PDK.. خط الخيانة في كردستان 2 – ديار غريب

لقد ذكرنا سابقاً أن، عائلة بارزاني معروف عنها بأنها ظهرت على مسرح التاريخ بحروبها العشائرية في جنوب كردستان. في البداية، لم تكن عشيرة البارزاني معروفة جيداً، ولكن في أواخر القرن التاسع عشر على وجه الخصوص، اكتسبت عائلة بارزاني شهرة في الإمامة والمشيخة. وتختار عشيرة البارزاني، المتصارعة مع العشائر الأخرى، حالة الإمامة والمشيخة من أجل الانتصار في هذه الصراعات، لما لتلك الصفة من تأثير كبير على المجتمع، وقد نجحوا في ذلك. تمكنت من دحر معظم العشائر في جنوب كردستان؛ إما أن يهاجروا أو يستسلموا وينضموا إليهم. على سبيل المثال، عشيرة الزيباري قاتلت أكثر من غيرها ضد عشيرة بارزاني. يقال أن بارزاني كان في البداية تحت سيطرة زيباري. لكن بعد دحرهم وهزيمتهم، استسلموا. لا يزال بعض الأعضاء المهيمنين في هذه العشيرة يلعبون دوراً مهماً داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني اليوم. كما استمر صراعهم مع عشيرة برادوستان أيضاً لفترة طويلة؛ نفذ البارزانيون العديد من الهجمات على البرادوستيين جنباً إلى جنب مع بعض القبائل الأخرى التي استسلمت. قتل وتشرد العديد من قادتهم، كما استسلم بعض حكام هذه العشيرة. ولكن حتى اليوم هناك رد فعل كبير من قبل أهالي برادوست ضد عائلة بارزاني، لذلك لا يزال البارزانيون مترددين في التقارب مع عائلة برادوست. ويمكن إيراد العديد من الأمثلة الأخرى حول ذلك.

باختصار، تشن عائلة بارزاني حروبها الأولى ضد العشائر الكردية. بعد تشكيل الحزب الديمقراطي الكردستاني - العراق في عام 1946 واستيلاء عائلة بارزاني على هذا الحزب، استمرت هذه الحرب ضد الأحزاب والأوساط الكردية الأخرى. في هذه المرحلة، تولى زعيم الأسرة، ملا مصطفى بارزاني، السلطة. لكن مع تطور الحرب من حرب عشائرية إلى حرب دول، يسعى بارزاني للحصول على دعم الدول. خرج من جنوب كردستان في ثلاثينيات القرن الماضي حتى عام 1958. عاش في كردستان الشرقية لفترة ثم انتقل إلى روسيا. أي عندما يكون في مأزق، يتخلى عن كل شيء ويغادر البلاد. نتيجة لذلك، يتعرض سكان المنطقة للمجازر. هذا ما تقوله ثقافة "آش بطال" التي طورها الحزب الديمقراطي الكردستاني. وهذا بدوره هو تطبيق للنهج الذي يقول أنه يجب عليك الحصول على الدعم للقيام بأي شيئ. في عام 1964 كان هناك خلاف بين مصطفى بارزاني وإبراهيم أحمد. كان إبراهيم أحمد آنذاك سكرتيراً للحزب الديمقراطي الكردستاني في باشور. كان ملا مصطفى بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، ما هو سبب هذه المشكلة؟ عبد السلام عارف كان رئيس العراق في ذلك الوقت. تولى رئاسة العراق عام 1963. دارت فترة من المفاوضات مع الحزب الديمقارطي، لم يمنح الكرد حقوقهم. تفاوض عبد الكريم قاسم الذي اعترف بهوية الكرد وحقوقهم. لكن عبد السلام عارف جاء ورفض تلك الحقوق، مما أدى إلى استياء الكرد وانتهاء المفاوضات.

بعد ظهور بعض الفرص في العراق عام 1958، عاد ملا مصطفى إلى العراق وتولى قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني. على الرغم من أن الشخصيات القيادية في الحركة قد استاءت من ذلك، إلا أنها لا تستطيع فعل أي شيء. في عام 1961 نشأ نزاع بين الحزب الديمقراطي والإدارة العراقية وخرقت الإدارة العراقية حينها الاتفاقات والوعود التي قطعتها، واندلعت حرب بين الجانبين. في عام 1964، استاء الرئيس العراقي آنذاك عبد السلام عارف ودعا مرة أخرى إلى الحوار. في ذلك الوقت قال لهم المكتب السياسي للحزب الديمقراطي وإبراهيم أحمد، لن ندخل في حوار مع عبد السلام عارف. لأنه يريد أن يخدعنا ويرفض ما قبله عبد الكريم قاسم. لكن مصطفى بارزاني قال إنه سوف يجري الحوار.

وفي النهاية أدلى مصطفى بارزاني وعبدالسلام عارف ببيان مشترك وأعلنا بدء الحوار. كان هذا هو السبب الذي دفع المكتب السياسي للحزب الديمقراطي إلى اتخاذ موقف ضد بارزاني. كما أصدروا بياناً قالوا فيه إن الحوار لا يمثل الكرد. بل يمثل شخص البارزاني، وهو أمر سيء. وتحول الأمر إلى مشكلة وانفصلا في تموز من عام 1964. عقد بارزاني المؤتمر وطرده من الحزب. أرسل لاحقاً قوات ضد المكتب السياسي مما اضطرهم للفرار إلى إيران، حيث مكثوا حتى عام 1965. حتى بعد أن استولت عائلة بارزاني على الحزب الديمقراطي، بدأت الحرب ضد الكرد بنفس الطريقة، وكان أصدقائهم في الحزب هم أول من تعرضوا للهجمات. وبعد حرب العشائر بدأت حروبهم داخل الحزب.

فيما بعد اتفق الحزب الديمقراطي (البارزاني) مع إيران وقامت إيران بتسليم الفارين إلى بارزاني. إبراهيم أحمد لم يستسلم وذهب إلى بريطانيا. لكن جلال طالباني وعلي عسكر وعمر دبيبي وآخرين جاؤوا واستسلموا لبارزاني. ووعد بارزاني بالعفو عنهم ومنحهم مسؤوليات مرة أخرى. كانت المجموعة كبيرة وأصبحت قيادية في الحزب الديمقراطي، وكان بارزاني يعفو عن بعضهم ولا يعفو عن البعض الآخر. يقولون أيضاً في أوائل الستينيات أن بارزاني ارتكب أخطاء وأعاد بناء الحزب الديمقراطي الكردستاني. اجتمع أولئك الذين استاؤوا من بارزاني وشكلوا حزباً جديداً يسمى الحزب الديمقراطي الكردستاني الثوري. لكنه لم يكن فعالاً ضد سلطة الحزب الديمقراطي الكردستاني.

في تلك الفترة قامت إيران بدعم الحزب الديمقراطي الكردستاني لمحاربة العراق ويبدأ الحزب الديمقراطي مرة أخرى الحرب ضد العراق بدعم من إيران مرة أخرى. عندما وقعت إيران والعراق على اتفاقية الجزائر في عام 1975، كان شرط الاتفاقية هو أن توقف إيران دعمها للحزب الديمقراطي، فطلبت إيران من الحزب الديمقراطي التخلي عن الحرب في العراق وعدم القتال، وقالت أنها لن تقدم الدعم لهم إن استمروا في القتال. على هذا الأساس، أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني "آش بطال" مرة أخرى، وشكل ذلك نكسة كبيرة لجنوب كردستان. عشرات الآلاف من البشمركة كانوا مسلحين، لكن لأن الحزب الديمقراطي يقول أنه لا يحظى بدعم، يعلن "آش بطال" ويترك البلاد. وفي ذلك الوقت أيضاً تُرك الأشخاص الذين يساندونهم وراءهم تحت رحمة العراق.

في عام 1976، شكل بعض الأشخاص، الذين كانو مستائين من الحزب الديمقراطي الكردستاني، مثل إبراهيم أحمد وجلال طالباني، الاتحاد الوطني الكردستاني (YNK) في دمشق وتوجهوا مرة أخرى إلى جنوب كردستان للقتال في العراق. في ذلك الوقت، كان الحزب الديمقراطي الكردستاني ضعيفاً ومبعثراً، لذلك كان قادرًا على القيام بشيء ما للحصول على الدعم لنفسه. لكن عندما رأى الاتحاد الوطني الكردستاني ينظم ويقاتل في الجنوب، طلب من العشائر والأشخاص المقربين منه بالتحول إلى (جاش). (والجاش في جنوب كردستان هم الكرد الذين يحملون السلاح إلى جانب الدولة العراقية ويقاتلون من أجلها). ولكي لا يصبحوا بيشمركة، ولكي لا يستطيع الاتحاد الوطني الكردستاني التوسع في هذه المناطق. لقد قام بتوجيه مثل هذه الأوامر لشعبه. حتى أنه أعاد بعض قادته إلى البلاد ليصبحوا (جاش). وهذا يشير بوضوح إلى التعاون مع الجيش العراقي الذي كان يترأسه صدام حسين. ولاحقاً سوف يتحول هذا الأمر إلى ثقافة بالنسبة للحزب الديمقراطي.

حدث مهم آخر سُجل في تاريخ الحزب الديمقارطي كلطخة سوداء هو مذبحة جولميرك. في عام 1978، لم يكن الحزب الديمقراطي قد أعاد ترتيب صفوفه. فيما نشر الاتحاد الوطني الكردستاني قوة قوامها 1000 بيشمركة في منطقة خاكورك في ربيع عام 1978. يقول الاتحاد الوطني الكردستاني، أنه أرسل تلك القوة للذهاب والحصول على الأسلحة التي أرسلتها لهم سوريا. لكن الحزب الديمقراطي يقول أنهم استقدموا تلك القوى للقضاء عليهم، وعبرت تلك القوى إلى منطقة شمزينان. في تلك الفترة كانت سلطة الحزب الديمقراطي على مناطق شمزينان وكيردي قوية.  تقع هذه المناطق في شمال كردستان، ولكن على الحدود مع الجنوب. يتواصل الحزب الديمقراطي الكردستاني مع عشائر تلك المناطق ومع الدولة التركية. عندما دخلت قوات الاتحاد الوطني الكردستاني المنطقة، تقوم هذه العشائر بنصب كمين لها ومهاجمتها. ولأن الثلج كان غزيراً جداً، لا يمكنهم التحرك بسهولة. قتل أكثر من 700 من البشمركة من الاتحاد الوطني الكردستاني، فيما تم أسر عدد منهم، وتمكن عدد قليل منهم من النجاة.

وقتل في تلك الحادثة بعض القادة المشهورين مثل علي عسكر والدكتور خالد وطاهر وليد بيك الذين يحظون بشعبية كبيرة بين الناس والذين قاتلوا ضد العراق لسنوات عديدة. قتلوا على يد إدريس بارزاني وسامي عبد الرحمن وكريم شنكالي وزير الداخلية الحالي في جنوب كردستان. في ذلك الوقت، لم يكن الحزب الديمقراطي قد عقد المؤتمر بل يعمل تحت الإدارة المؤقتة. وضمت الإدارة المؤقتة إدريس بارزاني، وسامي عبد الرحمن، وكمال كركوكي، وكريم شنكالي، وآزاد برواري. وعلى يد هؤلاء وعلى يد عشائر المنطقة قتل أكثر من 700 من البشمركة.

بدأت الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات. ولكي تكسب إيران التنظيمات الكردية إلى جانبها، قامت بجمعها واستخدامها للحرب ضد العراق. كانت جميع القوى في ذلك الوقت تدعم إيران وعلى رأسهم الحزب الديمقراطي الكردستان والاتحاد الوطني الكردستاني، هذه الحرب استمرت 8 سنوات. لكن عندما كانت إيران على شفا الهزيمة عام 1988 وتوقفت الحرب، وبدأت المفاوضات بين إيران والعراق. توجه النظام العراقي الذي كان يرأسه صدام آنذاك إلى الكرد. لكن كالعادة أُعلن عن "آش بطال" مرة أخرى وتعرض شعب جنوب كردستان مرة أخرى لمذبحة كبيرة. وبشكل خاص قتل عشرات الآلاف من الكرد بالأسلحة الكيماوية في ما يسمى بالأنفال. وتتكرر الهجمات بشكل خاص في مناطق دوكان ، وكراداخ ، وكرميان ، وجمجمال ، وكوي ، وهولير ، وشقلاوا، ورانيا، وديانا، ورواندوز. في 16 آذار، قصفت عدد كبير من الطائرات الحربية مدينة حلبجة بالأسلحة الكمياوية. وكان عدد سكان حلبجة حينها 75 ألفا. قُتل ما يقرب من 5000 شخص، وأصيب 12000 بالأسلحة الكيماوية وفر الآخرون.

خلال هذه المرحلة، تم حرق وتدمير حوالي 4000 قرية في كردستان. وقتل نحو 10 آلاف شخص بالمواد الكيماوية. كما بلغ عدد النازحين والمختفين 182 ألفًا. بهذه الطريقة تم تشريد الناس. وحتى الآن لم يتم العثور على قبور بعض الناس.

بعد هذه المرحلة، بقي الحزب الديمقراطي الكردستاني والتنظيمات الكردية الأخرى في الخارج لفترة طويلة. حيث كانوا في حالة "آش بطال" ولا يوجد من يدعمهم. عندما غزا العراق الكويت عام 1991، تدخلت بعض القوات الدولية في العراق واستولت على المجال الجوي لجنوب كردستان وحظرت المجال الجوي على الطائرات العراقية. في هذا الوقت بدأت الانتفاضات الشعبية ضد العراق. ويجد الحزب الديمقراطي الكردستاني والتنظيمات الكردية الأخرى في ذلك فرصة للعودة إلى جنوب كردستان. في هذه المرحلة، يتم إعادة تأسيس مجلس جنوب كردستان بدعم وتعاون بعض القوى الأجنبية. الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني يتشاركان في إدارة في جنوب كردستان.

لكن لم يمض وقت طويل قبل أن يرغب الحزب الديمقارطي الكردستاني مرة أخرى في الاستيلاء على جنوب كردستان بالكامل واندلعت حرب بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستاني. في عام 1996، كانت منطقة هولير تحت سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني. وكان القسم الأكبر من باشور تحت سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني، بينما كانت سيدكان ودهوك والمناطق المحيطة تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهاجمت قوات الحزب الديمقراطي منطقة هولير بمساعدة الدبابات العراقية. هُزم الاتحاد الوطني الكردستاني في هذه الحرب وسقطت هولير في أيدي الحزب الديمقراطي الكردستاني في تلك الفترة. وبقي الحزب الديمقراطي هناك فترة طويلة برفقة الجيش العراقي. ولذلك يعرف الحزب الديمقراطي منذ تلك الفترة بـ (جاش) عام 1996.

المصدر:  كتاب بعنوان "تاريخ كردستان" للشهيد هلمت (ديار غريب).


إقرأ أيضاً