مسار أستانا – فشل سياسي ذريع

بعد ثلاث سنوات ونيف و15 جولة ماراثونية صار مسار أستانا محط سخرية معظم السوريين الذين يتوقون إلى نهاية حقيقية لمأساتهم . لقد حرفت الدول الضامنة لمباحثات أستانا, روسيا وتركيا وإيران, بالتواطؤ مع الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة مسار المفاوضات السياسية بين النظام والمعارضة عن مسار جنيف القائم على بيان جنيف وبيان فيينا والقرار 2254 وأخذته إلى المكان البعيد الذي لا تتوفر فيه مقومات اجتراح الحلول المقبولة.

د . مهيب صالحة - كاتب وأكاديمي سوري

لقد اهتم مسار أستانا أكثر ما اهتم بالقضايا العسكرية, الميدانية, وربما حقق نجاحات معينة من وجهة نظر أطراف الصراع الداخلي المسلح والدول الداعمة لها, لكنه فشل على جميع المستويات في تظهير حل أو تسوية سياسية لا وفق السيناريو الأممي ولا وفق سيناريو مقترح من الدول الضامنة, وهي كلها دول تحتل الأرض السورية وتنفذ أجندات خاصة بمصالحها غير مكترثة بمصالح الشعب السوري والدولة السورية بالرغم من تضمين جميع بيانات مسارها جملة - لازمة "وحدة الأراضي السورية " الممجوجة, في الوقت الذي يعملون فيه كأنهم أصحاب بيت يتمددون فيه على راحتهم وفوق طاقتهم. وصارت المسألة السورية بالنسبة لكل دولة مجرد ورقة تلعب بها لعبة مصالح محددة من ضمن أوراق كثيرة تقض مضاجع المنطقة.

ولعبت الولايات المتحدة الأمريكية دور الشريك – المراقب في أستانا حتى لا تغيب عن مساراتها وتبقى حاضرة في المسألة السورية ضمن "تبكيج" قضايا المنطقة من أوكرانيا للقرم للدرع الصاروخية للبرنامج النووي الإيراني وتدخل إيران السافر في دول المنطقة لإسرائيل وصفقة القرن والتطبيع العربي معها للبنان وحزب الله والعراق والجماعات الدينية المتطرفة لداعش والنصرة والصواريخ الروسية في تركيا وجشع أردوغان العصملي من تونس وليبيا غرباً حتى قطر شرقاً ومن سوريا شمالاً حتى باب المندب جنوباً. إن استخدام دول أستانا للمسألة السورية كورقة لعب مصالح واستخدام الولايات المتحدة لها كواحدة من جملة قضايا في سلة المنطقة يؤخران التوصل إلى تسوية سياسية ووضع نهاية للمأساة السورية التي تزداد تعقيداً ويزداد الوضع السوري اهتراءً.

لقد توقفت مباحثات أستانا عاماً ونيف لإعطاء فرصة للجنة الدستورية التي هي المنتج السياسي الوحيد المنبثق من مسار أستانا بعد طول عناء في تشكيلها, ولكن من دون التوصل إلى أية نتيجة بعد عقد خمس جولات في جنيف لأن قوة التعطيل أقوى من قوة التفعيل ولأن الأطراف الداخلية لا تثق ببعضها البعض ولا تعترف ببعضها البعض ولأن خيارات سورية أخرى غير خيار النظام وخيار المعارضة الإسلامية مغيبة قسراً عن قوام اللجنة في وقت أن الدستور هو للجميع ويجب أن ينبثق عن إرادة الجميع وإلا ستبقى المشكلة وربما تؤجل إلى وقت لاحق.

ومن اللافت أن قضايا عسكرية عديدة تناقش ثنائياً بين روسيا وتركيا ويتم تنفيذها دون الاستناد إلى مرجعية أستانا. ومن الممكن أن يكون تبادل الأسرى والمعلومات حول المغيبين قسراً بين الحكومة والمعارضة الإسلامية هو السبيل لإحياء مسار أستانا خاصة في المسائل الميدانية العالقة في الشمال السوري بالرغم من إعلان أردوغان نهاية هذا المسار بحجة عدم تنفيذ موسكو التزاماتها. وستعمل موسكو على تبريد عملياتها العسكرية على جبهة إدلب لدفع تركيا والمعارضة الإسلامية لبدء أعمال عسكرية ضد هيئة تحرير الشام (النصرة) وتنظيم داعش الذي توقظ خلاياه النائمة في الشمال السوري وفي بادية الشام.

وعموماً فإن الدول الثلاث الضامنة تتمسك بمسار أستانا من أجل إضفاء "الشرعية" لاحتلالها للأرض السورية والعبث وفيها, ولكن في الوقت ذاته يبدأ مسار أستانا يفقد شرعيته الأمريكية ولاحقاً الأممية بعد رفض الإدارة الأمريكية الجديدة المشاركة في الجولة 15 ومطالبتها عودة الأطراف إلى مسار جنيف في إطار القرار الأممي 2254. وقد يكون اتهام البيان الختامي الأخير  لقسد بالنزعة الانفصالية في شمال شرق سورية من قبيل مسايرة الحكومة التركية التي تتعرض لأشرس حملة انتقادات من المعارضة التركية لشد أزرها وحرف اهتمام الرأي العام التركي نحو خطر خارجي في الوقت الذي تقوم فيه تركيا بتتريك منطقة شمال غرب سورية ودعم الجماعات المتطرفة في إدلب, وربما هو رسالة مبطنة لإدارة بايدن عبر حليفها الكردي في سورية لكي تستمر الولايات المتحدة الأمريكية بتغطية مسار أستانا وتهديدها بخلط الأوراق في الشمال السوري لتحريك ملفات معلقة.

إن فشل مسار أستانا السياسي وتجميد مسار جنيف يطيلان من عمر المسألة السورية ويزيدان من معاناة السوريين. كما أن ربط مسألة إنسانية بامتياز وتأجيل حلها بحل عقد المنطقة وملفاتها ضمن سلة واحدة سوف يؤجج المزيد من العقد والقضايا ومن ضمنها القضية الكردية.

دمشق / شباط / 2021