مسيرة مؤتمر ستار وامرأة فلسطينية

أم أيديولوجية جمعت النساء من مختلف الأجناس والمكونات، فها هي عربية من أصول فلسطينية تتخذ مقعداً لها بين جموع النساء المنضمات تحت راية مؤتمر ستار، في ذكرى تأسيسه الـ 17.

منى يوسف، امرأة فلسطينية، نزحت أسرتها إلى سوريا عام 1946، تزوجت برجل كردي عام 1992، وعن طريق زوجها تعرفت على حركة حرية كردستان.

مع انطلاق ثورة 19 تموز عام 2012 في روج آفا وشمال وشرق سوريا، انضمت منى يوسف (40 عاماً) إلى صفوف الثورة، لتنفض عن نفسها غبار العادات والتقاليد البالية التي أحكمت سيطرتها على مفاصل حياة النساء، بل وجردتهن من الإرادة، وذهنية الرجل المتسيد الواقع هو الآخر تحت تأثير النظام الرأسمالي العالمي.

عاشت الأسرة التي ينحدر منها زوج منى يوسف، التناقض مثلها مثل ملايين الأسر الكردية، بسبب نظام الحكم السائد في تلك الفترة، ومع ذلك كانت لها نشاطات، حتى وإن كانت سرية حينها؛ ضمن حركة حرية كردستان. هذا التناقض لم يقتصر على الأسرة فحسب، فقد عاشت منى يوسف، أم (3 شابات و3 شبان) التناقض نفسه نتيجة معرفتها السطحية للحركة، فلم تكن تعلم سوى أن الحركة تناضل في سبيل تحقيق الحرية للشعوب المضطهدة.

وأخيراً، أزالت ثورة المرأة أو ما يرادفها بالمعنى ثورة روج آفا وشمال وشرق سوريا، كافة التناقضات التي عاشتها منى يوسف، التي يعود الفضل فيها إلى القائد والمفكر الديمقراطي عبد الله أوجلان الذي طرح قضية تحرر المرأة.

المرأة، في روج آفا وشمال شرق سوريا، بدأت بتنظيم نفسها وفق فكر وأيديولوجية تحرر المرأة، وبدأت بتشكيل مؤسسات نسائية خاصة بجنسها، بما في ذلك مؤتمر ستار، أو اتحاد ستار سابقاً.

مؤتمر ستار قديم جديد

اتحاد ستار الذي تأسس في الـ 15 كانون الثاني/ يناير 2005، هو منظمة نسائية، تنشط في شمال وشرق سوريا، وفي لبنان وباشور كردستان وعدد من البلدان الأوروبية، غيّر اسمه لاحقاً عام 2016، إلى مؤتمر ستار، وذلك أثناء عقده المؤتمر السادس.

ومؤتمر ستار تنظيم كونفدرالي ديمقراطي يمثل النساء ويناضل من أجل حرية المرأة وحق المساواة في روج آفا وسوريا، يتخذ من الشمس في المنتصف على أرضية خضراء، وعلى الجانب الأيسر للشمس سنبلة، وعلى الجانب الأيمن أشعة الشمس، وفي منتصف الشمس على الجانب الأيسر صورة لنصف وجه امرأة باللون الأحمر تنظر تجاه الشمس، شعاراً له.

وينظم المؤتمر نفسه على أساس ومبادئ الإرادة الجوهرية والإدارة الذاتية مع جميع النساء من مختلف الشعوب، ويعتمد في تنظيمه ونضاله على علم الحياة الحرة (علم المرأة أو جنولوجي)، حيث يتغلب الجنولوجي على الاستعمار الذهني ويطور من وعي المرأة والحياة الحرة والنضال الجنسي.

مؤتمر ستار أم إيديولوجية

احتضن اتحاد ستار "مؤتمر ستار"، منى يوسف عام 2014، وتسلمت مهام الإدارة بعد تلقيها دورات تدريبة فكرية، في منطقة سري كانيه/ رأس العين المحتلة، وسعت بدورها إلى نشر الوعي بين النساء وفك أغلال العادات والتقاليد من حول عنقها.

للوهلة الأولى لم تصدق منى يوسف ما أنجزته، فهذه أول مرة تعطي دورة تدريبية في أكاديمية المجتمع الديمقراطي عن تاريخ المرأة وعلم المرأة (جنولوجي)، تعلق على ذلك بالقول: "لم أصدق أنني ‏أستطيع فعل ذلك، بعد كل ذلك التناقض الذي كنت أعيشه"، وتضيف: "أنا امرأة فلسطينية، لم أكن أعي شيئاً عن عاداتكم وتقاليدكم، كنت أعيش ‏في قوقعة لوحدي ضمن المنزل، وكان أكبر همي إتمام الواجبات المنزلية، لم أكن أفكر أبعد من ‏ذلك".‏

ترى منى يوسف أن مؤتمر ستار هو الوطن الأم الذي يحتضن كافة النساء، وقالت: "أم بيولوجية أنجبتنا، لكن مؤتمر ستار هو من قام بتربيتنا إيديولوجياً، وتنظيمياً، وكيف يمكن للمرأة نيل حقوقها، وبناء مجتمع أخلاقي سياسي وعادل، على شكل عائلة ديمقراطية كبيرة تضم كافة شرائح ‏المجتمع بكافة مكوناتها للعيش بسلام ومساواة". ‏

تاريخ المرأة

تلقت منى يوسف تدريباً فكرياً مدة 15 يوماً خلال عملها كعضوة في أحد كومينات أحياء مدينة سري كانيه قبل احتلالها من قبل دولة الاحتلال التركي، في الـ 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، تقول منى عن تلك المرحلة لوكالتنا: "حينها تذكرت الضغوطات التي كنت أعيشها، والتعنيف الذي تعرضت له دون أن أدري، شعور متناقض تفجّر، شعرت بطاقة لا تنضب، وأن هذا النضال متشابه لما شهدته وعشته في فلسطين، فأنا أيضاً تعرضت للنفي بسبب قوميتي، أنا عربية، والوطن الذي عشت فيه عربي، والجميع كان ينادي ‏بالقضية الفلسطينية أما على أرض الواقع فلا يوجد أي شيء من هذا القبيل".

لسان حالها يعبّر: "من أول تدريب تلقيته تعرفت فيه على ‏الكثير من الأمور، وأكثر ما أثر في نفسي درس الأمة الديمقراطية، لقد أحدث هذا الدرس نقلة نوعية في مستوى فكري نفسي كامرأة جامعية".‏

تقارن منى يوسف، بين المنهاج الدراسي الذي كان يدرّس في مدارس حكومة دمشق، والدورات التدريبية في أكاديميات المجتمع الديمقراطي في شمال وشرق سوريا، "كان المنهاج محصوراً في نيل الدرجات، وبالتالي، للحصول على وظيفة نكسب منها ‏لقمة عيشنا، خلال المراحل الدراسية الثلاثة، قرأنا عن ‏جغرافية سوريا، وجغرافية الوطن العربي وحتى جغرافية العالم، لكن التاريخ الذي تلقيناه في التدريب الذي خضعنا له، ‏كان عن تاريخ المرأة، تاريخ الشعوب، هذه الدروس أظهرت لنا الحقائق التي لم نكن ندركها في السابق، أصبحنا ندرك حقائق ‏الأنظمة الديكتاتورية التي هدفت منذ القِدم إلى طمس هوية المرأة وسلب حريتها وجهدها ودورها الذي كانت تقوم به دون أن ‏تدرك مدى أهميته في المجتمع".‏

وتساءلت عن أسباب تهميش الكرد وهويتهم الأصلية، "لِما لم يتحدث أحد عن تاريخ هذا الشعب، القضية الكردية كانت فقط في الشعارات وبالخطوط العريضة حينذاك، لكن على أرض ‏الواقع لم يكن هناك شيء، أنا عشت معاناة ضمن الأراضي السورية كفلسطينية، الجميع كان ينادي بالقضية الفلسطينية ‏ويعتبرونها قضية الوطن العربي لكن على أرض الواقع لم يمنحوني حتى الهوية السورية، حتى كنت ممنوعة من التنقل ‏بين المناطق السورية، وكنت ممنوعة من التوظيف، حتى لو درست وحصلت على الشهادات، حينها كان هدفي ‏في الحياة هو أن أتزوج وأرزق بأولاد وأقوم بتربيتهم، لم تكن لدي أهداف أكثر من ذلك"!‏

تتابع: "الدروس في الأكاديمية فتحت أمامي آفاقاً وتفكيراً عميقاً، كما كانت نقطة تحول نوعية في ذاتي، لكنني أتساءل، لماذا لم ينتشر هذا ‏الفكر؟ ولماذا بقي هذا التاريخ منسياً؟ لماذا بقي نضال هذا الشعب على مدى أربعين عاماً طي الكتمان، أنا ‏رأيت الكثير من الأمور لم تكن متناقضة مع ما تلقيته في التدريب، وهذا ما شد انتباهي، وحاولت بكل قدرتي ‏النضالية التي تنامت لدي أن أكون إنسانة فعالة ضمن هذا الفكر".‏

تواصل حديثها في هذا الإطار: "رأيت أن هناك فرق شاسع بين الدروس التي كنت أتلقاها في المدارس، وما تعلمته ضمن الثورة، فالتاريخ والسياسة ‏مرتبطان بالرجل والسلطة والأنظمة القومية، وهذا كله يعتبر ديكتاتورية على أرض الواقع إلى جانب ‏استغلال الدين للأغراض الشخصية، فمن خلال النزعة الدينية، يلعبون بمشاعر الإنسان ويقنعوننا بأن الأقوال المذكورة ‏في كتب التاريخ جميعها صحيحة". ‏

اختلفت شخصية منى يوسف ذات الأصول الفلسطينية، قبل وبعد انضمامها إلى مؤتمر ستار، تقول بشأن الحوارات التي كانت تدور في بعض الأحيان بين العضوات، "لقد أفادني بشكل كبير، كنت أطبق النقاشات في ‏منزلي وفي المجتمع وفي الكومين، تأثرتْ الكثير من النساء في الحي، وأصبحن يعبّرن عن آرائهن بكل صراحة، هذا ‏الفكر حقق الكثير من أحلامي، إذ كنت أتمنى بناء مجتمع ديمقراطي حر يضم جميع المكونات، أنا عربية وانضممت ‏إلى الحركة لدرجة أني نسيت من أي مكون أنا، عربية أو كردية أو سريانية لا يوجد فرق".‏

صعوبات

وأوضحت منى أن أكبر الصعوبات التي واجهتها كانت الذهنية الذكورية للمجتمع، الذي لم يكن يقبل بأن تعمل المرأة خارج المنزل، وخاصة في السنوات الأولى من الثورة، ‏الآن الوضع اختلف كثيراً، حيث ازداد الوعي، إذ نرى آلاف الشابات ضمن صفوف وحدات حماية المرأة YPJ)‏).

ويقبل مؤتمر ستار، وحدات حماية المرأة (YPJ) كتنظيم دفاعي نسائي، ويعتبر نفسه المسؤول الأول عن تطوير وتعزيز وتنمية هذا التنظيم الدفاعي، وذلك وفق ما جاء في الميثاق العام لمؤتمر ستار.

كما يعتبر انطلاقة جديدة وفريدة من نوعها وخطوة غير مسبوقة، إذ لا يوجد في العالم تنظيم نسائي يفكر بروح ‏المرأة وشخصها وخصوصيتها، فالعديد من التنظيمات النسائية في العالم تأسست، لكن في جوهرها كانت واقعة تحت تأثير النظام الرأسمالي.

في ختام حديثها، قالت منى إن المجتمع الذي أطمح إليه يحتاج إلى وقت لبنائه، وتمنت "أن أستخدم طاقتي وإمكاناتي بشكل أكبر وأن انطلق انطلاقة أوسع للوصول إلى جميع النساء، فطموحاتنا كبيرة، ولكن هناك أمور مهمة ورئيسة، وهي التخلص من الاحتلال التركي، وأن يكون ‏هناك اعتراف بالإدارة الذاتية".

ودعت النساء إلى الإسهام بشكل أكبر في نشر فكر الأمة الديمقراطية، واتخاذ مؤتمر ستار مركز لحل جميع قضاياهن.

(ي م)

ANHA


إقرأ أيضاً