مصالح القوى المهيمنة طغت على أولوية محاربة داعش

أحمد برسن

تتفاقم يوماً بعد يوم أسس الحداثة الرأسمالية، وتتداعى دعائمها لتتجه نحو الزوال والانهيار.  ولا يمكن معالجة وإنقاذ النظام المهيمن من خلال المداخلات والإصلاحات. بعد اجتماع قمة دول حلف الناتو الذي عقد بعد قمة دول مجموعة الـ 7 ، عقد في العاصمة الإيطالية روما اجتماع للتحالف الدولي ضد داعش. ورغم اختلاف جدول أعمال هذه الاجتماعات إلا أن هناك صلة وثيقة بينها جميعاً. والهدف من سلسلة هذه الاجتماع هو؛ تعزيز قدرات الحداثة الرأسمالية وإضعاف الحركات البديلة التي تظهر.

تقول الولايات المتحدة الأمريكية سواء في وثائقها الاستراتيجية، أو في الإعلان الذي صدر في أعقاب اجتماع دول الناتو، إنها تسعى للتركيز بشكل أساسي على الصين التي تعتبرها العدوة الرئيسة، وكذلك التركيز على روسيا التي أعلنتها أيضاً كعدوة. لذلك ولأجل حماية مصالح العصر الجديد، بدأت أولاً بالتوجه نحو معابر الأطلسي، وكذلك تسعى إلى الحرب ضد التنظيمات التي تظهر في الشرق الأوسط بالاعتماد على التحالفات القائمة على المصالح المشتركة. وداعش واحد من هذه المنظمات. وعليه فهي تسعى إلى إعادة ترتيب جبهة ضد داعش داخل التحالف الدولي وتحقيق النتائج التي تسعى إليها.

ضمن التحالف هناك من هو راضٍ عن داعش

هذه التطورات المتسارعة التي حدثت بشكل متسارع وحثيث مع مجيء بايدن إلى السلطة، هي التي دفعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدعوة لاجتماع للتحالف الدولي ضد داعش. عدا عن 81 دولة من دول التحالف، فقد تم دعوة كل من تركيا وقطر أيضاً إلى الاجتماع. ورغم أن التحالف يسمى بالتحالف الدولي ضد داعش، إلا أن هناك بعض البلدان ضمن التحالف، لا يحاربون ضد داعش بشكل فعلي، بل على العكس يتعاونون معه. ولا يخفى على أحد أن تركيا بقيادة أردوغان واحدة من تلك الدول السعيدة بوجود داعش، كما أن دولة قطر بزعامة تميم بن حمد الثاني تعاونت في العديد من الفترات مع داعش وقامت بإدارته وإمداده بالسلاح والأموال.

لا يمكن القضاء على داعش ما لم يتم النضال ضد تركيا وقطر

من جهة أخرى فإن العديد من دول الشرق الأوسط التي من المفترض أن تحارب داعش، تعاني من خلافات بينية بينها تتعلق بالمصالح بين هذه الدول، وتركيا على رأس هذه الدول.  فهناك تنظيمات مثل تحرير الشام وجبهة النصرة التي هي فرع من القاعدة، وكذلك الجيش الحر وداعش التي هي جزء من المرتزقة، وجميعها تربطها علاقات وثيقة مع تركيا وقطر. ومن غير المؤكد أن تركيا وقطر قادرتان على قطع علاقاتهما مع هذه التنظيمات المدرجة على لائحة المنظمات الإرهابية الأمريكية. لأن كلاً من تركيا وقطر تهدد الدول الغربية ودول الشرق الأوسط بهذه المنظمات المرتزقة. فكيف يمكن لمصر أن تكون إلى جانب هذه الدول دون أن توقف كل من تركيا وقطر دعمها ومساندتها لتنظيم الإخوان المسلمين.

ومن جانب آخر فإن أطماع العثمانية الجديدة التي تنتهجها تركيا تشكل تهديداً للعديد من الدول العربية. فتدخلاتها المشبوهة عبر إرسال المرتزقة إلى العديد من الدول مثل سوريا وليبيا واليمن والعراق، وضعت دولاً مثل مصر وأرمينيا والعديد من الدول العربية الأخرى في جبهة العداء لتركيا. كما أن دعمها لتنظيم الإخوان المسلمين بشكل خاص وتدخلاتها في مصر تعتبر أيضاً من القضايا المهمة، وما لم تتم إزالة هذه الصراعات والخلافات، فكيف يمكن أن تظهر إيجابية في اجتماع روما؟

في اجتماع روما لم تتم دعوة القوى الرئيسة التي تحارب ضد داعش، مثل قوات سوريا الديمقراطية. ولم يتم التطرق خلال الاجتماع إلى النضال ضد الدولة التي تتعاون مع داعش، التي تستخدم داعش كأداة للانتشار والتوسع عسكرياً وسياسياً. قوات سوريا الديمقراطية التي أنهت داعش في الرقة، وما زالت تخوض الحرب الأكثر تأثيراً ضد داعش، تعيش تحت حصار الدولة التركية. يتعرض حزب العمال الكردستاني لهجمات الدولة التركية والحزب الديمقراطي الكردستاني في كل من روج آفا وشنكال ومخمور وكركوك. وطالما لم يحارب التحالف الدولي ضد داعش، تلك الذهنيات التي تدعم داعش، وطالما لم يتم وضع حد لتلك الدول، فلن يتم تصحيح مسار التحالف الدولي ضد داعش.

في روما لم يتعدَّ النضال ضد داعش الوعود والتعهدات

وبناءً عليه، عندما نمعن النظر في الإعلان الصادر عن اجتماع روما، حيث تضمن الإعلان ’تم التعهد بتعزيز التعاون بين جميع الدول الأعضاء في التحالف الدولي ضد داعش‘. ولذلك لم يظهر تحالف فعال ضد داعش. فعلى سبيل المثال، يوجد عناصر من داعش من الجنسية الأوروبية معتقلون لدى قوات سوريا الديمقراطية، لا يتم إعادتهم إلى بلدانهم من أجل محاكمتهم محاكمة حقيقية.

تلك الدول لا تقبل مواطنيها من زوجات وأبناء داعش الموجودين في مخيم الهول. فيما تحمل قوات سوريا الديمقراطية هذه المسؤولية على عاتقها. وسبق أن وجهت الولايات المتحدة الأمريكية ووزير خارجيتها بلينكين دعوات "بإعادة الدواعش" ولم يتم اتخاذ أي قرار بهذا الصدد.

داعش لم ينتهِ، بل تتم تقويته لأهداف جديدة

يعلم الجميع أن داعش لم ينتهِ، في الإعلان الصادر عن اجتماع روما تمت الإشارة إلى أن قوات التحالف الدولي ضد داعش، بحاجة إلى تحرك منسق ومشترك، ولكن، مع مرور الوقت تزداد قوة داعش في أفريقيا والشرق الأوسط. والسؤال الحقيقي هنا هو؛ هل فعلاً يسعون إلى القضاء على داعش؟ فإذا كانوا يرغبون بذلك، من المعروف أن تركيا تدعم داعش، وأن قيادات داعش المتقدمة موجودة بين صفوف الجيش الحر، كما تم إرسالهم إلى ليبيا، وقد ظهرت الصور التي تؤكد ذلك. وعليه، فلماذا لا يفرضون عقوبات على تركيا؟ كان يجب التنديد بكل من تركيا وقطر خلال اجتماع روما. ولكن نعلم أن ذلك لم يحصل خلال ذلك اللقاء.

وكنتيجة يمكن القول، لا فرق أبداً بين ما يفعله داعش، وبين ما تفعله تركيا ومرتزقتها اليوم في عفرين. إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تهتم بهذا الأمر في اجتماع روما. ومن أجل إبعاد تركيا وقطر عن روسيا، واستمالتها إلى جانب حلف الناتو، أرادوا إحداث مواجهة بينها وبين روسيا في إدلب. وعليه فإن الهم الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية ليس داعش، وكذلك هم روسيا أيضاً ليس محاربة داعش. وفي النتيجة فإن الأزمة السورية التي تمت مناقشتها خلال اجتماع روما في جلسة مغلقة، لم يتم الإعلان عن نتائجها. وعليه فإن الاجتماع أيضاً يعتبر عقدة جديدة تضاف إلى عقد اجتماعات جنيف وآستانا.

(ك)