مركز بحثي: مصر تفعّل دورها بالمشرق العربي.. مصالح اقتصادية وملاحقة تركيا

يرى مركز الإمارات للسياسات أنّ مصر تتوجّه إلى تفعيل دورها وعلاقتها بالمشرق العربي، وخصوصًا العراق والأردن، وتهدف من ذلك إلى تحقيق مصالح اقتصادية والأهم من ذلك سياسية، عبر محاصرة نفوذ ومواطئ أقدام تركيا في المنطقة، وتحديدًا في العراق.

وقال مركز الإمارات للسياسات: إنّه "في الأشهر القليلة الماضية، تنامت مؤشرات توجّه الدولة المصرية نحو تفعيل دورها وعلاقاتها في دول المشرق العربي، وتحديدًا العراق والأردن، إذ عَقَدَ المسؤولون المصريون عددًا من اللقاءات والاجتماعات مع نظرائهم في البلدين، وكان بعض تلك اللقاءات ذا طابع ثلاثي، أي أنّها جمعت مسؤولي الدول الثلاث، من قبيل لقاءات القمّة بينهم في كلٍّ من القاهرة وعمان ونيويورك".

’مصالح اقتصادية ومحاصرة نفوذ تركيا’

وحول دوافع مصر من هذا التوجّه، أرجعها المركز أولًا، إلى الوضع المصري الداخلي، وثانيًا، بما تتأمّل القاهرة تحقيقه من تعزيز روابطها مع دولتين عربيتين مهمّتين، كالأردن والعراق.

وأوضح المركز، أنّ الدوافع المتصلة بالوضع المصري الداخلي، هي سعي مصر إلى استغلال الأوضاع السياسية والأمنية في الداخل المصري، وذلك عقب إعادة انتخاب الرئيس، عبد الفتاح السيسي، بولاية ثانية عام ٢٠١٨، وتعديل دستور ٢٠١٢ للمرة الثانية عام ٢٠١٩، وكذلك استغلال الانحسار الكبير الذي شهدته مستويات العنف الداخلي الذي قادته جماعة الإخوان المسلمين، والعناصر المتشدّدة التابعة لداعش خاصةً في سيناء، وذلك كلّه بالعمل على دعم البنية الاقتصادية للدولة المصرية، في اللجوء إلى الخارج.

بالإضافة إلى اهتمام مصر باستغلال قوّتها الناعمة، للعمل على تحقيق مصالحها الاقتصادية وربّما السياسية، وذلك باستغلال القوة المصرية البشرية، وخبرتها الفنية في مجالات الإسكان والطاقة والنقل والصحة والزراعة والري والتخطيط العمراني والصناعة والتجارة والتعدين والاتصالات وتدريب الكوادر في مجالات شتّى.

أمّا بالنسبة إلى الدوافع المرتبطة بالعراق، فهناك رغبة مصرية في الاستفادة من مساعي العراق، لاستثمار موارده النفطية في تحقيق التنمية الاقتصادية، وهو البلد الذي في أمسّ الحاجة إلى الخروج من شرنقة الأزمات الداخلية المتتالية، وبعض تلك الأزمات يراها صانع القرار المصري ذات طابع سياسي وآخر أمني، وفي كل ذلك تشتبك الأوضاع الداخلية مع الأوضاع الخارجية المرتبطة بالجارة الإقليمية للعراق (إيران)، وبالقوى الكبرى الموجودة على الأرض (الولايات المتحدة).

كما أنّ القاهرة تشجّع ميل رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، إلى وضع خطوط حمراء أمام محاولات تركيا، لخوض مغامرات جديدة في الساحة العراقية. وكما يفعل مع إيران، يرغب الكاظمي في توجيه رسائل واضحة إلى تركيا، أنّ هناك قوى عربية فاعلة يمكن الاعتماد عليها، لموازنة أي مساعي تركية للتدخّل في الشأن الداخلي للعراق.

أمّا بالنسبة للأردن، تدرك مصر مكانة الأردن الفريدة في التعاون الثلاثي المصري-العراقي-الأردني، من زاوية وجود فعلي للجنة مصرية-أردنية مشتركة، منشأة منذ عام 1985، تعقد اجتماعات دورية ومنتظمة، كان آخرها في مارس 2021.

وقد أثمر هذا التعاون عن توقيع 147 اتفاقية، منها 44 اتفاقية في مجال التعاون الاقتصادي والتجاري والفني والمالي والاستثمار.

وهناك رغبة مصرية في أن يكون ضمّ العراق للشراكة بين مصر والأردن، فرصة لاستفادة الأردن من هذا التعاون، باعتباره معبرًا وحلقة الوصل بين مصر والعراق، بما يفيد البلدان الثلاثة في هذا المضمار.

نتائج كبيرة

وحول الفرص التي يمكن جنيها نتيجة التعاون بين هذه الدول الثلاث، رأى المركز أنّ ذلك يساعد في تأسيس فكرة "الشام الجديد"، التي صرّح بها مؤخرًا رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، والرامية إلى تعزيز مسار التنمية في الدول الثلاث، المتصلة جغرافيًّا، والتي ستبدأ بإنشاء خط برّي متصل لنقل الأفراد والبضائع بين تلك البلدان.

بالإضافة إلى الاتفاق على الربط الكهربائي بين البلدان الثلاث، وذلك بضمّ العراق إلى هذا الاتفاق، ما يفيد الأخير للحدّ من الأزمة الناجمة عن أثر السدود التركية على نهري دجلة والفرات على توليد الطاقة الكهرومائية، والاستفادة من الخبرات المصرية في هذا المجال.

كما يساعد على التعاون في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتوظيف الإمكانات المتوافرة لدعم البنية التحتية الرقمية، من خلال الاستفادة من شبكات الكابلات الدولية المصرية وربطها بالأردن والعراق.

ويساهم في نقل الخبرات المصرية للبلدين، وخاصةً للعراق، فيما يتصل بالامتدادين العمراني والسكّاني، وتأسيس الطرق والمحاور، لاسيما بعد نجاح مصر في تأسيس عاصمة إدارية جديدة، وقفزها أكثر من 50 درجة على السلّم الدولي الخاص بسلامة النقل والطرق. ويرتبط بكل ما سبق، استثمار الخبرة المصرية في إعادة الإعمار في العراق.

إلى جانب زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدان الثلاثة، من خلال تبادل السّلع والخدمات، وبما يعظّم القدرة المصرية في تشغيل العمالة، واستفادة العراق والأردن ومصر من التكامل السّلعي.

كما يؤدّي إلى زيادة عدد العاملين المصريين بالعراق، وتحسين ظروف عملهم في الأردن. والجدير بالذكر أنّ في الأردن اليوم نحو 600 ألف مصري، وفي العراق نحو 150 ألفًا. وتأمل مصر أن يعود العمال المصريين في العراق، إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل غزو الكويت في مطلع التسعينيات، وذلك بعد أن انقطعت السبُل بعشرات الآلاف ممن كانوا يعملون في ليبيا، بسبب الأوضاع الأمنية هناك.

وفي ختام بحثه قال المركز: إنّه "في الأسابيع القليلة المقبلة، يتوقّع قادة مصر والأردن والعراق، أن يلتحق الأخير بركب التعاون المثمر بين مصر والأردن، بعد أن فات العراق الكثير خلال العقود الثلاثة الماضية، جراء توقف عمل اللجنة المشتركة المؤسسة عام 1989 بينه وبين مصر، وأن يكون ذلك عبر ضم العراق إلى الاتفاقات ومذكّرات التفاهم الموقّعة في مجال التعدين، والموارد المائية، والآثار، ومراقبة الشركات، والتنمية الحضرية، وغيرها.

ويرى مراقبون أنّ التعاون بين البلدان الثلاثة، على الرغم من كونه تعاونًا ذا طابع اقتصادي واجتماعي، إلّا أنّه من المتوقّع لاحقًا أن يكون هناك تعاونًا أمنيًا في مجال مواجهة العنف والإرهاب، وكذلك تعاون سياسي في مجالات شتّى، على رأسها تنسيق المواقف في المنظمات الدولية، ومحاصرة النفوذ ومواطئ الأقدام التي تسعى بعض قوى الجوار العربي أن تقوم بها في العراق".

(ي ح)


إقرأ أيضاً