولم تتأسس من قبل شخص واحد. ففي الأساس اقترحت روسيا هذا الاسم على قاضي محمد ورفاقه في عهد جمهورية مهاباد الكردستانية. واعتمد هذا الاسم في الأجزاء الأخرى أيضاً. وبهذا تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني- تركيا (PDK-T) بقيادة فائق بوجاك. إذ كانت عشيرة بوجاك عشيرةً وطنية بمن فيهم فائق بوجاك.

أدّت الجمهورية التركية وظيفتها مرة أخرى ورغبت بعرقلة هذا الأمر. إذ حاولت خلق المشكلات من خلال الصراعات العشائرية. وعلى هذه الأسس قُتل فائق بوجاك. وبمقتله ضعُف الخط الوطني داخل عشيرة بوجاك وتقدّم فيها خط التحالف مع الدولة التركية. ويشهد تاريخ حركتنا أيضاً وقوف عشيرة بوجاك ضدها على أساس خط التحالف ذاته مع الدولة التركية.

بعد مقتل فائق بوجاك، تزعّم الحزب الديمقراطي الكردستاني- تركيا سعيد ألجي، لكن الحزب انقسم إلى جناحين؛ جناحٌ يميني بزعامة سعيد ألجي، وآخر يساري بزعامة سعيد قرمزه توبراك (دكتور شفان). اعتقلت تركيا كوادر وزعماء الجناحين. بقي سعيد قرمزه توبراك داخل السجن حتّى عام 1970 ثم أُفرج عنه. وشهدت تلك الفترة محادثات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني في باشور والحكومة العراقية. ونتيجة لهذا قبل العراق الحكم الكردي الذاتي في باشور. ولكن ولأن القضية الكردية أصبحت قضية دوليّة فقد كان القبول العراقي وحده غير كافٍ. وقفت الدولة التركية ضد هذا، ثم قبلته بشرط عدم ظهور حركات كردية في تركيا وتصفية الحركات القائمة هناك. وفي تلك الأثناء جاء سعيد قرمزه توبراك إلى باشور كردستان وتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في باشور لفترة. وقد أراد عام 1971 أن يتحرك لإنشاء حركة عسكرية في باكور.

حينها لم يقبل كلّ من البرزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني هذا. قالوا: "الوقت غير مناسب الآن لتقوم بمثل هذا الأمر". وخلق هذا مشكلة بين البرزاني والدكتور شفان ورفاقه. وبالتزامن مع هذا خرج سعيد ألجي أيضاً من السجن وقدم إلى باشور كردستان حيث جاء إلى زاخو وأراد الذهاب إلى الدكتور شفان. وبحسب ما قاله رفاق سعيد ألجي، فقد كانت هناك خلافات بين سعيد ألجي والدكتور شفان وأراد هو حلّها، بالإضافة إلى أنّه سمع أنّ الدكتور شفان يقوم ببعض الاستعدادات بشأن باكور، لذا أراد الذهاب إليه للتعاون معه. وعلى هذا الأساس أراد من الحزب الديمقراطي الكردستاني إرساله إلى الدكتور شفان. 

ويقولون في الحزب الديمقراطي الكردستاني؛ صحيح أنه أراد الذهاب إلى الدكتور شفان. إلّا أنّه لم يُعثر عليه بعد ذهابه إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني. وحتّى رفاقه أيضاً لا يعلمون ما جرى له بعد ذلك. يقول الحزب الديمقراطي الكردستاني: "لقد أخذناه وسلمناه للدكتور شفان، لكنه قام بقتله بعد يوم من ذلك". فيما يقول الدكتور شفان ورفاقه: "هذا ليس صحيحاً، أخبرنا الحزب الديمقراطي الكردستاني بأنّ سعيد ألجي يريد المجيء إليكم، لكنهم لم يحضروه لنا، فهمنا بعد ذلك أنّهم قتلوه في الطريق". إنها حكاية بوجهين. وفي النتيجة ألقى الحزب الديمقراطي الكردستاني القبض على الدكتور شفان واتّهمه بقتل سعيد ألجي، إذ اعتقلوه لمدّة ثم تمت محاكمته، حيث قضت محاكم الحزب الديمقراطي الكردستاني في النهاية بإعدامه.

يقول الحزب الديمقراطي الكردستاني: "بحوزتنا وثيقة كتبها الدكتور شفان بنفسه، يعترف فيها بقتله لسعيد ألجي". وبناءً على هذه الوثيقة حكموا على الدكتور شفان بالإعدام. وبهذه الطريقة يُقتل سعيد قرمزه توبراك (الدكتور شفان) أيضاً. يقول رفاق الدكتور شفان: "إنّ وثيقة الاعتراف مزورة، فالخط الذي كتبت به الوثيقة والكلام المكتوب بحد ذاته، لا يعودان للدكتور شفان. ذلك مخطط لجهاز الباراستن للحزب الديمقراطي الكردستاني وجهاز الـ (mît) التركي. لقد حرّروا سعيد ألجي عن قصد، وأرسلوه إلى باشور وقتلوه. وبتهمة قتله قتلوا الدكتور شفان أيضاً. وبهذه الطريقة أيضاً منعوا خوض القتال في باكور". يقول رفاق الدكتور شفان وبعض رفاق سعيد ألجي: "بهذه الطريقة خلّصوا تركيا من الحزب الديمقراطي الكردستاني- تركيا من جهة، وقام البرزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني في باشور بتخليص نفسيهما من هذا البلاء من جهة أخرى".

لو لاحظتم عندما أراد القائد آبو الخروج من باكور كردستان، قيّم هذا الموضوع وقال: "يقول بعض الرفاق فلنتوجّه إلى باشور كردستان، لكننا الآن ضعفاء، فإن ذهبنا إلى باشور كردستان فمن الممكن أن يكون مصيرنا أيضاً مثل كلا السعيدين (سعيد ألجي وسعيد قرمزه توبراك)، هذا الوقت ليس مناسباً للذهاب إلى باشور كردستان". وبهذه الطريقة قاموا بتصفية حركة الحزب الديمقراطي الكردستاني في باكور الذي أراد التقدم خلال عامي 1971-1972.

وهنا تظهر خبرة الدولة التركية في كيفية استخدامها الكرد ضد بعضهم البعض عبر تاريخها. كما أنّ الأمر الأهم هو تحرك الحزب الديمقراطي الكردستاني ضد الكرد في أجزاء كردستان الأخرى والبدء من باكور كردستان. بحسب الوثائق المتاحة فإن تحرّك الحزب الديمقراطي الكردستاني في باكور كردستان قد جرى بهذا الشكل لأول مرة. كما تعززت العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وأجهزة الاستخبارات التركية أيضاً بهذا الشكل.

تستمر علاقة الحزب الديمقراطي الكردستاني هذه مع الدولة التركية في عهد حركتنا PKK أيضاً. فخلال أعوام1980 قام القائد بإرسال الرفاق الذين درّبهم إلى خط باشور وروجهلات كردستان للقيام بالعمليات العسكرية ضد الاحتلال التركي في بوتان وخوض القتال من هناك. حينها تواصل الرفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني أيضاً، لكنهم تعاملوا معهم بحذر. لأن القائد كان قد حذّرهم سابقاً من مواجهة مصير السعيدين (سعيد أجلي وسعيد قرمزه توبراك). وبالفعل استشهد الرفيقان محمد كارا سونكور وإبراهيم بيلكين آنذاك بشكلٍ غامض. ويقيّم القائد هذا الأمر على أنّه عدم فهمٍ للوضع القائم وضعف سياسة الرفاق. كما أنّ القائد أرسل الرفاق إلى هناك لتنفيذ عمليات الكريلا في بوتان، إلّا أن القيام بهذا تأخر كثيراً. كانت مقاربة الحزب الديمقراطي الكردستاني آنذاك تقوم على إلهاء الرفاق ووضعهم تحت سيطرته وعرقلة اندلاع أية حربٍ في باكور. وحتّى عند بدء الرفاق بإطلاق القفزة الأولى ضد الجيش التركي في 15 آب عام 1984 قد أثار استياء الحزب الديمقراطي الكردستاني. وقال بعض مسؤوليهم للرفاق: "لماذا لم تبلغونا". بعد ذلك حاصروا الرفاق في تلك المنطقة ولم يسمحوا حتّى بوصول الطحين إليهم. وبعد ذلك بقي موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني تجاه حزب العمال الكردستاني منحصراً على الدوام في هذا السياق.

ومثلما تحرّكت العشائر المرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني كمرتزقةٍ بتعليمات منه عندما بدأ الاتحاد الوطني الكردستاني بحرب العراق في باشور كردستان، فأيضاً عندما خاض حزب العمال الكردستاني حرباً عسكريةً في باكور كردستان كانت منطقة بوتان خاضعة لتأثير الحزب الديمقراطي الكردستاني. ولئلّا يتمركز حزب العمال الكردستاني في تلك المناطق قالوا لتلك العشائر تحرّكوا كمرتزقة. وإلى الآن لا يزال قسمٌ منهم مرتبط به. ليست لدي معلومات كافية، ولكن احتمالية انتهاج السياسة ذاتها في روجهلات كردستان أيضاً كبيرة. قالوا لهم تسلّحوا وأرادوا التحكّم فيهم. لكنّهم استاؤوا من خروجهم عن سيطرتهم.

وأدى تطوير إدارة باشور كردستان دوراً مماثلاً في خط الحزب الديمقراطي الكردستاني. فكما نعلم شهدت باشور خلال عامي 1991-1992 انتفاضات شعبية وتأسست حكومة الإقليم. قبل تأسيس هذه الحكومة كانت إيران وتركيا تعارضانها بشدّة. ولهذا كانا يضغطان على الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. كانا يقولان ينبغي ألّا تقومان بإجراء الانتخابات، وتشكيل البرلمان والحكومة. آنذاك خاضوا محادثات استمرت لأشهر وفي النهاية قبلت إيران وتركيا بإنشاء حكومة في باشور كردستان. وأميركا وفرنسا كانتا أكثر من ترغبان بهذه الحكومة. فقد كانتا بحاجةٍ لمكانٍ مثل كردستان لتنفيذ سياستيهما تجاه العراق. ولأنّ عدم تأسيس الحكومة سيخلق تشتّتاً. إلّا أنه كان من المفترض أن يكون مؤقتاً وليس دائماً.

وفي النهاية قبلت إيران وتركيا هذه الحكومة ولكن بشروط. الشرط الأول هو ألّا تكون الحكومة المؤسسة دائمة، بل إلى حين إسقاط صدّام فقط. أي ينبغي حلّ تلك الحكومة مع إسقاط صدّام.

أما الشرط الثاني هو ألّا تسمح هذه الحكومة للمنظمات في باكور وروجهلات بالاستفادة منها وتطوير القتال والنضال ضد هاتين الدولتين. كان هذان الشرطان أساسيان بالنسبة لهما.

قبِل الحزب الديمقراطي الكردستاني هذين الشرطين وأجريت الانتخابات في باشور كردستان في الـ 19 من أيار عام 1992 على هذا الأساس. وهذا تاريخ بارز. تم تشكيل الحكومة في تموز. ومع تأسيسها طالب (الحزب الديمقراطي الكردستاني) حزب العمال الكردستاني، والحزب الديمقراطي، وجمعية زحمتكيشان وباقي الأحزاب في روجهلات بإيقاف تحركاتها العسكرية، أو عدم استخدام حدود باشور كردستان. وعلى هذا الأساس خاض مع الأحزاب مفاوضات أسفرت عن قبول أحزاب روجهلات لهذا الطلب. إلّا أنّ حزب العمال الكردستاني رفض ذلك، لهذا أطلقوا حرباً ضده بناءً على رغبة من الدولة التركية. ولم يكن القرار الأول الذي اتّخذه البرلمان في باشور ضد المحتلين بل ضد حزب العمال الكردستاني. 

والحرب التي اندلعت عام 1992 اندلعت على هذا الأساس. هاجم عشرات الآلاف من الجنود الأتراك مناطق الكريلا من جهة باكور والآلاف من البيشمركة من جهة باشور. وأطلقوا على هذا الهجوم اسم "عملية سندويش (sandevîç)" أي أنّ قسماً منهم سيهاجم من الأعلى وقسماً من الأسفل وبهذا سيسحقان حزب العمال الكردستاني بينهما. وهذا الاسم يحمل هذا المعنى. تطور هذا الهجوم في منطقتي حفتانين وخاكورك. إذ أن خط مقاومة الكريلا يتقدّم في هذه المنطقة بشخص الرفيقة بيريتان. وعلى الرغم من نهج الحزب الديمقراطي الكردستاني هذا، فقد ترك بعض البيشمركة أسلحتهم نتيجة تأثرهم بموقف المرأة الكردية الحرة هذا. كما تكررت هجمات الحزب الديمقراطي الكردستاني على الكريلا في سياق المخططات التركية مرةً أخرى خلال أعوام 1995-1997. بعد هذه الفترة، نفّذ الحزب الديمقراطي الكردستاني هجماته ضد خط الكردايتية الحرة المتمثلة بشخص حزب العمال الكردستاني في أجزاء كردستان الأربعة على أساس التحالف مع الدولة التركية.

المصدر: كتاب "تاريخ كردستان" للشهيد هلمت (ديار غريب).